- تصميم: أحمد بلال- المنصة

القرضاوي.. هل ما تحت السطح أعمق؟

منشور الأحد 2 أكتوبر 2022 - آخر تحديث الأحد 2 أكتوبر 2022

"ما زال لهؤلاء الجامدين من أهل الفقه أخلاف في عصرنا، يعيشون في القرن الخامس عشر الهجري، ولكنهم يفكرون بعقول علماء ماتوا من قرون، وقد تغير كل شيء تقريبًا في الحياة عما كان عليه الحال في عهود أولئك العلماء".

في فقه الدولة في الإسلام، يوسف القرضاوي.

 

الغزاليون الجدد.. في عين العاصفة

ظهر يوسف القرضاوي في عصر سيطر عليه المتمسكون بحرفية النصوص مغردًا خارج السرب السلفي، كما لو أنه أعاد أبو حامد الغزالي للحياة فقهيًا. وبعبارة أخرى، أعاد الاعتبار لمفهوم حركية التشريع وقدرته على التطور من ناحية، ومفهوم المصلحة المرسلة التي لم يرد بها نص، كأداة للتشريع واستخلاص الأحكام من ناحية أخرى.

قدم الغزالي مفهوم المصلحة كأداة لتجاوز حدود الجمود النصي القطعي وقراءة أكثر مرونة للتشريع. ظهرت المصلحة كأداة للتغيير التشريعي إذا ما تغير الظرف الذي خلقها. وهو ما يعد النقطة المحورية في معركة الإصلاحيين مع الأصوليين، وهو ما حاول أن يقدمه تيار الغزاليين الجدد، إن جاز التعبير، ومنهم يوسف القرضاوي.

بل تجاوز القرضاوي الغزالي في توسعه على "المقاصد الخمسة" المعروفة فقهيًا من حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. فبينما حصر الغزالي، في كتابه المستصفى، المصلحة في إطار حفظ تلك المقاصد الخمسة، لم يكتفي بها القرضاوي كأساس لتحديد المصلحة، فقدم منظور ثوري للمصلحة كأداة للتشريع حين أضاف لها بعدها السياسي والحقوقي الحديث أو مفهوم المصلحة العامة. بل ذهب خطوة للأمام حين أضاف المصالح التي تشكل حقوق وطنية في الدولة الحديثة بقوله:

"وأرى أن هناك ضروريات أخرى راعتها الشريعة وقصدت إليها، مثل حفظ العرض، والعدل، والتكافل، ورعاية الحقوق، والحريات العامة وإقامة أمة وسط"، كتاب السياسة الشرعية، ص 101. وهو هنا يضع نفسه في نفس مدرسة الإصلاحيين الأولى، التي أسسها الأفغاني ومحمد عبده، والتي تراجعت تحت وطأة الردة الوهابية الممولة سعوديًا التي عصفت تمامًا بالمنجز العقلاني داخل مدرسة التجديد الديني.

توسع القرضاوي في تقديم نموذج فقهي قائم على الحركة لا الثبات ويعطي فيه مساحة جيدة للتغيير التشريعي وفقا لتغير المصلحة:

"وينبغي أن نشير هنا إلى حقيقة مهمة وهي: أن الأحكام المبنية على مصلحة معينة تظل معتبرة ما بقيت هذه المصلحة، التي هي مناط الحكم وعلًته، فإذا انتفت وجب أن يتغير الحكم تبعًا لها. لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا"، السياسة الشرعية، ص 113.

وهنا ذهب القرضاوي إلى طرح يضعه في قلب إعصار يهب من اتجاهين؛ الأصولية السلفية، والتيار العلماني. يلقي القرضاوي ما يعتبره كثير من تيارات الإٍسلام السياسي الحركي عصا موسى، حيث يناقش الفكرة المحورية التي تخلق الجدل المركزي فيما بين التيارات الإٍسلاموية والعلمانيين في العالم العربي. فأصل الخلاف وجوهره يدور حول بشرية التشريع أم قداسته، قابليته للتغيير البشري أم ثباته المقدس، مرونته الإنسانية، أم صلابته الإلهية.

أعاد القرضاوي تقديم مبدأ قابلية التشريع للتغيير بتغير المصلحة، مما يضعه في عين العاصفة السلفية التي يرى كثير من شيوخها أن القرضاوي لا يؤخذ منه علم لتفريطه. رغم أن خطاب القرضاوي انطلق من مسلمات إسلاموية حول قداسة التشريع لا بشريته، لكنه سعى لعقلنة خطابات الإسلاميين وجعلها أكثر مرونة في مواجهة خصومهم وأعطاهم مساحة جديدة من خلال محاولاته التجديدية لاستيعاب المتغيرات التي كادت أن تقضي على تماسك الفكرة وتبشر بأفولها.

فقيه ما بعد الإسلاموية

رغم أن القرضاوي كان يحسب نفسه سياسيًا على جماعة الإخوان، فقد كان أحد أهم فقهاء الجيل الثاني من الإسلامويين على المستوى السياسي، أو تيار ما بعد الإسلاموية وفقا للمسميات الأكاديمية التي يختلف معها الإسلاميون.

هنا حاول القرضاوي تقديم أطروحات تواجه حرفية الفهم التي يقدمها السلفيين. هذه الأطروحات استوعبت أفكار حداثية، ووطنتها داخل الطرح الإٍسلاموي. لا تنطلق هذه الأطروحات من خلفيات ليبرالية ولا علمانية، لكنها متأثرة بالمنتج السياسي الحديث، وتقف على يسار السلفية، وتقف منها موقف الخصومة.

يظهر القرضاوي كهدف أساسي لهجوم السلفية، بكل توجهاتها، لأنه خصم من داخل التيار الإٍسلاموي، يخصم من رصيد السلفيين من قلب التيار الذي بدا إلى وقت طويل في حالة خلاف حول التكتيكات، لكنه ظهر بعد الربيع العربي في حالة انقسام شديدة، حتى حول الغايات الكبرى والاستراتيجيات أيضًا.

حاول القرضاوي تفكيك القنبلة التي ألقاها سيد قطب، ولازال فتيلها مشتعلًا، داخل الحركة الإٍسلاموية وخارجها. يعد القرضاوي أحد أهم الفقهاء الذين انتقدوا مشروع الحاكمية القطبية وجاهلية المجتمع. انتقد القرضاوي أهم أفكار قطب، صحيح أنه انتقدها من موقع تبجيل واحترام لقطب، لكنها ظلت أهم انتقادات وجهت للقطبية من داخل الإسلام السياسي.

رفض القرضاوي مبدأ جاهلية المجتمع، وتكفيره، كما رفض جهاد الطلب الذي أسس عليه قطب حركية أفكاره. يجادل القرضاوي الجهادية العدوانية لدى سيد قطب في قوله "ولم يبال بمخالفة آيات كثيرة تدعو إلى السلم، وقصر القتال على من يقاتلنا، وكف أيدينا عمن اعتزلنا ولم يقاتلنا، ومد يده لمسالمتنا، ودعوتنا إلى البِر والقسط مع المخالفين لنا إذا سالمونا، فلم يقاتلونا في الدين، ولم يخرجونا من ديارنا، ولم يظاهروا على إخراجنا".

أثر القرضاوي في الحركة ما بعد الإسلاموية كبير، وهي الحركة التي ظهرت كرد فعل لإخفاق حركات الجيل الأول من الإسلام السياسي في الوصول للحكم أو النجاح في إداراته إذا ما وصلت.

وهي حركة تحاول الاستفادة من تراث الحريات والحقوق العالمي، ودمجه مع المنتج الإسلامي وزيادة توجهها القومي على حساب التوجه الأممي الذي كان يسيطر على حركات الجيل الأول. وفي هذا الإطار يقول الباحث المغربي مصطفى تاجدين في تأثير القرضاوي على الإسلاميين في المغرب على سبيل المثال "خلال هذه الفترة، أعاد القرضاوي الروح لمفهوم الأولويات الفقهية من أجل وضع استراتيجيات فعالة للحركات الإسلامية وإعادة ترتيب أعمالها بما يتماشى مع تعاليم الشريعة الإسلامية".

في إطار ما بعد الإسلاموية، يقدم القرضاوي أطروحات تقدمية حول دور المرأة التي يرى أن لها الحق في الحكم والقضاء، وأنه "إذا ما تزاحم رجل وامرأة في مجال العمل، فإن الفوز يجب أن يكون في جانب الأجدر والأكثر كفاءة".

كما يأخذ موقف معتدل يقر بحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي، ويقدم رؤية أكثر رحابة لفقه الأقليات المسلمة في المجتمعات الأوربية. وينحاز لمفهوم الحقوق السياسية، بل أنه يزيد في ذلك في قناعته المعلنة أن الحرية مقدمة على إقامة الشريعة.

ولكن للقرضاوي أيضًا فتاوى جدلية، ينطلق فيها من نفس مسلمات الحركة الإٍسلاموية في سيادة العالم "الأستاذية العالمية". كما أنه أقرب لقداسة التشريع منه إلى بشريته، وهي أمور تضعه في معسكر مضاد لدعاة الدولة المدنية، وفي موقع خصومة فكرية مع العلمانية العربية. وامتنع عن انتقاد الاستبداد كلما جاء من حلفاء إسلاميين. كما أنه يعارض الدولة القومية ويقدم الولاء عليها لصالح الأممية الإسلامية، مما يجعل طرحه، في أساسه، مقوضًا للدولة الوطنية الحديثة.

لكن، وعلى الرغم من كل ذلك، يبقى القرضاوي صاحب طرح أعمق كثيرًا من الرغبة الملحة في اختزاله في مشاهد عارضة. بل ويظهر كأحد أهم المفكرين والفقهاء المعاصرين. يمكن أن نختلف مع الفكرة الأصلية التي يطرحها كما يفعل العلمانيون، ويمكن أن نتفق كما يفعل كثير من الإسلاميين الحركيين، لكن المتابع بعمق سيصل إلى أن إرث القرضاوي أصعب من اختزاله في عبارات قاطعة لاستخلاص حكم نهائي عليه، لأن الأمور لديها عمق أبعد مما يظهر فوق السطح المليء بأحكام قاطعة الدلالة لتقييم رجل سيظل، على ما يبدو، في قلب الجدل لسنوات طويلة بعد موته.