صورة تاريخية لمؤسس الدار، محمد يوسف الجندي، معلقة داخل دار الثفافة الجديدة

بعد نصف قرن من تأسيسها... أين تقف دار الثقافة الجديدة؟

تعيب شريحة من المثقفين عجز الدار عن التوسع ويرجعون الأمر إلى خلو المكان من الكوادر الشبابية، وترى شريحة أخرى أن الدار كما هي دون تطوير تعتبر أيقونة، وهم لا يهتمون كم كتابا تصدره؟ وإنما كل همهم أن يظلوا يترددوا على هذا المكان في شارع صبري أبو علم.

لم تعد صناعة الأدب في مصر قاصرة على كيانات بعينها، مهما كان تاريخها وسطوتها وإمكانياتها، ففي كل يوم تظهر على الساحة دور نشر جديدة.

واليوم، وبينما المشهد الثقافي المصري يحتفي بالذكرى الخمسين على تأسيس دار الثقافة الجديدة، يلح علينا سؤال هام: ألا وهو بعد مرور نصف قرن، كيف التزمت الدار بسياستها التي أقرها مؤسسها محمد يوسف الجندي منذ أول يوم، وأين وضعتها تلك السياسة على خريطة النشر وسط هذا الزخم من دور النشر في مصر؟

بداية، تأسست دار الثقافة الجديدة عام 1968 على يد المناضل السياسي المصري محمد يوسف الجندي، ابن يوسف الجندي الذي كان ضلعًا هامًا في الحركة السياسية الوفدية، وساهم في تهييج الجماهير ضد الإنجليز بعد أن تحصّن الأهالي ببلدتهم زفتى، التي حولوها لجمهورية زفتى، عقب الحرب العالمية الأولى إبان ثورة 1919.

ويبدو أن حمى النشر والثقافة كانت تسري في دماء العائلة كاملة، لأن الأب وهو لم يتجاوز المرحلة الثانوية بعد، أسس بالتعاون مع بعض أصدقاءه ما سُمي بلجنة التأليف والترجمة والنشر.

الابن بدوره التحم بالمسار السياسي وأعجب في البداية بالوفدية تأثرًا بأبيه، ثم راقته الاشتراكية جدًا ودافع عنها أمام زملاءه الذين رأوها فكرة في غاية السخافة وصعبة التحقيق.

ومن النظريات التي توصل لها في رحلة بحثه أنه لا يوجد تضاد بين الاشتراكية والإسلام. وكان مؤمنا بهذه المقولة وحاضر مرتين بخصوصها: مرة بعنوان "التضامن الاجتماعي والإسلام" ومرة "الاشتراكية والإسلام". وهو يذكر في سيرته الشخصية بعد انضمامه للحركة الشيوعية ودراسته للماركسية أن انحيازه للأغلبية الكادحة لم يهتز.

استكمل محمد يوسف الجندي رسالة أبيه ولم يؤسس هذه المرة مجرد لجنة للنشر، بل دار نشر كاملة حملت اسم "الثقافة الجديدة".

ومثلما استعان والده بأصدقاءه، استعان محمد أيضا ببعض الرفاق الذين قدموا له مساعدات وصفها على حد قوله بالـ"المعنوية". لكنها في طور آخر ستأخذ شكلا أكثر جدية وسيصبح هناك قائمون على أقسام التنفيذ والتوزيع والشؤون القانونية للدار.

الهروب من شرطة الأدب

رغم أن الأجواء في البلد وقت التأسيس لم تكن هادئة، لكن الدار لم تنتهج سياسة الدخول الهادئ للسوق، ومن الحوادث البدائية الدالة على صراعهم الذي لم يتوقف أبدًا، نشرهم لكتاب "قصة السوفييت مع مصر" وهو من تأليف فيليب جلاب وكان عبارة عن أحاديث أجراها مع كبار السياسيين الذين تعاملوا مع السوفييت، وأثبتوا بشهاداتهم كذب الدعاية التي روج لها السادات بهدف تشويه السوفيتيين.

وكان استياء الدولة عارمًا تجاه ذلك الكتاب، فيحكي الجندي أنه أثناء سفره لبيروت بعد صدوره، فتشوه في المطار بحثا عن نسخة منه يحملها.

كذلك في الأدب كانت البداية غير سهلة، فقدمت الثقافة الجديدة: "رسول من قرية تميرة" لمحمود دياب و"صدمة طائر غرب" لكمال القلش و"الخماسين" لغالب هلسا و"في الصيف السابع والستين" لإبراهيم عبد المجيد و"يحدث في مصر الآن" ليوسف القعيد و"التاجر والنقاش" لمحمد البساطي.

وفي الفترة الأولى للدار صدرت الطبعة الأولى من رواية جمال الغيطاني "وقائع حارة الزعفراني" وصرّح المؤلف وقتها للقائمين على النشر أنه يهمه جدًا صدور الرواية عن دار الثقافة الجديدة، وأنه متنازل عن حقوقه.

وهناك واقعة أخرى بخصوص البدايات لا تقل أهمية عما سبق، وهي نشرهم لأول رواية يكتبها صنع الله إبراهيم "تلك الرائحة" والتي رُفضت من كتّاب كبار كثيرين بسبب تقززهم من النص قبل نشرها، أما بعد صدور الطبعة الأولى منها مع مقدمة ليوسف إدريس يتنبأ فيها بمولد كاتب مصري جديد يشبه دوستويفسكي في تشريحه للشخصيات، صودرت الطبعة كاملة من المكتبات من قبل الرقابة، ثم هدأت الأوضاع فصدرت عن دور أخرى داخل مصر وخارجها وتُرجمت للفرنسية.

نشرت أيضا الدار للشاعر فؤاد حداد: "الشاطر حسن" و"الحمل الفلسطيني" و"الشرط نور". وللشاعر أحمد فؤاد نجم: الطبعة الأولى من ديوانه "عيون الكلام". ولمجيد طوبيا: "كشك الموسيقى". ولرفعت السعيد: "اليسار المصري والقضية الفلسطينية" و"تاريخ الفكر الاشتراكي في مصر". ولمحمود أمين العالم: "الوعي والوعي الزائف" و"الماركسيون المصريون والقضية العربية".

من الأمور التي لا يعرفها كثيرون أن الدار حاولت مرة إصدار مجلة غير دورية تحمل نفس اسمها فصدر العدد الأول وتم توزيعه، أما العدد الثاني فمنعته المباحث العامة في المطبعة بحجة أن المجلة لم تحصل على ترخيص، كما يذكر الجندي نفسه.

من يقف وراءها

مؤسسة بهذا الإنتاج الغزير والصادم والمتنوع كان من المستحيل أن يقف خلفها رجل واحد، وهو ما اعترف به فعلا الجندي فعبّر عن امتنانه لكثيرين منهم صنع الله إبراهيم، الذي دعاه عقب عودته من موسكو ليلتحق بفريق الدار، واستهل صنع الله إسهاماته بترجمة قدمها لرواية "العدو" للكاتب الأمريكي جيمس ستيوارت، ثم تولى مسؤولية الدار بعد رحيل الجندي عام 2008.

تعرضت الدار، حسب رأي مؤسسها، بسبب اختيارات إنتاجها، للمضايقات سواء من قبل الدولة أو من قبل منافسيها في السوق. إذ يذكر الجندي أنه تم اعتقاله ثلاث مرات: 1977،1979،1981 وفي كل مرة لم تكن تكتفي أجهز الأمن باعتقاله وتفتيش منزله، بل كانت تداهم الدار وتستولي على الكتب والأوراق وآلات الطباعة والآلات الكاتبة.

أما محاربات السوق فتمثلت في بيع وتوزيع بقية المكتبات لمنشورات دار الثقافة الجديدة بمنتهى البجاحة، للتأثير على انتشارهم وأرباحهم، وذاعت هذه الحركة بالذات أيام السادات.

بين القاهرة وموسكو

ولما أرادت الدار الوصول لمعقل أفكار الشيوعية نفسه، تحتم عليها عقد اتفاقيات ثقافية مع بعض المؤسسات في موسكو مثل مؤسسة "فنشتورجازدات" التي كانت وسيطا بين دور النشر السوفيتية والدور الأجنبية، وعن طريقها تمكنت الثقافة الجديدة من نشر عدة مؤلفات بالتعاون مع دار التقدم ودار مير ودار نوفستي. كما عقدت اتفاقا مع مؤسسة "مجدونارودناياكنيجا" لتوزيع الكتب السوفيتية، واتفقت مع مؤسسة كولتورا المجرية لتوزيع الكتب والاسطوانات الكلاسيكية المصنعة في المجر.

المعادلة الصعبة

بالعودة للسؤال المحوري؛ هل الثقافة الجديدة بعد كل هذا التاريخ صمدت واستمرت على سياسة محمد يوسف الجندي، كدار تلتزم بالثقافة الجادة وتنأى عن اللهث وراء متطلبات السوق والبيست سيللر والمينستريم؟

الإجابة على السؤال تأخذ في حسبانها تصنيف الدار من قبل بعض القراء والمثقفين والصحفيين أنها أوقفت نفسها عند لينين وماركس وستالين ولم تواكب الصيحات الجديدة في عالم الأدب.

باتت الإشكالية الكبرى: لماذا لا تحقق الثقافة الجديدة المعادلة الصعبة بأن تقدم منشورات انتقائية وفي نفس الوقت تتوافر فيها متطلبات العهد الجديد؟ واقترح بعضهم أن تتمثل تلك الطفرة في عودة التعاون من جديد بين الدار ومؤسسات الأدب الروسي الحديثة، فنحن الآن نقرأ أدب اللاتينيين والأمريكان والأوروبيين، أما الروس فلا نعرف منهم إلا العمالقة القدامى أمثال تشيخوف ونيقولاي جوجول وألكسندر بوشكين ومكسيم جوركي.

على الجانب الآخر ترى شريحة مختلفة من نفس فئة المثقفين أن الدار على هذه الحالة، دون أي حاجة للتغيير والتطور، هي بمثابة أيقونة أزلية أبدية للاشتراكية والشيوعية وفكر اليسار، وهم لا يهتمون كم كتابا تصدره الثقافة الجديدة كل عام؟ أو أيهم حصد أكبر عدد من الجوائز، وإنما كل همهم أن يظلوا يترددوا على هذا المكان في شارع صبري أبو علم، الذي هو أكبر من مجرد دار نشر!

أما بعض أصحاب دور النشر فيعيبون على الدار عجزها عن التمدد والتوزيع، ويرجعون الأمر إلى خلو المكان من أي كوادر شبابية، وأن دار الثقافة الجديدة بعد كل تلك عصور المجد، تحولت حسب رأيهم من كتلة يسارية لهيئة بيروقراطية.

يرد القائمون على الثقافة الجديدة بأنهم ليسوا بمعزولين عما يدور ويُقال حولهم، بل ولديهم وجهات نظر.

المدير التنفيذي للدار، عادل الغرباوي، يرى أن المكان دعّم كثيرين من الشباب وفتح لهم باب النشر مهما كانت "أخطاء البداية" أو "التابوهات المحطمة" في تلك الكتابات الشبابية، وهذا كله في سبيل أن تبقى الدار في المكانة التي احتلتها منذ أول يوم لها كمنبر للحريات والتعبير.

المحرر الأدبي بالدار، علي الفارسي، يرى أنه لا بأس من تجريب صنوف جديدة من الكتابة طالما أنها على مستوى أدبي راقي سيظهر الدار في صورتها التي ألفناها، وهو يؤكد دوما على أن بعض المعارك لم نعد في حاجة أو في الوقت المناسب لخوضها، لأنها تعطّل أكثر مما تخدم.

أما الأب الروحي للدار، صنع الله إبراهيم، فيرى أن المعيار الأول والأخير هو جودة العمل وتلائمه مع هوية الدار، وهو ينبذ الجوائز والمهرجانات الاحتفالية إلى حد كبير، ويرى أن الكاتب الحقيقي يجب ألا ينشغل بمثل هذه الموالد وإنما يركز على تفرد صوته.