تصميم: أحمد بلال- المنصة

في وداع محمد أبو الغيط.. نعي يؤلم الناعي

منشور الأحد 11 ديسمبر 2022 - آخر تحديث الأحد 11 ديسمبر 2022

حسنًا فعل محمد أبو الغيط بتسمية ابنه الوحيد يحيى.. يحيى محمد أبو الغيط.

لا بأسَ أن نموت والمخدَّةُ البيضاءُ،

لا الرصيفُ

تحتَ خَدِّنا

وكَفُّنا في كَفِّ مَن نُحِبّ،

يُحيطُنا يأسُ الطبيبِ والممرِّضات

وما لنا سوى رَشاقَةِ الوداعِ

غَيرَ عابِئين بالأيامِ

تاركين هذا الكونَ في أَحوالِهِ

لعلَّ "غَيْرَنا"

يُغَيِّرونَها.

***

ما زال الموت بارعًا في الاختيار، يقف على ناصية الدنيا بقوس مشدود وعين خبيرة تنتقي من الناس أجملهم روحًا وأرجحهم عقلًا وأكثرهم استحقاقًا للحياة، ويطلق عليه سهمه الذي لا يخطئ.

أصاب السهم هذه المرة محمد أبو الغيط، درة تاج هذا الجيل وذروة سنامه، صاحب الموهبة الاستثنائية، واللسان الجميل، والبوصلة المنضبطة. مات الفتى كالشجر واقفًا، وكالنبلاء شجاعًا، وكالفرسان محاربًا حتى النَفَس الأخير، مات راضيًا بعدما فعل كل ما يمكن فعله ليحيا.

مات وإلى جواره من أحبهم وكتب عنهم وإليهم، زوجته وابنه وأمه وإخوته، ومن خلفهم مئات الآلاف يتضرعون لأجله. مات وكلنا سنموت، لكن إذا لم يكن من الموت بدٌ فما أجمل أن تموت بعدما ترى بعينيك كل الحب الذي رآه.

طالَع محمد المظاهرة الإلكترونية العفوية الصادقة التي استمرت لأسابيع على السوشيال ميديا وشارك فيها أصدقاؤه المقربون، ومن قابلوه مرة واحدة، ومن لم يقابلوه أبدًا لكنهم أحبوه من كتاباته. 

شاهَد من على سريره في المستشفى، قبل ساعات من دخوله غيبوبة الموت، مئات من زملائه الصحفيين يصفقون واقفين لدقائق ممتدة بعدما أنهى كلمته المسجلة لمنتدى مصر للإعلام، ليس فقط احترامًا له كصحفي كبير ومحقق لا يشق له غبار، لكن كذلك إعجابًا به كمناضل شجاع ضد المرض.

أجهد محمد أبو الغيط السرطان معه، حتى أصبحنا لا نعرف من منهما المريض بالآخر، وكيف يمكن لفتى في مراحله الأخيرة أن يهتم بأسرته ويقرأ ورده من الكتب، ويكتب نصوصًا خالدة، ويراسل أكبر مراكز علاج السرطان في العالم بحثا عن دواء جديد، ويحلم لنفسه وأسرته ووطنه بأشياء ربما تحدث بعد عقود، كل هذا في وقت واحد وبنفس الدأب والحماس.

بالتأكيد لمحمد أبو الغيط أخطاء، وكان يعترف بها بنفسه قبل أن يكتشفها الآخرون. ليس ملاكًا، هذا صحيح، لكنه أقرب البشر الذين رأيتهم إلى الملائكة.

***

حين ذهبت

مالت أزهار اللوتس نحو الماء

ومدت كفيها تستبقيك!

حين ذهبت

حقل من عباد الشمس تلفت نحوك

وتخلى عن وجه الشمس

حين ذهبت

صعدت كل الأفراس البيضاء لأعلى التل

تنتظر تفتح زهرات الوادي

كي تعرف أنك عدت

حين ذهبت

تغير معنى الطرق على الباب

وتغير عنوان البيت

***

يأبى محمد أبو الغيط إلا أن يكون "الألفا". حين كان طالبًا كان الأول على مدرسته، وفي الثانوية العامة فقد درجات قليلة للغاية ودخل كلية الطب، لكنه بقي إلى آخر حياته حزينًا على تلك الدرجات المفقودة. بدأ التدوين فأصبحت تدوينته المعنونة الفقراء أولًا يا ولاد الكلب أهم ما كُتب في المدونات المصرية.

انتقل إلى كتابة المقالات فاحتلت مقالاته قائمة "الأعلى قراءة" في المواقع التي كتب فيها، وفاز بجائزتي سمير قصير ومصطفى الحسيني، الجائزتان الأهم في المقال الصحفي بالمنطقة العربية. تخصص في التحقيقات الاستقصائية، وفي غضون عامين فقط حاز جوائز مصرية وعربية وأوروبية وعالمية لم يجمعها غيره، حتى أنه تسلم إحداها من الأمين العام للأمم المتحدة شخصيًا.

تأخر محمد في نشر الكتب، رغم أنه طالما حلم بذلك، لأنه لم يرغب أن يكون مجرد كاتب بين كُتاب، بل كان يريد أن يترك كتابه علامة بارزة. وشاء القدر ألّا يموت دون أن ينجح في ذلك. على سرير المرض أبدع كتابًا سيتحول مع الأيام لأحد أهم ما أنتجت المكتبة العربية في مجال الكتابة الإنسانية، أنا قادم أيها الضوء، تلك النصوص الإنسانية الناعمة المؤلمة الملهمة في آن. لم يكتبها ليرثي بها نفسه، بل ليحزننا نحن لأنه، مع شديد الأسف، لن يكتب بعدها.

الإجابة النموذجية لأسئلتنا الحائرة: لماذا نعيش؟ كيف نعيش؟ لماذا يختارنا المرض نحن بالتحديد؟ كيف تؤسس حياة زوجية ناجحة؟ كيف تكون أبًا جيدًا؟ كيف تبر والديك؟ كيف تدير أزمة عاصفة؟ كيف تغالب أوجاعك الجسدية والنفسية؟ كيف تخلق دوافعك للمواصلة في الأيام الصعبة؟ وكيف تعيش أيامًا لطيفة وسط كارثة مروعة؟

لم تخسر أسرة محمد أبو الغيط وحدها برحيله، لم يخسر فقط أصدقاؤه المقربون وزملاؤه في العمل وقراؤه الدائمون، بل خسر الجميع. حتى من لم يعرفوه ولم يقرأوا له حرفًا بعد. حتى من لم يصلوا إلى هذه الدنيا وسوف يولدون لاحقًا.

محمد أبو الغيط الذي رحل في الرابعة والثلاثين، وحقق كل ما حققه في أقل من خمسة عشر عامًا، منها عامان على سرير المرض، كان مؤهلًا تمامًا ليكون مفكرًا عظيمًا. تخيل إنتاجه لو شاء له الله أن يعيش حتى السبعين، تخيل ما كان ليفعله في خمسة وثلاثين عامًا إضافية لتدرك فداحة الفقد وعِظم الخسارة.

لذلك فإننا لا ننعى محمد بل ننعى أنفسنا، نحن من فقدنا شخصًا وكاتبًا وصديقًا وزوجًا وأبا استثنائيًا، أما هو فقد وصل إلى ضوئه المنتظر.

***

قال الذي التفَّت عليه شِباك الموت في المنفى:

السمكة،

وهي في شِباك الصيادين،

تَظلُّ تحمِلُ رائحةَ البَحْرْ

***

لن تحول أرض إنجلترا محمد أبو الغيط إلى مواطن إنجليزي، لكن رائحة مصر التي تسكن روحه وجسده هي من ستحول البقعة المدفون فيها إلى أرض مصرية.

رحل محمد أبو الغيط، المصري الأصيل، الذي عاش حياته القصيرة يحلم لمصر ويكتب لشعبها وبقي حتى النفس الأخير يحلم بالعودة إليها والمشي في شوارعها، لكن أرضا غريبة، للأسف، هي التي نالت شرف احتضان جثمانه.

غادر محمد مصر قبل سبع سنوات ونصف خائفًا، ليس لأنه فعل شيئًا، فمنذ متى كان فعل شيء في بلادنا شرطًا للخوف؟ محمد كان فقط صاحب رأي وموقف، يعبر عن رأيه بالكتابة، رأي؟ كتابة؟ موقف؟ أركان اتهام كافية لتقضي عامين في الحبس الاحتياطي مبدئيًا ثم لننظر بعدها في أمرك.

سافر محمد ليواصل رحلته في بلدان بها الحد الأدنى من الإحساس بالأمان ولكنه كان يحلم كل يوم بموعد العودة. وأخيرًا عندما أصبحت العودة ممكنة، وطلب من الأطباء السماح له بالمغادرة كأمنية أخيرة، تدهورت حالته الصحية بشدة ومات بعدها بأيام.

يا مصر، إن أولادك في الشتات والمنافي الاختيارية والإجبارية أكثر حبًا لك ممن يظهرون على شاشاتك حاملين الأعلام. اطلبيهم إلى رحابك آمنين، اسمعي لهم وتقبلي اختلافهم وتجاوزي ما يغضبك منهم، فبالتعدد، لا الاستنساخ، تُبنى الأوطان وتعمر.


*الأبيات للشاعر الراحل مريد البرغوثي

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.