قفص الأسود في حديقة حيوان الإسكندرية - عدسة: سلوى رشاد- بإذن للمنصة

زيارة لحديقة الحيوان

الخوف كان يحرك شغفنا نحو اكتشاف الحياة

منشور السبت 29 أكتوبر 2022

بعد اجتيازي باب حديقة الحيوان، في ذلك اليوم الخريفي، كانت الصورة الأولى التي قفزت إلى مخيلتي، هي زيارتي لها وأنا في المرحلة الابتدائية، خلال رحلة مدرسية، بدأت من بيت الفيل، الواقع بعد بابها بقليل؛ الفيل هو أول حيوان أزوره في بيته، حتى ولو كان ذلك البيت مستعارًا، وليس منزله الحقيقي في الغابة. تقوم حديقة الحيوان بإسباغ صورتنا الإنسانية على الحيوانات.

في تلك الزيارة، في منتصف ستينيات القرن الماضي، كانت كريمة، أنثى الفيل، لا زالت حية، وتصدح بهدير قوي جعل أبداننا الصغيرة تهتز وجلودنا تقشعر، ليس من الخوف، أو ربما هو نوع من الخوف اللذيذ، الذي يقربك من الشيء؛ فالفيل على حجمة الضخم، لا يسبب خوفًا، ربما لاستحالة التماهي معه، فيكتسب معنى رمزيًا كبيرًا محتويًا لنا نحن الأطفال.

للأسف ماتت كريمة، عام 2012 عن عمر 63 سنة، وماتت أيضًا الزرافة الوحيدة في الحديقة، صاحبة الرقبة الساحرة المرقطة التي تتخطى بها حواجز تفصلها عن الزائرين، فيلمس لسانها يدك، تقشعر قليلًا وأنت تلقمها قطع الجزر، وتحتار ماذا تفعل بذلك اللعاب المرح، ربما ستمسحه في ملابسك كذكرى للقاء.

صور الروائح والأصوات

ربما القشعريرة التي مستنا، في بيت الفيل، كانت بسبب ملامسة الأذن لذلك الصوت الطازج والغريب، الذي لا تنتج المدينة مثيلًا له.أتذكر في ذلك التوقيت أنني شاهدت في السينما فيلم "مليون سنة قبل الميلاد"، الذي كان يحتفي بحقبة أسبق حين كان الإنسان نفسه "الحيوان" الناطق، الذي يتصارع مع أخيه من أجل الحصول على الغذاء، بجانب صراعه مع الزواحف، التي كانت أسبق في حضورها منه على الأرض بملايين السنوات.

في تلك الزيارة العلامة، كنا نعوم نحن الأطفال، فوق بحيرة من الأصوات الطازجة والغريبة للحيوانات، ربما ما تبقى في مخيلتي منها، هو الصوت وإحساسي بالقشعريرة أكثر من الصورة.وربما ستكون رحلتي بعد ذلك في حياتي، هي تحويل الأصوات والروائح، والقشعريرة التي رافقت طفولتي، إلى صورة.

تكررت القشعريرة في زيارتي الأخيرة، في ذلك اليوم الخريفي طيب المزاج، عندما دخلت بيت السباع، المكان الذي يقع في قلب وروح أي زيارة لحديقة الحيوان، سواءً كنت صغيرًا أو كبيرًا: أن تراقب عن قرب، القوة والافتراس المتجسدين في الأسود والنمور، بينما أنت آمن، وفرِح بتلك الحواجز الحديدية التي تحول بينكما.

لبؤة تستريح بعد تناول الغداء

هناك منحوتتان لأسدين من الرخام تزينان مدخل بيت السباع، ندلف بعدها لذلك البهو الدائري شاهق الارتفاع، الذي يقع على جانبيه أقفاص الأسود والنمور.يغشى الضوء ذلك البهو من نوافذ عليا تقع على جانبي الحوائط بالقرب من السقف.نادرًا ما تكف الأسود عن الحركة في حضور الزائرين، وأغلبهم بالطبع من الأطفال، الذين يحبون أن يستشعروا الخوف في حضورهم، فيصرخون لأقل بادرة، أو حركة، أو صوت غير متوقع.

ربما لذة زيارة بيت السباع تكمن في استشعار الخوف، والوقوف وجها لوجه أمامه. كانت الأسود على اختلاف أعمارها ممدة، أو تسير جئية ورواحًا في أقفاصها بتوتر ملحوظ، تتمنى أن تتسع الأقفاص وتختفي الحواجز.

مرة واحدة وقعت العصا الحديدية التي يلقم بها الحارس قطع اللحم للأسود، فحدثت جلبة تبعها صوت الزئير العالي، ومنها تسلل الخوف لقلوب الأطفال وجلودهم، فأخذوا يصرخون صراخًا جماعيًا، ومعه اشتد صوت الزئير، وبدأت لحظة الهروب الجماعي ناحية باب الخروج، فعند درجة معينة لا تقبل الأسود أن تهان أكثر من ذلك وتتحول حياتها إلى مسرحية، يتفرج عليها الآخرون، هي التي أتت من الغابة.تمر على مخيلتها لحظة استفاقة، فترجع لعهدها القديم.

الاستفاقة نفسها حدثت مع الأسد سلطان، هذا اسمه، الذي قتل مروضه الشهير محمد الحلو عام 1972 في أحد عروض السيرك، وكتب عنه يوسف إدريس، الذي كان حاضرا، قصته الشهيرة، "أنا سلطان قانون الوجود". كان تفسير يوسف إدريس للحادث أن الأسد لم يكن يريد أن يقتل صاحبه بل أن يلعب معه، أو يستفزه، ولكنه في تلك اللحظة استشعر، ولأول مرة، خوف صاحبه محمد الحلو منه، وعندها خرج من كونه نمرة وعاد إلى طبيعته في الغابة، التي يحكمها قانون السلطة للأقوى الذي لا يخاف.

عرض علي الحارس، بعد أن رآني أحدق في أحد أقفاص الأسود التي تقع بجوار بيت السباع من الخارج؛ أن يفتح لي باب الممر بين قفصين، لآخذ صورة مع الأسود، في تلك اللحظة تذكرت تلك الزيارة المدرسية القديمة، والخوف القديم من ذلك البهو ومن الأقفاص خارجه، التي كان يقف بداخلها أكثر من سلطان يريد أن يستعيد حياته الماضية في الغابة.

الإمساك بالزمن

ثعبان من بيت الزواحف

كان الخوف يحرك شغفنا نحو اكتشاف الحياة، سواء ونحن أطفال أو كبار.

كنا نرغب دومًا في رؤية بيت الثعابين والزواحف، هذه المواجهة التي تتم من خلف الزجاج السميك، والنظر في عين الثعبان وجهًا لوجه، والنقر على إطار بيته، استفزازًا له كي يتحرك بدلًا من حالة البيات الشتوي التي تفقده الكثير من قوة صورته في مخيلتنا. لا يدل على أنه حي سوى حركة عينيه، عدا ذلك هو جثة هامدة، إما ملتفة حول نفسها، أو متداخلة مع أجساد ثعابين أخرى، كقطعة نسيج، لا تعرف أولها من آخرها، وعلى ذلك الوضع سيمر عليهم الشتاء.

الرغبة القديمة نفسها جاءتني بينما أشاهد ثعبان "الأصلة الشبكية"؛ رأس صغير، جسم ثخين، مع جلد أسود مرقط لامع، يحوي تحته عضلات قوية، وطبقات من الدهن. ألمس بعيني ذاك الجلد العاري، يتخطى إبهامي الزجاج وأضع يدي عليه لاستعادة قشعريرة الخوف المحببة، التي تتولد من ملامسة كل ما هو غريب عن حياتنا.

خلف زجاج آخر، كانت الحرباء تعيش مع الإيجوانا في بيت واحد. الإيجوانا نوع من الزواحف المستأنسة تتغذى على العشب، بينما الحرباء تتغذى على الحشرات.

الحرباء

تذكرت على الفور حديقة بيتنا القديم، ولحظات عثورنا على الحرباء ساعية تتحسس طريقها وسط أوراق شجرة الفيكس، كانت تتماهى في لونها مع المحيط الذي تعيش فيه، وذلك أحد أشكال الحماية، ألا تكون منظورة، كنا نتناقل هذه المعلومات في طفولتنا عن الطبيعة التي تحوطنا، فنغير المحيط من حولها، نضعها فوق صفحة بيضاء، لكن كانت تحتاج لوقت، لا نطيق انتظاره، حتى تتحول للأببض.

تشبه الحرباء برأسها الهرمي، وحركتها البطيئة، وعيناها الجاحظتان، نموذجًا مصغرًا لكائن خرافي يشبه زواحف فيلم مليون سنة قبل الميلاد، ربما الحرباء، لجلال ما في جسدها، جعلنا لا نشريحها مثل باقي السحالي التي كنا نعثر عليها سارحة، كانت تسبب لي رعشة أو قشعريرة عند وضعها على راحة يدي، كأنني ألمس زمنًا سحيقًا لا زال نابضًا فيها.

عقل المدينة الباطن

تقع حديقة حيوان الإسكندرية، في منطقة النزهة، بالقرب من المطار، وسميت بذلك نسبة لحدائق النزهة التي أنشأها الخديوي إسماعيل، على مساحة 150 فدانًا، وتضم أيضًا حديقة أنطونيادس، التي صممت شبيهة بحدائق فرساي.

كان ذلك الجزء يقع خارج المدينة التي نعرفها الآن، قريبًا من ترعة المحمودية، ويقع كازينو لابالما، حيث اعتاد أبطال رواية ميرامار السهر، وبجوار ذلك الكازينو ثمة غرز الحشيش المصنوعة من البوص. في ذلك الجزء المجهول من المدينة، أو عقلها الباطن، جرت وقائع جريمة قتل سرحان البحيري في الرواية.

القرد العاري

القرود من أكثر الحيوانات التي يمكن تمثلها. عند زيارتي لمنطقة القرود، التي تشغل حيزًا كبيرًا في الحديقة، تذكرت على الفور تنمرنا الطفولي وتنمر أجيال من بعدنا على توفيق الدقن، الوجه الذي رشحناه لينوب عنا نحن البشر، كحلقة وصل واضحة بيننا والقرود. أمام القفص ترى القرد العاري، ومنه بدأت رحلتنا وسقط عنا الشعر والذيل، واستطال الهيكل.

في الجبلاية القرود مكشوفون أمامنا في كل رغباتهم وحركاتهم، هناك قردة تحاول إرضاع طفلها، وآخر يريد تسلق السور الطويل الذي يحوط بالجبلاية دون فائدة لكنه يحاول. ثالث من فصيلة البابون يلعب بحجرة صغيرة انتقاها من الأرض وأخذ ينقلها من يد لأخرى، تمامًا مثلما نفعل لحظات توترنا، أو تفكيرنا العميق، ربما سيظل لمدة طويلة على ذلك الحال، إلى أن تلفت عينه لعبة أخرى، أو حدث آخر، يأخذه لمكان آخر في الجبلاية المسورة، وهكذا يمضي اليوم، مكررًا، أو يحمل الجديد، لكن "اللحظة" الآنية هي ما تشكل خطة حياته، دون تفكير في التالية عليها، أو في المستقبل بشكل عام.

جبلاية القرود

في كتاب القرد العاري، يقول عالم الحيوان ديزموند موريس، إن الإنسان هو القرد الوحيد العاري من الشعر من بين 193 فصيلة من فصائل القردة والسعادين، وإنه من 50- 80 مليون سنة بعد انهيار عصر الزواحف، بدأت هذه الحيوانات، آكلة الحشرات، بالظهور على أراض جديدة، وتحول بعضها إلى آكلة النباتات التي اتخذت بيتًا في الجحور، وكانت بداية لفصيلة القردة التي استغرق تطورها من 25 – 30 مليون سنة، ومنها خرج القرد العاري.

يقول موريس أيضًا، إن "الإنسان مهما بلغ من اتساع المعرفة يبقى قردًا عاريًا رغم ذلك"، ويضيف في موضع آخر "إن تصرفاتنا الآن هي جزء من إرثنا العريق عن أسلافنا؛ فعقدة أوديب التي تمكن صاحب الأفكار الأصيلة فرويد من ملاحظتها، على الأقل بقاياها محفورة بداخلنا. إنها تذكار من ماضي كنا نعيش فيه كقطيع يتحكم فيه الذكر الأقوى".