البانوبتيكون: المخطط الذي صممه الفيلسوف الإنجليزي جيريمي بنتام للسجون في القرن الثامن عشر
-

السلطة وإعادة صياغة الحياة

منشور الأربعاء 16 مارس 2016

 

إن الدولة الحديثة هي بالتعريف مشروع للاستعمار اليومي؛ فكل تعامل مع أجهزة ومؤسسات الدولة هو بمثابة إدماج وإعادة خلق وإنتاج للذات الفردية ضمن هذا الكيان الضخم، يحدث هذا في الأسرة، وفي المدارس، وفي السجون، وفي المستشفيات، وفي المصانع، وفي الخدمة العسكرية.

في رواية جورج أورويل 1984 يتخيل الكاتب أن هناك، في دولة ما، أربع وزارات تشكل الجهاز الحكومي، أحد هذه الوزارات هي وزارة "الحقيقة"، وهي "تختص بشؤون الأخبار ووسائل اللهو والاحتفالات والتعليم والفنون الجميلة"، وكان ونستون، الشخصية الرئيسية في الرواية، يعمل موظفًا في وزارة الحقيقة، ويقوم بمراجعة كل المطبوعات وإعادة صياغتها بما يتوافق مع ما يراه الحزب الحاكم: "فالتاريخ كله كان بمثابة لوح تم تنظيفه لإعادة النقش عليه بما تستلزمه مصلحة الحزب".

هكذا تعمل السلطة على ضبط المجتمع ومراقبة سلوك الأفراد فيه، فهي تتحكم وتمارس سلطتها ورقابتها على الأفراد ليس فقط بالعنف والقمع المباشر ضد أي خروج عليها وعلى قيمها وأخلاقها السائدة، ولكن أيضا من خلال إنتاج المعرفة وإعادة صياغتها دائمًا بما يتوافق مع مصلحتها واستمرار سلطتها.

من هنا تبدو أهمية النظر لأداة الرقابة كآلية من آليات السلطة الحاكمة في أي مجتمع. وإذا كان جورج أورويل كتب وتخيل مجتمعًا شموليًا بهذه الطريقة، تقوم فيه السلطة بالرقابة على أفراده وعقاب من يخرج علي قوانينه، فإنه يقدم تصوره الفني والخيالي عن نموذج لدولة "الشر المطلق" في سياق أدبي. ما أود أن أناقشه هنا ليس الخيال الفني للكاتب بقدر ما هو هذا التصور لدولة "الشر المطلق" والذي خرج من إطاره وسياقه الفني والأدبي إلى سياق آخر غير فني، وتقديمه أحيانا كوصف وتحليل حقيقي لوجود نموذج لما يسمى بـ "دولة الشر المطلق".

في كتاب "تاريخ الكذب" لجاك دريدا، ينتقد الفيلسوف الفرنسي أطروحة حنة آرندت عن "الكذب المطلق" أو "الشر المطلق" في المجال السياسي، باعتبار أن المفهوم يهدد بأن يكون بمثابة الوجه الآخر للمعرفة المطلقة أو "الحق المطلق" عند هيجل، و"الكذب المطلق" عند حنة آرندت قريب بقدر ما من دولة "الشر المطلق" التي تخيلها أورويل في روايته الطويلة. 

بالعودة إلى حنة آرندت، فهي تقول في دراستها "الحقيقة والسياسة" إنه يمكن اعتبار اللجوء للكذب كأحد الوسائل الضرورية والمشروعة، ليس فقط لكل من يمتهن السياسة أو يمارس الديماجوجية، بل وكذلك لممارسة الحكم نفسه. فالحقيقة بطبيعتها "لا سياسية"، ولعلها مضادة للسياسة. باعتبار أن السياسي الماهر هو الذي يعرف أن الحقيقة عقيمة، معطلة للمبادرة؛ لذا فالسياسي يلجأ إلى الكذب والتضليل لدرجة تفتن الجمهور وتسحره وتضمن ولاءه. وهي في هذا النص لا تبرر الكذب بالتأكيد بقدر ما تحاول أن تشرح علاقته وضرورته في المجال السياسي وإدارة الحكم.

وترى آرندت أن الكذب لم يبلغ حدوده المطلقة إلا في عصرنا الحديث. وعلى عكس رؤية كاتب مثل أوسكار وايلد، الذي كان يشتكي من "انحطاط الكذب"، ومن تدني مستواه لدى السياسيين والمحامين والصحفيين في عصرنا هذا؛ فالكذب، في رأيه، فن لا يمكن له الاستمرار إلا من خلال ممارسات فنانين، ومستوى هؤلاء في إتقان فن الكذب في حالة هبوط مستمر. وعلى عكس الاحتضار الذي يراه وايلد، تعبر آرندت عن قلقها من التضخم والتنامي المفرط للكذب في عالم السياسة، وتقدم مقارنة بين الكذب القديم والتقليدي والذي لم يكن يتجاوز في طموحه مجرد حجب الحقيقة والالتفاف عليها. وبين الكذب الحديث والذي تصفه بأنه كارثي، فالكاذب الحديث يعرف أنك تعرف الحقيقة لكنه لا يكل من النيل من موضوعيتها ونقضها أمامك.

من وجهة نظر دريدا في دراسته، فمشكلة طرح آرندت، والذي نرى أن أورويل في سياق آخر أيضًا يتبناه في روايته، هو أنه يفترض إمكانية وجود معرفة مطلقة، أو دولة لا سلطوية في حالة أورويل. من البديهي أن الكاذب يعرف الحقيقة ويعرف أيضًا أنه يكذب، لكنه لا يعرف كل الحقيقة. إن آرندت تلتزم بالتعريف الكانطي للكذب، وهو التعريف المستحيل، فوفقًا لكانط ومن جانب قانوني وليس أخلاقي، على الإنسان أن يقول الحقيقة ويلتزم دائما بالصدق كواجب قطعي عليه، وبالتالي فهذا التعريف هو تعريف حقوقي عام ومجرد ولا تاريخي، حتى أن الكاتب بانجمان كونستان قال إن تعريف كانط من شأنه الحيلولة دون نشوء مجتمع. ويكمل دريدا أنه مع ذلك يمكن فهم، لا قبول، تعريف كانط للكذب في سياقه الحقوقي هذا. إلا أن ما قامت به آرندت في دراستها كان بمثابة استعارة لتعريف متعال ولا تاريخي لتطبيقه في مجال تاريخي ومختلف وهو المجال السياسي.

في مقابل التصور الروائي لأورويل عن دولة "الشر والرقابة والكذب المطلق" يقدم الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في أكثر من دراسة له، وبالأساس في عمله المهم "المراقبة والعقاب"، قصة الرقابة وكيف تقوم بعملها بفاعلية في العصر الحديث. إنها قصة مشوقة ضمن قصة أكبر لعمل السلطة الحديثة بشكل عام. وفوكو لا يتحدث عن دولة شمولية وأخرى ديمقراطية ولا عن نموذج خيّر تماما في مقابل نموذج شرير تماما، وبالتأكيد لا عن الحق المطلق في مقابل الباطل المطلق. إن فوكو  يقول أن حصيلة عصر التنوير الأوروبي، أنه ترك لنا، بالإضافة إلى الأنوار، القيود. وقد تحولت السلطة فيه من الملكية الاستبدادية إلى أنظمة حديثة تقوم على آليات الرقابة والسيطرة.

إن مؤسسات الدولة الحديثة أصبحت هي التي تعمل على تكوين الفرد، أو بالأصح على إنتاجه؛ فعملية تكوين الفرد هي عملية حديثة تمامًا كإحدى وظائف السلطة، وهي العملية التي يطلق عليها فوكو "الفردنة"، بمعنى تميز الفرد كشخص بالنسبة للعناصر الأخرى في العالم، وأيضًا تميز الشخص بالنسبة للأشخاص الآخرين؛ ومن ثم خلق موضوعات للسلطة أسهل في الرقابة والتحكم والسيطرة، ومن ثم يمكن تحليل طبيعة قوة السلطة وآلياتها من خلال تواجدها وتبديها. فالفرد الحديث يتم إنتاجه من خلال الرقابة عليه و تطويعه وإصلاحه.

إن الدولة والسلطة الحديثة هي بالتعريف مشروع للاستعمار اليومي؛ فكل تعامل مع الأجهزة والمؤسسات هو بمثابة إدماج وإعادة خلق وإنتاج للذات الفردية ضمن هذا الكيان الضخم، يحدث هذا في الأسرة، وفي المدارس، وفي السجون، وفي المستشفيات، وفي المصانع، وفي الخدمة العسكرية. فالذات الحديثة تولد من إجراءات العقاب والرقابة و التطويع والإكراه. وتاريخ إدماج السكان القسري لهذا الكيان الحديث، تاريخ خلق و"فردنة" ما يسمى "المواطن"، هو تاريخ طويل من العنف، الحقيقي والرمزي، ضد السكان لصالح قيام المشروع العقلاني الاستعماري اليومي المسمى "بالدولة الحديثة". إن فوكو يقدم لنا السلطة لا باعتبارها طبقة حاكمة في مواجهة طبقات يتم استغلالها، لكن باعتبارها إستراتيجية تتشكل وتتجسد في أجهزة الدولة، وفي صياغات القانون وفي الهيمنات الاجتماعية المتعددة، فالسلطة توجد في كل مكان ليس لأنها تشمل كل الأشياء لكن لأنها تأتي من كل مكان.

إن السلطة وفقا لفوكو ليست مؤسسة محددة، إنها إستراتيجية معقدة ومنتشرة في جميع الأنحاء. والفرد، على هذا النحو ووفقا لهذا التصور، لا يتم وضعه في مقابل السلطة، ولا في مقابل الحزب أو الأخ الكبير، كما يذهب أورويل، ولا في مقابل الطبقة الحاكمة كما تذهب الماركسية، بل باعتبار الفرد هو أحد آثار تلك السلطة، أو نتيجة من نتائجها. وتخلق هذه السلطة معايير السلوك والقيم والأخلاق من خلال ممارسة المراقبة وفرض الالتزامات وتطوير العادات للأفراد موضوع عملها وتبديها. وأخيرًا يقول فوكو إن كل تبّدي للسلطة لا بد وأن يظهر معه فعل مقاومة؛ لا كرد فعل مقابل، ولكن كطرف في حقل علاقات القوة. إن رواية أورويل وتصويره للسلطة والتصورات التي تُشبه ما كتبه أورويل، هي تصورات مغرية وجماهيرية لكنها تبسيطية. بالمقابل وببعض العناء والجهد يمكننا تأمل والاستفادة من تحليل فوكو للسلطة الحديثة وأشكال تبديها وآليات عملها وإمكانيات مقاومتها.