صورة معدلة للافتة طريق عن ضرورة تقليل الواردات - تصميم: أحمد بلال- المنصة

بإصلاحهم الجريء تاه الطريق!

منشور الاثنين 2 يناير 2023 - آخر تحديث الثلاثاء 3 يناير 2023

قبل شهور من انقضاء عام 2016، وبالتوزاي مع مفاوضات اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار، عملت الحكومة على تسويق بعض القرارت والإجراءات ضمن حملة تستهدف إقناع المواطنين بـ"برنامج الإصلاح الاقتصادي" الذي طُلب من مصر الشروع في تنفيذ بنوده قبل أن يوافق الصندوق على إقراضها.

دعا صندوق النقد الحكومة حينها إلى معالجة "التحديات طويلة الأمد" التي لخصتها كريستين لاجارد، المديرة العامة للصندوق آنذاك، بقولها "مشكلة في ميزان المدفوعات تتمثل في سعر الصرف المبالغ في تقييمه للجنيه، ونقص العملة الأجنبية؛ وعجز الموازنة العامة الكبير الذي أدى إلى تصاعد الدين العام؛ والنمو المنخفض المصحوب ببطالة مرتفعة".

واستجابة للشروط، أصدرت السلطة عددًا من القرارات ضمن برنامج ادعت حينها أنه "وطني خالص"، كان أبرزها تحرير سعر الصرف، مما أثر بشكل بالغ على معدلات التضخم وارتفاع الفقر  إلى أعلى مستوياته منذ عقود، ما جعل المصريين يتحسرون على عهد الرئيس الراحل حسني مبارك الذي ثاروا عليه قبل 5 سنوات.

ولتبرير الإجراءات الصعبة لجأت الحكومة إلى إطلاق حملة دعائية تستهدف "تبليع المواطنين الزلط"، بحد تعبير أحد نواب تحالف 25-30 الذي كان يتصدر المعارضة البرلمانية في ذلك التوقيت.

وانتشرت في الشوارع والميادين العامة لافتات تقول "بالإصلاح الجريء نقصر الطريق"، مقرونة بعبارات أخرى من عينة "نقدر قَوي.. نرشد استهلاكنا.. نقلل وارداتنا.. و نقدر قوي.. نزود صادراتنا.. ونكبر مواردنا"، وغيرها من العبارات التي بدا أنها محاولة لتخفيف حالة الغضب المتصاعد، الذي شعرت به أجهزة السلطة ما دفع الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى دعوة الناس لقبول قرارت الحكومة الاقتصادية وإلا سيترك موقعه "إن لم توافقوا على هذه القرارات شوفولكم حد غيري"، محذرًا بأنه قد يدعو إلى انتخابات مبكرة.

على إحدى تلك اللافتات كتب "كرامتنا حتى لو نضحي بلقمتنا"، وهي ضمن العبارات الترويجية التي ظن المسؤولون عن الحملة أنها ستؤثر في المواطن الذي "لا يقبل أن يهان وطنه مهما كانت الظروف" على حد تعبير أحد هؤلاء المسؤولين حينها.

تحمل الناس الأحوال الصعبة رغم عدم وجود أي مؤشرات على تحسن أداء السلطة القائمة

هذا المسؤول، كما غيره، خرجوا على شاشات الفضائيات يروجون لفكرة أن هناك من يحاول "تركيع مصر" وأن على الشعب دعم النظام الذي يقاوم الضغوط الإقليمية والدولية الهائلة التي تمارس على الدولة حتى يتم تجاوز الأزمة.

مضت الحكومة في تنفيذ إجراءات برنامج الإصلاح الاقتصادي، رفعت أسعار الوقود والكهرباء ووسعت ضريبة القيمة المضافة وخفضت من قيمة العملة المحلية، وروجت السلطة أن هذه الإجراءات ستسهم على المدى القصير في توفير فرص العمل وتخفيف الأعباء على المواطنين ومساعدة الدولة على تحسين التعليم والصحة والخدمات العامة.

لم تحقق الحملة مستهدفاتها ولم يقتنع المواطن بالمبررات، ففي الوقت الذي كان المسؤولون يطالبون فيه المواطنين بالتقشف وربط الحزام والاستغناء عن السلع التي تضاعفت أسعارها، كانت ماضية في طريق البذخ والإسراف وبناء القصور الرئاسية والمقرات الحكومية في المدن الجديدة التي شرعت في تأسيسها سواء في العاصمة الإدارية أو العلمين.

في المقابل، طالب المواطنون الحكومة بأن تكرس ثقافة التقشف بين أعضائها أولًا من خلال تقليل نفقات الوزارات وإلغاء البدلات، وثانيًا بالتوقف عن بناء القصور والمقرات وتقليص الحراسات والمواكب، ثم بعد ذلك يمكنها دعوة المواطن إلى التقشف.

وتعهدت السلطة مرارًا بتحسين أحوال الناس، وبشرت بأن الفرج آت بعد الشدة القائمة لو صبر الناس وتركوا المجال للحكومة كي تعمل دون ضغوط أو ضجيج أو تأفف.

تحمل الناس الأحوال الصعبة رغم عدم وجود أي مؤشرات على تحسن أداء السلطة القائمة، صبروا رغم شكهم في الوفاء بالوعود، امتصوا الإجراءات الصعبة ورشدوا إنفاقهم واستغنوا عن كل ما يمكن الاستغناء عنه ووضعوا ميزانيات تناسب الوضع الجديد.

لم يعبر الناس عن غضبهم بالاحتجاج والنزول إلى الشوارع، استجابة لطلب السلطة بعدم الاندفاع وراء دعوات "أهل الشر"، فالخروج على السلطة لن ينتج عنه بالضرورة سلطة أكثر رشدًا وحكمة. ويرى البسطاء أن النظام الحالي نتيجة مباشرة لتجربتي الخروج في 2011 و2013.

مرت السنوات وبقي الحال كما هو عليه، بل قد تكون الأوضاع أسوأ مما كانت عليه بعد الحصول على قرض 2016. فما جرى أن السلطة تسلطت أكثر فأكثر، وتمكنت في تلك السنوات الست من إسكات كل مخالف أو معارض أو ناقد، وسيطرت على الإعلام فصارت كل المنصات صدى لصوتها، وصنعت برلمانًا جديدًا أكثر خضوعًا من سابقه، ودجنت كل مؤسسات الدولة بالمعنى الحرفي للكلمة، ومع ذلك أخفقت في وقف تدهور أوضاع المواطنين، ناهيك عن تحسينها ولو بقدر ضئيل يُشعر المواطن أن صبره وصمته لهما ثمن.

عادت السلطة وأبواقها تكرر ذات النغمة، مع اللجوء مجددًا إلى صندوق النقد للحصول على قرض جديد. تتغنى الجوقة بإنجازات برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي بدأ قبل 6 سنوات، مع ذلك يدعون الناس إلى تحمل القرارات والإجراءات الصعبة الجديدة التي ستُتخذ استجابة لشروط الصندوق للحصول على قرض بقيمة 3 مليارات دولار.

تصدى عدد ممن يطلقونهم على شاشات البرامج للحديث عن قرب الإنفراجة والخروج من عنق الزجاجة، يدعون الناس إلى التحمل والتقشف والاستغناء، من جديد، عن السلع والخدمات التي تضاعفت أسعارها بسبب سياسات اقتصادية ونقدية ثبت فشلها.

اللجان والذباب الإلكتروني يروجون لفوائد أرجل الدجاج التي كانت حتى وقت قريب أكل كلاب الشوارع، يستدعون من الذاكرة كيف تعامل المصريون مع الأوضاع الاقتصادية أيام الحروب، ويتحدثون عن قناعة الناس ورضاهم في الأوقات الصعبة، ويظنون أن الناس ستقبل منهم هذا الهراء للمرة الثانية.

خلال الأشهر الماضية لم تتوقف الدعاية الحكومية عن مطالبة الناس بترشيد الاستهلاك في وقت لا تزال المشروعات الجديدة مستمرة، فقط لأنها صادفت هوى بعض المسؤولين الذين تخيلوا أنهم سيدخلون التاريخ من بوابة تلك المدن والإنشاءات، ويجري ضخ المليارات فيها بلا رقيب ولا حسيب.

عندما سدت معظم أبواب الاستدانة أمام السلطة التي كبلت الأجيال القادمة بديون هائلة، مدت يدها على إرث هذه الأجيال، فباعت الشركات الرابحة وصفت المصانع التي كانت في حاجة إلى تطوير أو خطط جديدة لإعادة تشغيلها. وبلغ الأمر التفكير في قناة السويس التي لا تمثل فقط أصلًا من أصول الدولة التي تدعم الموازنة العامة بنحو 7 مليارات دولار سنويًا، بل تمثل أيضًا جزءًا من ضمير وكرامة الأمة.

وعندما واجه مشروع القانون الذي سيقنن عملية "بيع واستئجار" أصول قناة السويس معارضة شعبية هائلة، يحاولون الآن التحايل على هذه المعارضة بإقناع الناس أن القانون لن يسمح بـ "بيع أسهم القناة إلى أجانب وأن عمليات البيع المستهدفة ستكون قاصرة على المصريين وأنها لن تشمل المجرى الملاحي للقناة وأن مؤسسة الرئاسة ستراقب ميزانية الصندوق".

لن تنطلي على الناس محاولات سلطة وعدتهم قبل 6 سنوات بتحسين الأحوال والنهوض بالبلاد بأنها قادرة على تغيير الوضع الحالي. فمن أخفق في الوفاء بالتزاماته وفشل في ترتيب أولوياته لن يفلح حتى ولو قضى في موقعه الدهر كله.

في الدول الديمقراطية التي يستطيع فيها الشعب مساءلة ومحاسبة حكومته من خلال ممثليه في البرلمان، تستقيل الحكومات أو تُقال وتسحب منها الثقة عندما تعجز عن الوفاء بالتزاماتها وتفشل في تحقيق ما تعهدت به في برنامجها.

أما في الدول التي تُحكم بقبضة الاستبداد، تستخف السلطة برضا الناس وتزور إراداتهم وتلاحق كل من تسول له نفسه نقدها، فلا يملك أحد أن يراجعها أو يسائلها مهما أخفقت أو عجزت، فتمضي في طريق الفشل دون أن تلتفت أو تتحسس خطواتها، ليحق عليها ما جاء بالآية الكريمة في سورة الكهف "قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا".

أي وعود من ذات السلطة ومسؤوليها عن تحسين أحوال البلاد والعباد، دون مراجعة جادة لما جرى والاعتراف بفشل السياسات الماضية، هو حرث في البحر. الأمل في الخروج من الأزمات المتلاحقة هو تمهيد الطريق لإجراء انتخابات حرة تعبر عن إرادة الناس، فتأتي برئيس منتخب يمكن للناس مساءلته وحسابه وعزله بالطرق الدستورية القانونية، وبرلمان يمثل الشعب يمنح الحكومة الثقة ويسحبها منها ويضعها تحت سيف أدواته الرقابية، وإطلاق حرية الرأي والتعبير لتعود الصحافة عين الناس التي تراقب مؤسسات الدولة، حتى لا يتوه الطريق الذي طال بسبب إصلاحهم الجريء.