النجدي.. رحلة بحار كويتي في ذاكرة أثقلتها التحولات

محور السرد الأبرز في الرواية هو العلاقة بين البطل والبحر، تلك العلاقة القوية التي نشأت منذ طفولة البطل وحتى نهايته.

النوخذة علي ناصر النجدي، سبع البحار الكويتي الذي راح ضحية عشق من نوع فريد تمكن منه لمدة 65 عاما تقريبًا. تظهر لنا جوانب متعددة من حياته، عبر رواية شبه تاريخية تنتمي إلى تيار الوعي.

تُظهر الرواية في صدارة المشهد تاريخ عالم الملاحة البحرية الكويتية منذ بدايات القرن العشرين، حتى التحول الأكبر الذي حدث في هذا العالم وأفناه بصورته التقليدية في أواخر السبعينات من نفس القرن، راصدة التغير الطارئ على الإقتصاد الكويتي مع تحوله إلى اقتصاد بترولي وخدمي، وتحول الملاحة والتجارة البحرية من الأساليب التقليدية إلى الأساليب الحديثة. كما ترصد تداعيات هذا التحول على المجتمع الكويتي بالتبعية.

هذا الرصد يتم بشكل شبه ملحمي، ينطوي على ملمح أسطوري خفي، عبر سرد رحلة بحرية للصيد يقوم بها علي النجدي، "النوخذة" كما يطلق عليه أهل الخليج (صاحب سفينة الصيد أو التجارة وقبطانها) مع أصدقاء العمر تستغرق 12 ساعة فقط، ترافقها رحلة أخرى داخل ذكريات النجدي تبحر عبر 65 عامًا قضاها مع معشوقه؛ البحر.

يتنقل السرد بين رصد أحداث الرحلة البحرية القصيرة في الزمن الحاضر، واستدعاء أحداث رحلات ومغامرات علي النجدي طوال علاقته بالبحر. كما يتجلى بشدة الملمح الأسطوري في انبهار القبطان الاسترالي "ألن فاليرز" بعالم الملاحة البحرية الكويتية عامة، وشخصية النوخذة علي النجدي على وجه التحديد "المراكب العربية هي آخر ما تبقى من سحر الشرق القديم".

مراكب صيد عربية قديمة مخصصة لصيد اللؤلؤ في منطقة الخليج العربي/الفارسي

على الصعيد النفسي تتمحور الحبكة حول الحنين، حنين البطل إلى عالم آخر انتهى، كان كل ما يملكه النجدي، ولم يتبق له منه سوى حنين آخر إلى معشوق قريب وبعيد في الآن ذاته، وهو البحر.

وعلى صعيد آخر، انشغل السرد برصد تحولات الزمن كحبكة موازية لحبكة الحنين. فتحولات الشخصية الرئيسية تسير في خط مستقيم من البداية، لكنها كانت تحولات زمنية تقليدية تقوم برصد سمات البطل النفسية والشخصية وتبرزها. رصدت الرواية كذلك التحولات الاجتماعية التي حدثت مرة واحدة طوال الخط السردي، وانقسمت إلى قسمين، تم سرد تفاصيل طويلة وكثيرة عن تلك التحولات في القسم الأول (ما قبل التحوُّل)، بينما كانت تفاصيل ما بعد التحول أقل، وإن وازنتها الإشارات الضمنية المتناثرة على طول الرواية وعرضها.

شخصيات العمل لم تنل نصيبًا من تسليط الضوء على أبعادها ودواخلها النفسية أو سماتها الشكلية، عدا الشخصية الرئيسية وشخصية القبطان الاسترالي. جاء ذلك نتيجة طبيعة تقنية السرد الأساسية المستخدمة في الرواية. حيث اقتضت تقنية التداعي الداخلي -للبطل وأفكاره- التركيز بشكل الكبير على استعادة الأحداث ورسم تفاصيل العالم الروائي، دون الحاجة إلى التطرق إلى دواخل الشخصيات ونفسياتها.

طالب الرفاعي

محور السرد الأبرز في الرواية هو العلاقة بين البطل والبحر، تلك العلاقة القوية التي نشأت منذ طفولة البطل وحتى نهايته. هذه العلاقة تمت صناعتها في الرواية بما يشبه واقعية سحرية كامنة وضمنية، برزت في أكثر من موضع، وعززها مشهد النهاية بما فيه من تداعي داخلي امتزجت فيه كل خطوط السرد الزمني والمكاني. فصنعت حالة السريالية الأسطورية المحققة لتقنية الواقعية السحرية.

إستخدام تيار الوعي عبر تقنية التداعي الداخلي جعل الزمان الروائي متعدد المستويات في السرد. فالمستوى الآني يتميز بتسلسل منطقي يسير بإيقاع بطيء، يعطي انطباع بالحالة الذهنية والنفسية للبطل؛ فقبل ذروة الحدث في المستوى الزمني الآني كان إيقاع السرد يعطي انطباعا بالهدوء وبعض الرتابة المناسبة لطبيعة الحدث والأشخاص المشاركة والصانعة له. أما بعد الذروة؛ فكان الإيقاع أبطأ مما قبله.
بينما على مستوى الزمن التخيلي (زمن التداعي الداخلي في نفس البطل والذي يستعيد فيه ذكريات 65 عامًا مع البحر) فكان الإيقاع يختلف على حسب الموقف المسرود، ما بين إيقاع لاهث مليء بالترقب والقلق توافقًا مع صعوبة الموقف، أو إيقاع هادئ انسيابي يتصاعد مع تصاعد الأحداث، أو إيقاع خطي يتناسب مع الذكريات الهادئة والحنين المهيمن على نفس البطل.

وقبل النهاية أحب أن أنوه إلى ملحوظة نابعة من ذائقة شخصية أكثر من كونها أدبية، اعتماد النص على مصطلحات بحرية خاصة للغاية نظرًا لكونها تخص مجالًا غير مطروق، وأيضًا بلهجة محلية خاصة، كان يستدعي إضافة بعض الهوامش التوضيحية التي تشرح هذه المصطلحات وتلقي المزيد من الضوء حول هذا العالم الخاص، ويبدو واضحًا البحث فائق العناية الذي قام به المؤلف، ونجح في تقديمه نجاحًا مضاعفًا عندما لم يستسلم للرغبة الملحة في التوثيق المعرفي على حساب السرد الروائي.

المؤلف طالب الرفاعي أديب ومهندس حاصل على شهادة الماجستير (MFA) في الكتابة الإبداعية من جامعة كنجستون في لندن. بدأ الكتابة الأدبية في أثناء الدراسة الجامعية في منتصف السبعينيات. ترجمت بعض أعماله إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية. رأس لجنة التحكيم لجائزة البوكر العربية في دورتها الثالثة 2010. وترشح للقائمة الطويلة بروايته النجدي عام 2018، وهو مؤسس ومدير الملتقى الثقافي في الكويت. وكذلك مؤسس ومدير جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، ويعمل استاذ زائرا لمادة الكتابة الإبداعية في الجامعة الأمريكية في الكويت، وصدرت له عدة روايات منها: أغمض روحي عليك، مرآة الغبش، حكايا رملية، سرقات صغيرة، ظل الشمس، رائحة البحر، الثوب، سمر كلمات، سرقات صغيرة.

واخيرا فرواية النجدي، عمل إبداعي مميز، ممتع على مستوى التلقي وعلى مستوى التأمل. قام برصد جانب من جوانب عالم خاص غير مطروق، متضمنًا في هذا الرصد أسئلة عامة تتصل بتحولات الاقتصاد والمجتمع في الكويت، وأخرى خاصة بإنسان هذا العالم الخاص جدًا، لكنها حمولتها الإنسانية تتسع لتشمل الإنسان في كافة عوالمه بشكل عام.