- تصميم: أحمد بلال - المنصة

في انتظار معجزة من السماء

الاستراتيجية المفقودة للنجاة من دائرة الديون

منشور الثلاثاء 30 أغسطس 2022

لا يحتاج الأمر خبيرًا اقتصاديًا كي يشعر المتابع لأوضاع مصر المالية أنّنا نواجه موقفًا شديد الصعوبة، كما هو حال كل دول العالم تقريبًا في أعقاب أزمة كوفيد-19 والحرب الروسية الأوكرانية المتواصلة.

يشير تقرير بثته الأحد وكالة بلومبرج إلى أن فرصة فشل مصر في سداد أقساط قروضها وصلت إلى أعلى مستوى منذ 2013، ما يزيد من أهمية التوصل بسرعة إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي بكل ما يرتبط به من شروط صعبة.

الصادم في التقرير أن القرض الذي سيوفره الصندوق لن يسدد العجز الكبير القائم في الموازنة العامة أو يساهم في تخفيض القروض الخارجية التي وصلت وفق الأرقام الرسمية نحو 160 مليار دولار، لكن إعلان الاتفاق على القرض ضروري من أجل الحصول على المزيد منها وعودة الإقبال على السندات وأذون الخزانة في الأسواق العالمية حتى نتمكن من سداد أقساط القروض.

ومن المعروف أن نحو 20 مليار دولار من الأموال الساخنة خرجت من مصر في أعقاب اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وسعت وراء أسواق أكثر أمانًا.

وفق تقرير بلومبرج فإن فرصة إعلان مصر فشلها في سداد أقساط القروض هي الأعلى من بين الاقتصادات النامية في المنطقة، بما في ذلك تركيا وأنجولا اللتان تواجهان مشاكل صعبة تتعلق بتراجع العملة وزيادة القروض الخارجية وارتفاع نسبة التضخم، ما أدى لرفع قيمة التأمين على السندات التي تصدرها مصر إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق، أي ببساطة الاقتراض بنسب فائدة أعلى مقارنة بالسندات وأذون الخزانة التي تصدرها الدول الأخرى.

وتبلغ نسبة الديون إلى إجمالي الناتج المحلي نحو 94%، وهو المعدل الأعلى منذ سنوات، ويعني ببساطة أن كل دخل مصر تقريبًا يذهب لسداد فوائد وأقساط القروض. كما من المفترض أن تدفع مصر خمسة مليارات دولار في الربع الأخير من هذا العام،2022، وهو موعد استحقاق أذون خزانة وسندات أصدرت بالدولار واليورو،  إلى جانب تسعة مليارات دولار مستحقة في العام 2023. أي أن إجمالي المبالغ المستحقة خلال العام والشهور الثلاثة المقبلة 14 مليار دولار.

صحيح أن الوكالة أشارت إلى أن مؤشرات إيجابية عدّة بدأت في الظهور مؤخرًا في أعقاب استقالة طارق عامر محافظ البنك المركزي السابق وتعيين حسن عبد الله قائمًا بأعماله، وتصريح رئيس الوزراء بقرب الاتفاق مع صندوق النقد الدولي مع تواصل المفاوضات المضنية، لكن الخطوة المقبلة المتوقعة هي المزيد من خفض العملة المحلية رغم أنه لم تمضِ سوى ستة أشهر فقط منذ خفضها اﻷخير بنحو 15% إلى 20% في مارس/ آذار الماضي.

ومن المتوقع أن يجري تخفيض العملة المحلية على نحو تدريجي حتى نهاية العام بالنسبة نفسها تقريبًا كي يصل الدولار نحو 23-25 جنيهًا مصريًا.

ولا تتوقع الوكالة المتخصصة في الأخبار الاقتصادية أن تعجز مصر عن سداد أقساط الديون، لكن هذا الاحتمال أصبح محل مراقبة من الأسواق العالمية أكثر من أي وقت مضى، خاصة في أعقاب اتخاذ سيريلانكا وروسيا لخطوة مماثلة، مع اختلاف الأسباب.

ما يميز مصر عن سيريلانكا هو توافر فرص أكبر للدعم الدولي، سواء من دول الخليج أو المؤسسات الدولية، إلى جانب استمرار وجود نسبة من الاحتياطي تصل إلى 33 مليار دولار. وتتوقع مؤسسة موديز العالمية لخدمات الاستثمار أن يزيد الاحتياطي تدريجيًا مع تدفق الأموال من مصادر خارجية مثل دول الخليج وصندوق النقد، إلى جانب زيادة الصادرات في القطاع غير النفطي.

من غير المعقول أن نبقى معتمدين على التضرع لله أن يحل الأزمة من عنده عشان مصر مذكورة في القرآن عدة مرات وربنا مش حيسيبنا نجوع

ومع الصعود الحاد في فاتورة الواردات من الأغذية الأساسية كالقمح والزيوت وكذلك البترول، تزايد دور صندوق النقد في توفير الدعم للدول النامية مثل مصر وباكستان وسيريلانكا.

ونقلت بلومبرج عن خبير اقتصادي في لندن قوله "مصر ليست سيريلانكا. فلديها نسبة أعلى من الاحتياطي واختيارات أفضل للتمويل من أجل المضي قدمًا. مشكلة مصر يمكن التعامل معها باتباع سياسات أكثر صرامة وبدعم رسمي من الممولين".

ولمواجهة الزيادة الكبيرة في قائمة الواردات، قدمت السعودية ودول الخليج نحو 22 مليار دولار ودائع واستثمارات منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.

المشكلة في كل الأرقام والمؤشرات السابقة أنها تؤكد أننا نسعى لحل الأزمة العاجلة التي نواجهها بالطريقة المعتادة، وهي المزيد من الاقتراض لسداد القروض مع انتظار معجزة من السماء تؤدي إلى زيادة تدفق الأموال في خزائن البنك المركزي عن طريق مصادر ريعية في الأساس: قروض، استثمارات دول الخليج، تحويلات المصريين في الخارج، دخل قناة السويس، دخل السياحة، زيادة إنتاج الطاقة من الغاز.

ورغم أن تركيا وماليزيا وإندونيسيا على سبيل المثال تواجه مشاكل اقتصادية مماثلة لتلك التي تواجهها مصر من ناحية تراجع العملة والاحتياطي وزيادة العجز التجاري نتيجة زيادة قيمة الواردات، فإن ما يجعل هذه الدول في موقف أكثر قوة هو أن لديها قاعدة صناعية وزراعية أوسع توفر لها مصادر للدخل عبر التصدير وتغطية الاحتياجات المحلية.

في مصر نتحدث دائمًا عن توفير بدائل محلية لما نستورده من الخارج، وتبرير تخفيض العملة المحلية بأن ذلك سيساعد على نمو الصادرات. لكن تبقى المعضلة أننا نستورد معظم المواد الخام والآلات التي تستخدم في التصنيع، لذلك فإن قيمة المنتج المحلي تزيد مع خفض العملة ولا تتراجع، بالتالي لا تزيد الصادرات بالمعدلات التي تماثل الضرر الناجم عن التخفيض المتواصل للعملة المحلية.

بل إن العديد من أصحاب المصانع الصغيرة يضطرون إلى إعلان إفلاسهم وإنهاء أعمالهم لأنهم ببساطة غير قادرين على الحصول على العملة الصعبة المطلوبة لتوفير الواردات. ولو توفرت فإن قيمة المنتج تزداد بنسبة لا تمكن المستهلك المحلي من الشراء.

نحتاج بالتأكيد لحلول عاجلة للتعامل مع المشكلة القائمة الآن المتمثلة في ضرورة سداد القروض لكي لا نخرج تمامًا من الأسواق العالمية ويزداد الموقف الاقتصادي صعوبة. لكن نحتاج أيضًا لاستراتيجية اقتصادية واضحة مختلفة على المدى الطويل تخرج بنا من هذه الدائرة الجهنمية القائمة على الحصول على قروض لسداد قروض.

والمخرج الوحيد المتاح هو بناء اقتصاد قوي يقوم على التصنيع والتصدير، ولا يخضع بشكل متواصل للاهتزازات المتوقعة في منطقة الشرق الأوسط شديدة الاضطراب. لا نحتاج لتكرار سياسات جُربت من قَبْل، ومن قِبَل فريق يرى كثيرون أنه عائد بقوة من المرحلة المباركية، سواء محافظ البنك المركزي الذي كان يشغل رئيس اللجنة الاقتصادية في الحزب الوطني المنحل أو وزير الاستثمار السابق والمسؤول الحالي في صندوق النقد الدولي محمود محيي الدين.

نريد أفكارًا مبتكرةً تضع هموم المواطن المصري الفقير ومتوسط الدخل نصب عينيها، وهي كثيرة. الأرقام التي تُعلن عن تراجع عجز الموازنة أو ثبات معدلات النمو في وقت تتراجع فيه هذه المعدلات في العالم لن تقنع المواطن المصري المطحون الذي لا يرى سوى زيادات متواصلة في الأسعار وتراجعًا في قدراته الشرائية.

ومن المؤكد أننا بحاجة بالطبع إلى مراجعة أولويات الانفاق والتمسك بالمشاريع الإنشائية الضخمة مثل العاصمة الإدارية الجديدة والمقر الصيفي للحكومة في العلمين ومنتجع جبل الجلالة والمونوريل والقطار السريع ومحطة الضبعة النووية.

ربما يكون الوقت متأخرًا لوقف الإنفاق على هذه المشاريع حتى لا تتحول إلى مبانٍ مهجورة في الصحراء بعد أن إنفاق المليارات بالفعل. لكن إذا كانت الحكومة تطالب المواطنين بالتقشف وتُعتم الميادين والشوارع كي توفر بعض العملة الصعبة عبر استخدام ما نقتصده من غاز للتصدير، فإن المسؤولين مطالبين بالتخلص من كل ما يحيطهم من مظاهر الهيبة والفشخرة التي لا تليق بدولة تقول التقارير الدولية إنها تواجه شبح العجز عن سداد القروض.

مصر واجهت موقفًا مماثلًا شديد الصعوبة قبل قيام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بغزو واحتلال الكويت في العام 1990 وكنا عاجزين عن سداد فوائد وأقساط القروض رغم قلتها مقارنة بما هو عليه الوضع الآن. فقط مشاركة مصر في حرب تحرير الكويت هي التي ساعدت على تجاوز الأزمة، وأعلنت الولايات المتحدة ودائنو نادي باريس ودول الخليج شطب ما يزيد عن نصف ديون مصر الخارجية. 

من غير المعقول أن نبقى معتمدين في إدارة بلد يتجاوز عدد سكانه المائة مليون على التضرع لله أن يحل الأزمة من عنده، ويفكها علينا بأي معجزة تأتي من السماء، عشان مصر مذكورة في القرآن عدة مرات وربنا مش حيسيبنا نجوع.