- تصميم: يوسف أيمن- المنصة

"دريس كود" سلفي لدخول الكنائس

منشور الأحد 14 أغسطس 2022

أثارت صورة للبابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، أثناء أحد القداسات الدينية بدير الأنبا أنطونيوس في النمسا جدلًا واسعًا، بسبب ظهور اثنين من الشمامسة فيها، أحدهما بشعر طويل، والآخر بقصة شعر "كابوريا".  

على السوشيال ميديا، أشاد قطاع من الأقباط بالواقعة، التي حدثت في يوليو/ تموز الماضي باعتبارها مؤشرًا على انفتاح الكنيسة، واتجاهًا جديدًا لاستيعاب الشباب.

في المقابل، هناك قطاع آخر أكثر صخبًا، انتقد البابا بحجة أن الصورة تقلِّل من مهابة المكان، ودليل على تخلي قيادات الكنيسة عن تقاليدها وإيمانها.

ليست للصورة في حد ذاتها دلالة على حدوث تغيير إيجابي، فهى بنت البيئة التي وُجدت فيها، ونتاج مجتمع حُر، وأعضاء كنيسة مؤثرون، وصوتهم مسموع. لكنها تشير في الوقت نفسه، بوضوح، إلى الطرح المتنامى خلال السنوات الماضية، بقياده عدد من كبار رجال الدين ومناصريهم، المتعلق بالملابس المناسبة لدخول الكنائس، خصوصًا ملابس النساء، لدرجة أن البعض طالب بوضع "دريس كود" أو مواصفات للزي، يُمنع من لا يلتزم به من دخول الكنيسة.

يتبنى مروجو هذه الحملات خطابًا قائمًا على أن جسد المرأة "عورة"، وأساس لرذائل الرجال، التي تأخذ أشكالًا مختلفة منها التحرش والعنف ضد النساء. ويبين هذا مدى تأثر بعض رجال الدين المسيحي بالخطاب الإسلامي السلفي الرجعي.

على سبيل المثال، تبنت إحدى الحملات على السوشيال ميديا شعار "استرى نفسك فى الكنيسة.. خلي الناس تعرف تصلي"،  وهو خطاب غير مسبوق من حيث الصياغة والحدة. واستند مروجو الحملة إلى عظة للقمص الشهير داود لمعي، راعي كنيسة مار مرقس بمصر الجديدة فى القاهرة، انتقد خلالها ارتداء النساء ملابس اعتبرها غير محتشمة، وقال في خطاب تحريضي موجه للرجال "أنا شخصيًا أعتقد أن أي رجل يوافق على مغادرة زوجته منزلها بهذه الطريقة، سيحاكم أمام الله".

ويشكل هذا النمط من إطلاق الأحكام ملمحًا للثقافة المجتمعية التي تربط القيم الإيجابية بالمظاهر، فتربط بين الملابس والفضيلة، وتتهم غير المحتشمات بعدم الالتزام الديني، وأحيانا سوء السلوك.

وللأسف، انتقل هذا الفكر السلفي إلى رجال الدين، الذين يفترض أولًا أن يكون لديهم الوعي بعدم الحكم على الناس بالمظاهر، وثانيًا إدراك أنه من واجبهم، بل ومن مقتضيات وظيفتهم، التعامل مع كل الناس حتى لو كانوا خطاة بالمفهوم الديني.

وصل التأثير السلفي إلى درجة استدعاء القمص داود نصًا دينيًا من التوراة وإعادة تفسيره بأن "اللبس المعثر لبس الزانيات". ويتزامن ذلك مع رغبة بعض القيادات الدينية في عقاب المختلفين، ونصب محاكم تفتيش علانية لهم.

علَّقت بعض الكنائس بوسترات على أبوابها بقوائم الملابس الممنوعة، "الملابس القصيرة، التيشيرتات الكاشفة، الفساتين غير اللائقة، فساتين الأفراح المكشوفة، الجينز الممزق، الشورت والبرمودا، التيشيرتات الكت"، وذلك تحت شعار آية العهد الجديد "ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح".

ولم يكتف الأنبا يؤانس، أسقف أسيوط، بالحديث عن ضرورة الالتزام بالحشمة، لكنه قرر منع النساء من دخول صلوات الإكليل أو الخطوبة بملابس اعتبرها غير محتشمة، كالبنطلون القصير أو البلوزة قصيرة الأكمام.

وأمر بتفصيل زي محتشم ترتديه المرأة قبل دخولها الكنيسة، وعيَّن بعض النساء حارسات للعقيدة، يقفن على الأبواب ويقررن إن كانت الملابس مطابقة للمواصفات أم لا؟ وإن لم تلبِ شروطه، تُخير النساء ما بين ارتداء البوليرو، وهو جاكت قصير طويل الكمّين، فوق ملابسها أو مغادرة الكنيسة. 

بطبيعة الحال، يتضمن دور رجال الدين الدعوة للالتزام بالتعاليم والقيم الدينية، ومن بينها الحشمة. ولكن المشكلة تكمن في الدعوات المقرونة بإجراءات عقابية، بالإضافة إلى كونها طبقية، حسب المستوى الاجتماعي والثقافي للمنطقة التي تقع بها الكنيسة.

على سبيل المثال، الأنبا يؤانس الذي أصدر تعليمات الكم الطويل في أسيوط، لا يستطيع أن يطبقها في كنيسة العذراء بأرض الجولف بمصر الجديدة، التي يشرف عليها أيضًا.

وتتعدد أسباب انتشار هذا الفكر بين رجال الكنيسة وقطاع واسع من المواطنين، ومن أبرزها الخوف المرضي من الانفتاح على العالم، بحجة أنه سيضعف من قوة الكنيسة ونفوذها وتأثيرها، وهذا كان أحد أسباب تراجع دورها التعليمي والتوعوي لصالح دورها التنظيمي والخدمي.

فالأقليات غالبًا ما تحرص على الظهور بصورة مثالية، كأحد أشكال التميُّز الذي يمكن تحقيقه

أنصار هذا الاتجاه يعوقون أيّه إجراءات للإصلاح والتجديد في رسالة الكنيسة ودورها وعلاقتها بأعضائها، وهو ما يجعل رجال الدين منفصلين عن شباب وشابات الأقباط وواقعهم، وما توفره لهم التكنولوجيا وثورة المعلومات من إمكانيات، ومن هنا تبدأ سياسات المنع والتحذير والتحريض وغيرها.

سبب آخر هو انتماء هؤلاء لثقافة الأقلية، بغض النظر عن قبولنا ورفضنا للمصطلح. فالأقليات غالبًا ما تحرص على الظهور بصورة مثالية، كأحد أشكال التميُّز الذي يمكن تحقيقه، والإشادة به حتى من أشد الأطراف تعصبًا ضدهم. وتحرص الأقليات على تجنب اللوم من الأكثرية بأنهم سبب "تراجع الأخلاق" في المجتمع.

ويمتلئ الخطاب المسيحي بصيغ من قبيل "نحن وهم"، نحن أبناء الله، وهم أبناء العالم، لا يجب أن يتشابه أبناء الله مع أبناء العالم في سلوكياتهم، لا يجب أن تأتي العثرة منّا.

ولا يمكن إعفاء المجتمع المسيحي، فهو شريك أساسي في هذه المشكلة، بداية من القبول بهذه النظرة المتدنية للمرأة، والتسامح مع العدوان على حقوقها، إلى عدم احترام مساحات الحرية الشخصية في المجمل.

سمحت بعض المجتمعات، ذات النسق الاجتماعي والثقافي الذي يسمح بتداخل العلاقات، بالتدخل في تفاصيل حياة الغير. وأخذ هذا التدخل أشكالًا مختلفة، بداية من النصيحة العابرة، مرورًا بالمضايقات، وانتهاء بالاعتداء الصريح. ولعل الحوادث التي تقع من وقت لآخر في المواصلات والطرق لنساء يتعرضن للسب أو الرش بالماء أو شد الشعر نماذج واضحة على التسامح مع هذه الاعتداءات.

حدود الحرية الشخصية

محاولة فرض زي معين هو تعد على الحرية الشخصية وحرية الاعتقاد، اللتان كفلهما الدستور، بموجب المواد 54 و64 و99.

يقول البعض إن الحرية الشخصية يجب ألا تخالف النظام والآداب العامة، وللأسف تستخدم هذه الحجة للعصف بالحريات. ويُرد على هذا الرأي بضرورة ألا تُستمد مفاهيم النظام والآداب العامة من مجموعة واحدة من التقاليد أو الدين أو الثقافة، وإنما تقوم على التنوع في المجتمع، في صوره المختلفة. 

ومن أبرز  مشاكل هذا الخطاب أنه يبرر الاعتداء على حقوق المرأة، ويوفر غطاء لإجبار النساء في المناطق الشعبية والقرى على ارتداء أزياء معينة، تحت مبررات الحفاظ على التقاليد والقيم المصرية، ويُستخدم الخطاب نفسه لتبرير التحرش والعنف ضد النساء.

وبهذا لا نجد فرقًا بين تصريحات الداعية الإسلامي عبد الله رشدي، الذي يبرر التحرش بما ترتديه النساء، وبين الأنبا يؤانس أو القمص داود لمعي. كلهم يتخذون نفس المنطق؛ ملابس المرأة أصل الشرور.

ومن الملفت أن البابا الراحل شنودة الثالث كان له رأيًا مخالفًا لهذا الاتجاه، فرفض منع النساء والفتيات القبطيات من دخول الكنيسة بحجة احتشام ملابسهن من عدمها "الكلام عن فوران الدم بسبب ملابس النساء مبالغ فيه، ويجب على من يقول ذلك أن يأخذ دواء لمنع فوران الدم".

الأزمة إذن مشتركة بين المجتمع ورجال الدين الذين يتحملون المسؤولية الأكبر، لأنهم فقدوا بوصلة التعامل مع الشباب، وفي أمس الحاجة إلى تطوير وتحديث مناهج تعليم وإعداد الاكليروس، وفهم الشباب واحترام الحريات الخاصة والقرارات الشخصية. ومن الضروري أن تدرك النساء داخل الكنيسة أنهن بحاجة إلى التحدث بصوت أعلى ضد الأفكار الرجعية والمتمحورة حول الذكور. على النساء المسيحيات الاحتجاج على تهميش أدوارهن ورهنها بموافقة ومباركة الرجال.