امرأة على الشاطئ - ChrisGoldNY -فليكر برخصة المشاع الإبداعي

أحلام أوروبية ضائعة

منشور الثلاثاء 13 سبتمبر 2022

خلع رئيس وزراء بلد أوروبي رابطة عنقه أمام الكاميرات، تحفيزًا على التقشف في استهلاك الطاقة، ورفضًا للمبالغة في درجات التبريد المستخدمة في الأماكن المغلقة، فهذا الصيف الأوروبي هو الأكثر حرارة منذ عقود طويلة، ويتزامن مع موجة جفاف غير مسبوقة منذ خمسة قرون، وموجات من حرائق الغابات في العديد من البلدان الأوروبية، تصحبها أزمة حادة في الطاقة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، ضاعفت أسعار الوقود، فارتفعت معها أسعار السلع.

طالب الحاكم السياسيين الآخرين بتقليده؛ أن يناضلوا ضد أزمة الطاقة بخلع الكارفاتات، فيشعروا بحر أقل، مانحين أجهزة التبريد هدنة من استهلاكها للكهرباء، تمهيدًا لهدنة تالية في استخدام أجهزة التدفئة المركزية، واستهلاك الغاز، خلال الشتاء البارد المقبل.

رحب الكثيرون بما فعله، اعتبره بعضهم نضالًا، لدرجة أن الأمين العام للأمم المتحدة أشاد به. لكنهما، الحاكم الأوروبي والأمين العام للأمم المتحدة، عادا وارتديا في اليوم التالي أربطة العنق، احترامًا لبروتوكول المقابلات الرسمية. ولم يتوقفا، وغيرهما من سياسيي الصف الأول للعالم الغني، عن مطالبة الفقراء والمنتمين للطبقة الوسطي من الأوروبيين بالتوفير في استهلاك الطاقة والمياه.

أحلام الثمانينيات السعيدة

لفهم دلالات هذا المشهد علينا العودة قليلًا إلى الوراء، عندما تأسس المشروع الأوروبي في صورته الحديثة على حلم مركب ذي وجهين، تم الترويج له بداية من حقبة الثمانينيات بعد تجاوز أوروبا لأزمة الطاقة في السبعينيات.

الوجه الأول لهذا المشروع وهم الحياة المريحة وتحقيق مجتمع الرفاهية؛ أن يعيش كل المواطنين الأوروبيين في مجتمعات مكتفية، يتمتع مواطنوها بالراحة والسعادة. وكان الوجه الأخر لذلك الحلم/ الوهم هو الخلود، الحياة الأبدية.

فمع تطور العلم، ومع تحقق الحياة المريحة، وتطور الأنظمة الصحية العامة، ارتفعت فعلًا متوسطات الأعمار، وتحولت أوروبا إلى مجتمع نسبته الغالبة من كبار السن. صحيح أنَّ هذا التطور أحدث أزمةً لأنظمة التأمين الاجتماعي وصناديق المعاشات، لكنَّ الأيدي العاملة المستوردة من البلدان الفقيرة حلت الأزمة، فالعمال المهاجرون يعملون، ينتجون، ويدفعون مخصصات الضمان الاجتماعي، ولن ينالوا ما دفعوه في النهاية، فالرحيل هو المصير النهائي للمهاجر، أن يعود لبلده.

حلم الأوروبيون خلال ثلاثة عقود بذلك الحلم المركب، الحياة المريحة والطويلة والخالية من الأمراض. تحول الحلم لأساس أيديولوجي للعالم السعيد، منعكسًا بشكل أو بآخر في أغلب المنتجات الإعلامية والثقافية والفنية. وتوازى تكريسه مع تكريس صورة ذهنية لأوروبا وعالمها، لها بدورها وجهان؛ التضامن والسلام.

التضامن مع المحتاجين والفقراء من الشعوب الأخرى، وضحايا الحروب، بميزانيات التعاون الدولي السخية المخصصة لمشاريع تنموية في أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، فيما لم يشترط تحقق جانب السلمية أن تخرج الدول الأوروبية من حلف شمال الأطلنطي العسكري، اكتفت بالامتناع عن المشاركة الرسمية في الحروب والغزوات.

على سبيل المثال عندما قرر جورج بوش الابن غزو العراق واحتلاله، لم تشارك أغلب الدول الأوروبية في تلك الحملة العسكرية، وإن شاركت بريطانيا وإسبانيا، خارج سياق المجتمع الأوروبي الرافض لها في 2003.

صحيح أن بلدانًا أوروبيةً متعددةً شاركت قبل حرب العراق في احتلال أفغانستان، لكنها مشاركة حدثت تحت ظلال ملامح الأسى التي اكتست بها وجوه السياسيين الأوروبيين، أسى الاضطرار، فهم مضطرون للحرب على طالبان والقاعدة، إنقاذًا للشعب الأفغاني، وبالذات النساء، وإنقاذًا للآثار الباقية من الحضارة القديمة، بالقضاء على نظام طالبان المنتمي للعصور الوسطى.

جاءت أزمة 2008 الاقتصادية لتحطم الوجه الأول من الحلم المركب، ليكتشف المواطنون الأوروبيون مع الأزمة أن الرفاهية وهم، وأن الحياة المريحة لن تتحقق للجميع. فأولئك الجدود الحالمون بالرفاهية والخلود، من عملوا طويلًا ليدخروا ويقبضوا معاشات مريحة، اكتشفوا فجأة أن عليهم التضحية بمدخراتهم لإعانة أولادهم المنضمين لجيش البطالة، ولضمان وجبة متواضعة لأحفادهم.

وبين الأبناء والأحفاد، كثير من جيل الشباب لم يتمكنوا من استكمال دراساتهم الجامعية، اضطروا للهجرة أو للعمل غير المستقر بمرتبات ضئيلة، ليتحولوا إلى ما تم تسميته بالجيل الضائع، الجيل الأوروبي الأول منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، الذي سيعيش في مستوى اقتصادي واجتماعي أسوأ من آبائه

ثم جاءت الأزمة الثانية الكبري لتقض على الوجه الآخر من الحلم، فمع وباء الكوفيد انهار وهم الخلود والحياة الأبدية، المستمد رغم ماديته من حلم مسيحي، مستمد بدوره من ديانات أقدم.

لم ينل الأوروبيون وقتًا للإفاقة من الصدمتين المدمرتين لأساس الحلم الأوروبي

لم يجد كبار السن حياةً أبديةً أو خلودًا، بل الموت، يحصد من بينهم عشرات الآلاف في أسابيع قليلة، يأتيهم وهم معزولون في منازلهم، أو بيوت رعاية المسنين، أو في مستشفيات تم تقليص ميزانياتها وإمكانياتها بتأثير الأزمة الأولى. لا أحد يودعهم عند المقابر أو عند أفران الحرق، لا طقوس، فقط الوحدة والموت القريب والمفاجئ.

ما بعد الكوفيد

أصبح المشهد التالي مألوفًا خلال الشهور الماضية؛ رجال ونساء كانوا في زمن الستينيات والسبعينيات من التقدميين، أو دعاة السلام، أو المنحازين للأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، يجلسون معًا، يتابعون في هواتفهم أخبار الحرب في أوكرانيا، يتداولون أسماء لأماكن وشخصيات صعبة النطق، متعلقة بتفاصيل الحرب.

يشعرهم فعل الاهتمام بالرضا؛ فدولهم الأوروبية تدعم الحكم الأوكراني وتسلحه في مواجهة الشر الأكبر الروسي، وتفتح حدودها للملايين من اللاجئات والأطفال الهاربين من الحرب. فهنا حلت معضلتي التضامن، والسلام، ولو عن طريق الحرب.

من أكثر الجمل التي تكررت على ألسنة الخبراء والإعلاميين والسياسيين الأوروبيين في بدايات الوباء، وبالصياغة نفسها مع اختلاف اللغات؛ "سنتعلم الكثير من هذه الكارثة". كان المقصود بالعبارة هو أننا سنتعلم ضرورة رفع مخصصات الرعاية الصحية والاجتماعية والتعليم والبحث العلمي، لمواجهة أزمات وكوارث مستقبلية. لكن مع تراجع الوباء حدث العكس تمامًا، ضغط للنفقات العامة، لصالح رفع ميزانيات التسلح، وترك الساحة لشركات التأمين والرعاية الصحية والمستشفيات الخاصة، التي يقدر علي دفع ثمن خدماتها الأغنياء.

لم ينل الأوروبيون وقتًا للإفاقة من الصدمتين المدمرتين لأساس الحلم الأوروبي، أزمة 2008 والوباء، لتتغير سريعًا الصورة الذهنية لأوروبا، المركبة من التضامن والسلام، مع بداية الحرب الروسية على أوكرانيا.

قبل الحرب بشهور هربت قوات حلف شمال الأطلنطي من أفغانستان، في مشهد مشابه لما حدث في إيران 1979. انكشفت أكذوبة عشرين سنة، فالمجتمع الأفغاني لم يتغير خلال عقدين من الاحتلال، بل عاد لنقطة الصفر في أيام قليلة.

انكشف فساد الاحتلال الذي خلق شريحة محدودة من الأفغان، لتخدمه وتتعاون معه، مقابل امتيازات اجتماعية واقتصادية. أبناء تلك الشريحة هم هؤلاء الذين رأيناهم في نشرات الأخبار وهم يحاولون تسلق الطائرات، هربًا، قبل ساعات من دخول طالبان للعاصمة. خرج حلف شمال الأطلنطي من أفغانستان مجروحًا وفي أضعف صورة منذ تأسيسه.

لكن، مع الغزو الروسي لأوكرانيا، تستعيد أوروبا ما تحتاجه، يتم اختصار كل قوى الشر والطغيان والعدوان في شخص بوتين، فتسقط دعامتي الصورة الذهنية للحلم الأوروبي بدخول بلدان أوروبية جديدة لحلف شمال الأطلنطي، وبتسارع سباق التسلح على حساب الخدمات الاجتماعية والصحية، وبداية التحريض ضد الصين، وتكرار لعبارة جديدة لم تستخدم من قبل "ما تفعله الصين في تايوان غير مقبول".

كل هذا بلكنة التضامن والسلام، فمضاعفة الميزانيات العسكرية، وتسليح أوكرانيا، ضرورة يتم تلخيصها في "الحرب من أجل السلام"، الحرب بالوكالة الأوكرانية. وبدلًا من التضامن مع اللاجئين الآتين من الجنوب الفقير، والعابرين للبحر المتوسط، ينحصر التضامن مع الأوكرانيين تحديدًا، فهم يشبهوننا. وبينما تستقبل أوروبا ستة ملايين من الهاربين من الحرب في أوكرانيا، تنتشر الخطابات اليمينية والعنصرية التي تحمل المهاجرين واللاجئين الآخرين، أصحاب البشرة السمراء، مسؤولية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

أوروبا دون حلم

نشرت المنصة قبل أسابيع نصًا لإبراهيم البجلاتي عن المكان القبيح في الخيال المستقبلي، بعنوان ديستوبيا القرن العشرين الطويل. حكي فيه عن فيلم لعب دورًا أساسيًا لدى جيله في منتصف السبعينيات، قال "أحداث الفيلم تدور في سنة 2018، شركة الطاقة تحكم العالم الموحد، بالحديد والنار والفساد طبعًا، وتسعى لمحو قيمة الإنسان، والقضاء على الفردية".

تمكن صناع الفيلم من استشراف المكان المستقبلي القبيح بدقة، استشراف واقعنا الحالي. ففي وسط أزمة طاقة وجفاف ليس لها مثيل منذ أزمان بعيدة، فرغت شركات الطاقة مياه البحيرات المخصصة لتخزين المياه، فرغتها لتولد طاقة كهربائية تبيعها للمستهلكين، المفترض ملكيتهم للمياه، بأسعار فلكية، بأضعاف ثمنها قبل شهور قليلة. بينما لا يجرؤ أي من سياسيي الصف الأول أن تخطر بباله لفظة "تأميم الطاقة"، في مواجهة شركات حققت أرباحًا لم تحققها من قبل. اكتفوا بخلع رابطة العنق، ومطالبة غير الأغنياء بالتقشف.

فرغت شركات الطاقة الخزانات والبحيرات من المياه، وقامت منتجعات الأغنياء وملاعب الجولف وحمامات السباحة في فيلاتهم بإفراغ الباقي، بينما في منطقة شعبية في جنوب إسبانيا قررت البلدية قطع المياه العذبة عن المغاسل التي يستخدمها المصطافون للاغتسال السريع من الماء المالح والرمل عند خروجهم من البحر بحجة توفير المياه.

في واحد من تلك الشواطئ، مساءً، خرجت سيدتان لاتينيتان من البحر، لا تشبهان جينفر لوبز التي يظنها كثيرون من الرجال العرب نموذج المرأة اللاتينية، فهما قصيرتان ببشرة سمراء. لا حاجة للنظر إلى ملابسهما لمعرفة أنهما فقيرتان، تفضحهما ملامح الوجه، وطريقة الحركة، والخجل، والابتسامات المرتبكة. وسيتأكد فقرهما مما ترتديانه للسباحة في البحر؛ بنطال قصير وقميص بألوان كالحة.

فوجئت السيدتان بأن المغسل عند حدود الشاطئ به مياه، لسبب مجهول لم تنقطع، فاغتسلتا وقتًا طويلًا، مبتسمتين، لا تتوقفان عن تبادل الكلام الهامس، وتتجنبان النظر لعيون المراقبين. بحركات معقدة غيرتا ملابسهما المبتلة بالملابس الأصلية. تصرفتا ببهجة طبيعية، ومستحقة، بعد يوم عمل طويل استطاعتا في مسائه الاستحمام في البحر، وسرقة دقائق من المتعة. غادرتا المكان سريعًا قبل أن يتهمهما أحد الرجال المراقبين بالمسؤولية عن أزمة المياه التي تعاني منها أوروبا، أو ربما يتهمهما بالمشاركة في تحطيم الأحلام الأوروبية، وكل الصور الذهنية عنها.