كأننا، وكلمنا هزمنا، عُدنا إلى الوراء، نقرأ الماضي من جديد، هل قُتل الماضي بحثًا؟ - unsplash

ديستوبيا القرن العشرين الطويل

عن محترفي الهروب للوراء

منشور الثلاثاء 2 أغسطس 2022

لم أتقبل بسهولة التكرار الملح لكلمة ديستوبيا في السنوات الأخيرة، لا أعرف لماذا؟ لكنني في الأخير استسلمت لسلطة المجاز.

أعرف أنها تعني حرفيًا المكان المعطوب أو الشرير، وأنها عكس يوتوبيا التي تعني حرفيًا المكان الجميل. هكذا، يفرق بينهما الخيال، ويجمع بينهما المكان، كأنهما وجهان لعملة واحدة: ملك أو كتابة. وكما يخبرنا تاريخ الأدب ظهرت اليوتوبيا أولًا فبدت الديستوبيا يوتوبيا معكوسة، وبما أنهما نتاجان للخيال، أو لاستشراف المستقبل، فكيف تحولت يوتوبيا توماس مور المتفائلة بمستقبل الجنس البشري سنة 1516، إلى ديستوبيا ألدوس هكسلي في عالم جديد شجاع سنة 1931؟

بطريقة أخرى، كيف انقلب أمل عصر النهضة في عالم أفضل إلى الأرض الخراب، قصيدة طويلة لـتي إس إيليوت، في القرن العشرين؟ هذا ما يعرفه المؤرخون، أما أنا فيخيّل إليّ أنني، وربما من بقي حيًا من جيلي كله، الجيل الذي ولد في النصف الثاني من القرن العشرين، لم نغادر ذلك القرن الطويل بعد. كأن خللًا وجدانيًا، تشكل معنا في بطون الأمهات: ولدنا في الحرب، ولم ينجح أهالينا في محو "آثار العدوان"، فختمت على قلوبنا الهزائم الكبيرة والصغيرة.

محترفو الهروب للوراء

توقفت منذ سنوات بعيدة، ربما من بداية التسعينيات، عن حضور الندوات الشعرية. لم أحضر ندوات كثيرة لكنها كانت كافية لأدرك أن كل شاعر جاء إلى الندوة لكي يسمع صوته هو، لا صوت الآخرين. وكان هذا سببًا كافيًا للانقطاع عن الحضور، ناهيك عن كون البضاعة نفسها واحدة تقريبًا، فكيف تفرق بين البائع والزبون.

انشغلت سنوات فيما يخصني وفي الغربة الطويلة. بعد الرجوع، وفي سنة 2015 دعاني صديق جديد لندوة في الجامعة الأمريكية، ندوة لشاعر واحد من جيل الثمانينيات، الجيل الذي يمكن اعتباره "ساقط قيد" من الشغف المصري بالتحقيب. قلت فليكن، وذهبت.

كنت مشتاقًا للشعر، وفي غاية التركيز. ألقى الشاعر نصًا بعد تقديم نسبيًا طويل، وبعد النص الثاني، زاد تركيزي، ليس عن استمتاع ولكن، لاختبار ما قر في قلبي وإحساسي أن لغة الشاعر قد تكون جديدة ومختلفة عن لغة الثمانينات التي بدأ بها مسيرته الشعرية، لكن روحه نفسها، الروح التي وراء النص، وفي النص، مازالت عالقة هناك، عالقة في زمن فات.

بعد هذه الندوة قرأتُ كثيرا لشعراء آخرين، من جيلي ومن الجيل الأشهر جيل السبعينيات، هجر الجميع التفعيلة تقريبًا، واتجهوا إلى قصيدة النثر، لكن المشكلة بقيت كما هي: فريق روحه قديمة، وفريق لغته تحاول لكنها ليست جديدة، كأنهم جميعًا يخاطبون بشرًا عالقين مثلهم في الماضي.

لم يكن إحساسي ذلك جديدًا تمامًا، أعتقد أنه بدأ في ميدان التحرير، حين استولى الشعب على الميدان، وانتشرت المنصات، وبين الخطب الطويلة استراحات قصيرة مع الغناء.

كانت الأغاني نفسها التي احتكرتها السلطة في الستينيات، والتي تذيعها محطات الأغاني في المناسبات الوطنية الكثيرة: من عاش الجيل الصاعد إلى بلدنا على الترعة بتغسل شعرها، ومعها أغاني الهامش المعارض للشيخ إمام.

في التحرير اجتمع غناء السلطة وغناء الشعب، لكن أي سلطة وأي شعب؟ هل كان الجيل الجديد يقود الثورة بغناء قديم؟ أم أن الوقت كان مبكرًا لكي يصنع الجيل الجديد أغانيه؟ أم أن الجيل القديم الذي التحق بثوار يناير جاء بروحه القديمة نفسها وغناءه القديم؟

من المنطقي إذن، وبعد التسليم بهزيمة الثورة، ألا نشرح أسباب هزيمة يناير بل هزيمة 1967، وأن نحلل العلاقة بين "نداء الشعب" و"صوت الجماهير". بالضبط مثلما ذهب صلاح عيسى مثلًا إلى ثورة عرابي بعد هزيمة 1967. كنت صغيرًا وقتها فلم يبق لي منها سوى موت الزعيم، وفي 1973 كنت أكبر قليلًا لكن لم يبق لي من الحرب، سوى معارك الطائرات فوق سطح بيتنا، واستشهاد مثلي الأعلى نقيب الصاعقة في الثغرة الدفرسوار.

كأننا، وكلمنا هزمنا، عُدنا إلى الوراء، نقرأ الماضي من جديد، هل قُتل الماضي بحثًا؟ هل يملك التاريخ مفاتيح المستقبل كما يقولون، أم أننا محترفو هروب للوراء، نعيد اختراع الماضي، نسميه الزمن الجميل، القاعدة أن كل ماضي جميل لأنه مفقود، وكل مستقبل مرعب لأنه مجهول.

قرننا العشرين

ما أعرفه أن عالم جديد شجاع، التي قرأتها منذ سنوات بعيدة، كُتبت سنة 1931 بعد الحرب العالمية الأولى، وفي ذروة الكساد العالمي الشهير، لكن أحداثها تدور سنة 2540، استشراف سوداوي للمستقبل، مستندًا إلى الخيال العملي: البيولوجيا التطورية وهندسة المواليد، مستلهما روح الصناعة الكثيفة والتنميط، فيسقط التقويم الجريجوري القديم، ويبتكر تقويما جديدًا "ما بعد فورد"، نسبة إلى هنري فورد صاحب أول مصنع سيارات للإنتاج الكثيف.

أما الرواية الأكثر شهرة، عن ديكتاتورية الأخ الكبير 1984 فكتبت سنة 1948، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي 1975 ظهر الفيلم الأكثر تأثيرا في شبابي Roller Ball من بطولة جميس كان، حضرت عرضه في سينما أوبرا بالمنصورة سنة 1978 تحت عنوان لعبة الموت،كان في المنصورة وقتها خمس صالات للعرض السينمائي، اختفت جميعها الآن.

برومو الفيلم


أحداث الفيلم تدور في سنة 2018، شركة الطاقة تحكم العالم الموحد، بالحديد والنار والفساد طبعًا، وتسعى لمحو قيمة الإنسان، والقضاء على الفردية. لن أتحدث عن الرعب الملازم لقراءة أو مشاهدة تلك الديستوبيا، لكن الملاحظ أنه في النصف الثاني من القرن العشرين، أصبح زمن الرعب القادم أقرب، والملاحظة الثانية، ولأن رعبًا أكثر من هذا سوف يجيئ، أن الغرب كلما لحقت به هزيمة تطلع للأمام، للتحديق في عين المستقبل. أما نحن فعلى العكس، كلما هزمنا رجعنا للوراء، إلى الحملة الفرنسية، ومذبحة المماليك.

قسم المؤرخ البريطاني إريك هوبساوم تاريخ العالم إلى عصور، فوصف القرن العشرين بعصر التطرف أو التطرفات، وجعله قصيرًا يمتد من الحرب العالمية الأولى سنة 1914 إلى سقوط حائط برلين 1990. أما نحن فقرننا العشرين أطول كثيرًا من قرن الآخرين، يمتد من ثورة عرابي 1882 إلى الربع الأول من القرن الواحد والعشرين. كأننا الوحيدون الذين أبصرتهم ميدوزا فصاروا حجرًا، أو على الأقل يمشون نيامًا وصامتين.