منحوتة لمايكل آنجلو تظهر العذراء تحتضن يسوع بعد إنزاله من على الصليب. تصوير Stanislav Traykov. المصدر: ويكيبيديا.

الحياة التراجيدية لمريم في ظل نبوءة جبران: ابنك ليس لكِ

يا نجمة الصبح شعي في معابدنا.. ونوري عقلنا والسمع والبصر.

على أعتاب عام ميلادي جديد وبينما يتأهب المسيحيون الأرثوذوكس حول العالم للاحتفال بعيد ميلاد المسيح، تقام في الكنائس صلوات لتمجيد العذراء مريم، صلوات امتنان لحمل وإنجاب المسيح المنتظر.


ورغم تقديس المسيحيين الأرثوذكس والكاثوليك حول العالم لشخصية العذراء كوالدة للإله، فإنهم كثيرا ما يغفلون عن الشق الإنساني من قصتها المشبوب بالتراجيديا بعيدا عن أي مكانة أو صلاحيات إلهية مُنحت لها، ودون قصد منهم يتعاملون معها على أنها فعلا الصدفة التي أخرجت ياقوتة الخلاص، وفي أحسن المراتب يختزلونها كمثال للعفة والطهارة متمنيين في أعماقهم لو أن كل فتياتهم يصرن مثلها في بتوليتها.

الصورة من فيلم Mary Magdalene

لكن لو تناولنا الخط الدرامي لتلك الشخصية سنجد أن خلف هذه الأم الرزينة التي تصورها أيقونات الكنائس وهي تلقم صدرها لطفلها بينما تحيط هالة القداسة الكبيرة برأسها، طفلة مسكينة أودعها والداها الهيكل وعمرها ثلاث سنوات كي تقوم على خدمته، ولما صار عمرها اثني عشر عاما تشاور الكهنة أن يسلموا أمرها لكهل هو يوسف النجار، يخطبها فتكون مسؤولة منه بعد أن توفي والداها.

وُلدت مريم في فلسطين، مجتمع يهودي ينقاد لشريعة موسى الصارمة، التي بقدر ما تضمنت تعاليم إنسانية راقية في جوهرها مثل النهي عن القتل والسرقة، كانت قاسية كثيرا بشأن المرأة؛ فنقرأ في العهد القديم مثلا "وإذا تدنست ابنة كاهن بالزنى فقد دنست أباها. بالنار تُحرق" (لا 9:21)، مثلما نقرأ أيضًا "وإذا كانت امرأة لها سيل وكان سيلها دما في لحمها، فسبعة أيام تكون في طمثها وكل من مسها يكون نجسا" (لا 19:15).

إلى جانب هذه الوصايا التوراتية فإننا نقرأ في الكتاب المقدس أيضًا قصصًا نستخلص منها الهيمنة البطريركية في المجتمع اليهودي؛ مثل داود حينما خرج لشرفته فأعجبته امرأة تستحم وطلبها لمخدعه، ولم يردعه أنها متزوجة بل سعى إلى قتل زوجها بتكتيك عسكري لا يضع داود في أي خانة اتهام، وكذلك سليمان ابنه الذي تحول أحاط نفسه بالنساء حتى قال عنه الكتاب "وكانت له سبع مئة من النساء السيدات وثلاث مئة من السراري، فأمالت نساؤه قلبه" (1 مل 11: 3).

أستير

كثيرا ما كان يحدث في اليهودية أن يجتمع الرجال والكهنة على امرأة أُمسكت بتهمة الزنا فيأخذونها في الطرقات ويرجمونها على الملأ ويُقابل سلوكهم بتأييد من المارة.

كذلك نلاحظ طوال القصة اليسوعية أن السيادة كانت دوما للرجال فنجد المسيح في معظم لقاءاته وأحاديثه الهامة يجريها مع ذكور، مثل لعازر وزكا العشار ونيقوديموس، وحتى حينما اختار بعض النسوة لخدمة بشارته كان ذلك مُستهجنا ممن يراقبون سلوكياته، وحينما قابل المرأة السامرية وانفرد معها على البئر يسمع منها قصتها عن أزواجها وشقاءها تعجب تلاميذه أنه يتحدث مع امرأة ومن السامرة، وهو نفسه في خطابه نسمع منه نبرة جافة غير خفية، مثلما خاطب أمه في العُرس الذي حضراه بقانا الجليل وطلبت منه أن يصنع معجزة ويحوّل الماء لنبيذ فقال لها "ما لي ولكِ يا امرأة لم تأت ساعتي بعد" (يو 2: 4).

ومن كل تلك المرويات الإنجيلية نستنتج أن العذراء مريم وُلدت في مجتمع ذكوري جلف، من الصعب عليه أن يتقبل تلك المكانة التي ستفردها المسيحية لامرأة من الناصرة.

نتحدث هنا عن رجل يهودي ملتزم في مثل هذا المجتمع، وجد خطيبته التي لم يضاجعها أو يقربها حاملا، ولما يبحث عن المُسبِب يجده كيانا غير مرئي تعرّفه الأناجيل بـ "الروح القدس"، زد على ذلك مشاعرها هي شخصيا حينما تجد امرأة بشرية بطنها انتفخت فجأة رغم أنها لم تتلق في أحشائها بذرة رجل، وليتها بعد كل ذلك حملت بمجرد طفل!

كانت القصة لتكتفي بهذا البؤس الذي تتحمله امرأة متخبطة بين هياج البشريين ورغبات الآلهة، لكن تكتمل المأساة بإعلامها أن ابنها الوحيد ليس لها، كأن جبران خليل جبران كان حيا في تلك الحقبة حينما قال في كتابه النبي "أبناؤكم ليسوا لكم"، لشد ما تتناسب هذه المقولة مع شخصية مريم العذراء التي عرفت في وقت مبكر أن ابنها الوحيد سيموت مرفوعا على صليب، والأنكى أنه قدره وليس اختياره، لأنه ابن الله المُرسل لإتمام عملية الفداء بسبب خطيئة حواء، وليس مجرد شخص انتحاري أو محارب يفاضل بين نجدة شعبه وتركهم يهلكون.

جبران خليل جبران

يا مريم البكر فقتِ شريعة بولس

رغم أن صفحات العهد القديم زاخرة بنماذج نسائية سبقت العذراء مريم وقامت بأدوار بطولية بعد أن عيّنها الرب كي تقود شعبه وتخرج به من أحلك المعارك، مثل "دبورة" وكانت نبية وقاضية لبني إسرائيل، و"أستير" التي أنقذت قومها بحكمتها، و"راعوث" التي ظلت على إخلاصها لحماتها حتى بعد وفاة زوجها، ومن نسلها أتى المسيح، إلا أن هذه الأدوار ظلت محدودة، ولم تصل أبدا لدرجة حمل المسيا المنتظر وولادته.

ولكن في المقابل، ورغم المكانة شبه الإلهية التي منحتها الكنيسة للعذراء، فهي في النهاية شخصية نسائية تخدم وجود المسيح، فالكتاب المقدس لم يستطع التملص بالكامل من الأُطُر التي وُضعت مسبقا بخصوص حواء، وتم اعتبار العذراء هي القطب المضاد لحواء الشريرة؛ مثلما تسببت حواء في الأكل من الشجرة المحرمة وإسقاط الخليقة معها من جنة عدن، أتت مريم لتلد مخلص العالم وتغلب الحية وحواء معا.


الإشكالية الكبرى التي عانتها المسيحية (كمكملة للتوراة) هي تحيّرها بين ترسبات الفكر اليهودي الذي أجحف بالمرأة في سبيل التطبيق الحرفي للناموس، وبين تعاليم يسوع الثورية الذي جاء لينقض ويقيم شعب الله من غفوته وتمسكّه بالحرف.

فنجد أنه بعدما كان طمث المرأة، وهو مجرد دم يخرج من جسدها بغير إرادتها، يتموضع حسب ناموس اليهود الأوائل في خانة النجاسة، نجد المسيح الثوري يضرب بشريعة موسى عرض الحائط وفي إحدى الوقائع يترك المرأة نازفة الدم تلمسه لتنال منه قوة وشفاء، ويسمح هو بذلك رغم أنه كان بمقدوره ردعها أو حسب قدراته كنبي توقع هذه الفعلة ومنعها.

وهذه الواقعة لا يمكن اعتبارها حدثا عابرا لأنها فتحت الباب لعهد جديد من المسيحية يسميه الأب متى المسكين في كُتبه "عهد النعمة" حيث نال البشر خلاصهم بمجيء المسيح وتضحيته لهم على الصليب، فكيف نقول اليوم على شيء يخرج من جسم الإنسان "نجاسة"؟!

Madonna of the Rocks

ومع ذلك لم تتخلص المسيحية من المحاكم البطريركية فنجد بولس الرسول المؤسس الثاني لقواعد الديانة بعد يسوع يقول في رسالته الأولى إلى تيموثاوس "لست آذن للمرأة أن تعلم ولا تتسلط على الرجل بل تكون في سكوت، لأن آدم جُبل أولا ثم حواء، وآدم لم يغو لكن المرأة أغويت". (1 تي 2: 12-14).

وبغض النظر عن حكمه الخاص بصمت المرأة من عدمه فهو يورد حججه من أحداث التوراة، ما معناه أن المسيحية برغم محاولات المسيح لم تفلت من حظيرة اليهودية، وصورة العذراء النقية التي تجشمت عناء تسعة أشهر كي تلد ابن الله، لم تطمس صورة حواء الشريرة.

قولبة النبؤات

ما حدث بعد مجئ المسيح أن كَتَبة العهد الجديد خلال محاولاتهم ترسيخ صدق بشارة يسوع وإقناع اليهود المتعصبين بسماوية نبيهم، عادوا للعهد القديم واستمدوا منه شرعية وقدسية تلك الديانة الجديدة عبر كل قول توراتي يتلاءم مع شخصية المسيح ويصلح أن يكون نبوة كُتبت عنه فقط وليس سواه.

كذلك حدث الأمر مع العذراء فنجد اليهود الجدد يستشهدون من كتابات أجدادهم ليعززوا مكانة العذراء التي حبلت بلا دنس. بتعبير آخر يمكننا القول إنهم كانوا يعرفون مدى عجائبية قصة مريم بالنسبة للعقل البشري فصنعوا ترسانة إيديولوجية أساسها تراث شيوخ الأنبياء القدامى، ذلك التراث الذي تمت قولبته لنبوات، وأشهر هذه النبوات توجد في سفر إشعياء "ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل" (إش14:7).

تخطى الأمر مجرد فكرة النبوات وطال حوادث توراتية كثيرة تم تكريسها لتخدم وجود العذراء على مر الأزمان، كالترميز لها بالسلم الذي رآه يعقوب في حلمه والباب الذي عاينه حزقيال في رؤياه. حتى أنها شُبهت بتابوت العهد الذي كان يقدسه اليهود ويحفظون داخله لوحيْ شريعة موسى، وشُبهت العذراء أيضا بالمن الذي نزل من السماء على بني إسرائيل وهم هائمون على وجوههم في البرية يبحثون عن أرض الميعاد. وبالتالي بعد كل هذه الشواهد كانت من الصعوبة إنكار قدسية العذراء على اليهود في بداية عهود المسيحية، وبدلا من أن يتمم العهد الجديد العهد القديم، كُرِّس الأقدم كي يتمم ويخدم.

وكنت نسيا منسيا

معظم القصص التوراتية والإنجيلية نجدها متغيرة بعض الشيء فيما يتعلق بأسماء أبطالها وأحيانًا تفاصيل أحداثها عندما ترد في السياق القرآني؛ فيونان أصبح يونس ويسوع أصبح عيسى وهو لم يُصلب ولم يمُت وبطبيعة الحال لم يقُم في اليوم الثالث، وقايين بات قابيل، والطفل الذي قدمه إبراهيم كقربان لله كان وفق رواية التوراة إسحق أما في القرآن فهو إسماعيل أبو العرب.

كانت مريم هي الاستثناء، إحدى شخصيات نادرة نجت من الصوابية القرآنية واحتفظت لنفسها بقصة شبيهة في الكتابين؛ فهي هنا وهناك عذراء لم يمسها رجل أنجبت طفلها دون مضاجعة ورأف بها العليّ ونظر لتواضعها وأزمتها مُنزّها إياها عن بقية نساء العالم.

جاء في سورة مريم "قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47)"، وهنا يتجاوز القرآن فكرة العذراء كأُم لنبي أو حتى نبية، ويرصد ما يدور بخلدها كامرأة من لحم ودم تجتاز المعصرة، الأمر الذي لم يكترث له مدونو الأناجيل.

أيقونة للعذراء تظهر فيها بوجه أسمر

وهذا التصديق القرآني لقصة العذراء انعكست آثاره على المسلمين اليوم، فكثيرون يتبركون بها في موالد الكنائس أو يتشفعون بها في أزماتهم وأحيانا يصل بهم الإيمان لاقتناء صور تذكارية مِن التي تُباع في مكتبات الأديرة، أو ارتداء النساء قلادات تحمل وجهها أو مجسم كامل لها يتدلى من أعناقهن في محاكاة واضحة لسيدات الأقباط.

وبينما يرى بعض المسيحيين أن صيام العذراء والذي يمتد لـ 15 يوما وينتهي بعيد صعودها للسماء صيام زائد على السنة، يصومه بعض المسلمين الذين يرون أن "ستنا مريم" تخصنا كلنا.