وقفة أمام السفارة التايلاندية في بريطانيا تضامنًا مع رهف القنون.

بعد الحماية الأممية لرهف: سعوديات يواجهن قيود الولاية بالحديث عن الهجرة

مصدر سعودي رسمي يؤكد أن السفارات السعودية حول العالم لا تملك القبض على الفتيات الهاربات من أهلهن خاصة إذا كانت الفتاة هاربة في إحدى البلدان التي تعتبر المرأة إنسانًا كامل الأهلية.

قررت الأمم المتحدة أمس الأربعاء منح رهف القنون، الفتاة السعودية التي فرّت من أهلها إلى تايلاند بسبب العنف الجسدي والنفسي الذي يمارسها أهلها بحقها، وضع "لاجئ". ويعني ذلك حماية للفتاة التي قررت تغيير دينها والهرب من أهلها وبلدها التي تعاقب من يترك الإسلام بالإعدام.

ولكن على الجانب الآخر فإن الفتاة السعودية دينا علي لم تكن محظوظة بالحماية الأممية كرهف، فتقول القصص المتداولة على هاشتاج #أنقذوا_دينا_علي إن الفتاة أوقفت في مطار مانيلا الدولي بالفلبين بعد محاولتها الهرب من أهلها بسبب ما تعانيه من تمييز، وأعادها أهلها إلى السعودية مربوطة بشريط لاصق وملفوفة بشرشف داخل الطائرة.

رهف ودينا وغيرهن من الفتيات السعوديات اللاتي حاولن الفرار من أهلهن، جميعن تعرضهن لانتهاكات متنوعة لحقوقهن الأساسية، انتهاكات تقرّها تشريعات المملكة التي تقر قانونًا يجبر المرأة على الحصول على إذن ولي أمرها (أبيها أو أخيها أو زوجها أو ابنها) في كل أمورها الحياتية، اسمه "قانون الولاية".

ويكتمل مسلسل الانتهاكات بالدور الذي تقوم به البعثات الدبلوماسية السعودية في هذا الملف. فقد أكد شهود لهيومان رايتس ووتش أن السفارة السفارة السعودية في الفلبين كانت فاعلًا أساسيًا في حادث تقييد دينا وإعادتها إلى البلاد، وهو عكس ما جاء في بيان السفارة من أن الفتاة عادت مع أهلها وأن ما حدث "شأن عائلي"، ومنافٍ لما ذكرته صحيفة مكة عن مصدر سعودي رسمي يؤكد أن السفارات السعودية حول العالم لا تملك القبض على الفتيات الهاربات من أهلهن خاصة إذا كانت الفتاة هاربة في إحدى البلدان التي تعتبر المرأة إنسانًا كامل الأهلية.

منذ إعادتها قسرًا إلى السعودية في إبريل/نيسان 2017، لم يسمع أحد من دينا أو عنها، وحده الهاشتاج المطالب بإنقاذ حياتها ما نتيقن من بقائه حيًا طوال أربعة أشهر بعد الواقعة.

حسابات لنساء سعوديات نشرت فيديو وصلهن سرًا، الكادر لكتف فتاة نسمع صوتها تتحدث الإنجليزية، تقول إنها مسافرة إلى الفلبين في طريقها إلى أستراليا هاربة من أهلها، فاحتجزتها قوات أمن المطار "فقط لأني سعودية، بالتعاون مع السفارة السعودية، إذا حضر أهلي إلى هنا سيقتلونني، وإذا عدت للسعودية سأموت، أنا أسجل هذا الفيديو لأثبت أني حقيقية وموجودة، السلطات الفلبينية تنتهك حقوق الإنسان بتعاونها مع السفارة السعودية"، هذا ما قالته الفتاة في المقطع المتداول.

بيان منشور على صفحة الفيسبوك الرسمية الخاصة بالحزب العلماني الأسترالي جاء فيه نقلاً عن هيومان رايتس ووتش أن ركّابًا أكدوا أنهم شاهدوا فتاة مغطاة ومحمولة على طائرة متّجهة من الفلبين إلى الرياض، لكن النشطاء السعوديين الذين انتظروا وصول الطائرة في هذا اليوم لم يشهدوا خروج أي راكبة باسن أو بهيئتها.

قبل محاولة دينا للهرب بأقل من سنة، في سبتمبر/ أيلول 2016، نشرت مجلّة لها دراسة عن وزارة العمل والتنمية الاجتماعية السعودية رصدت 1750 حالة هرب لفتيات، 67% منهن غير سعوديات، وذكرت الدراسة أن 65% من الهاربات فتيات مراهقات، تليهن المعنفات بـ35%.

تحدّثت المجلّة في تقريرها عن الدراسة مع وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية السابق، وأستاذ علم الاجتماع بجامعة الإمام الدكتور عبد الله عبد العزيز اليوسف، والذي ذكر عدة أسباب لهرب الفتيات منها "صديقات السوء، وعولمة الجريمة خلال وسائل الإعلام، والضغط على الفتاة للزواج من رجل مسن، وعدم اعتناء الآباء والأمهات بالتنشئة الأسرية السليمة، والتفكك الأسري، والفراغ العاطفي، وعدم تزويج الفتاة بالشخص الكفء، وغياب الرقابة المنزلية، وسقوط الفتاة في فخ المعاكسات الهاتفية، ورفض استلام الفتاة بعد انتهاء محكوميتها"، لكنه لم يتعرّض تلميحًا ولا تصريحًا لقانون الولاية.

قانون الولاية أو الهجرة

يثار الحديث عن قانون ولاية الذكور السعويين على السعوديات في كل حالة هروب تتسرّب أخبارها لتويتر، بالتزامن مع قصّة دينا كان هاشتاج #سعوديات_نطلب_اسقاط_الولايه ينشط أكثر فأكثر بين السعوديين والسعوديات، تكرر السيناريو مع صعود قصّة رهف القنون، هذه المرة بهاشتاج #اسقطوا_الولايه_ولا_كلنا_بنهاجر. تبدو صياغته متأثرة بنجاح رهف في الهرب من السعودية.

حتى مايو/ أيار 2017، كانت المرأة السعودية مطالبة بأخذ إذن ولي أمرها (الأب أو الزوج أو الأخ أو الابن) في كل أمورها الحياتية، كالذهاب والتقديم في الجامعة، والحصول على المساعدة الطبية في المشفى، والانتقال داخل وخارج حدود المملكة، وحتى الخروج من السجن بعد انتهاء مدة عقوبتها.

لكن تعديلاً بأمر الملك سلمان بن عبد العزيز حدد هذا النظام بالأمور التي ينص فيها القانون على هذه الموافقة فقط ووفق الشريعة الإسلامية، ما يعني أن مازالت النساء السعوديات تحتاج موافقة الرجال في حالات كالسفر إلى الخارج، وهو ما يضع رهف تحت طائلة القانون السعودي.

بحسب هذا النظام، لا يمكن للمرأة تزويج نفسها أو اختيار زوج لها دون موافقة ولي أمرها، وهو ما جعل هدى آل نيران حبيسة مصلحة سجن الهجرة في صنعاء في 2013، لمحاولتها عبور الحدود من السعودية لليمن لتتزوج عرفات، الشاب اليمني الذي أرادته وهربًا من الزواج بشخص آخر أرادت عائلتها أن تزوجها إياه.

كان عرفات يعمل بالسعودية، تعرّف على هدى وأحبّا بعضهما، أرادت عائلتها تزويجها بغير إرادتها فهربت حتى الحدود اليمنية، حادثت عرفات على الهاتف وأخبرته أنها ستهرب لتتزوجه فتبعها، ليقبض على الاثنين ويسجنان في قصّة حركت اليمنيين الذين غرّدوا مطالبين بزواج الاثنين بناءً على رغبتهما وعدم إرجاع هدى إلى السعودية خوفًا من قتلها على هاشتاج #هدى_عرفات، كان من هؤلاء توكّل كرمان، اليمينية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام.

تزوّج عرفات من هدى في نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام، انتشرت صورتهما على تويتر في منطقة ريفية، ونقلت صحيفة يمنية محلية عن مدير إدارة اللاجئين وشؤون النازحين بوزارة حقوق الإنسان باليمن، عبدالسلام النواب، أن الفتاة هربت من دار الرعاية التي أودعت بها، وتم الزواج بين الاثنين في محافظة عمران في منطقة رفض الاثنان الكشف عنها خوفًا على حياة هدى.

دور السفارات

على الرغم من ظهور السفارات السعودية كمشارك في تقييد حرية الفتيات الهاربات، ينفي النظام السعودي ذلك، فتعليقًا على هرب فتاتين إلى كوريا الجنوبيّة من أهلهن في 2016، نشرت صحيفة مكّة السعودية تصريحًا على لسان مصدر لم تسمّه قال فيه إن السفارات لا صلاحية لها للقبض على الفتيات الهاربات من أهلهن.

يقول المصدر إن السفارات تقوم بتحديد أماكن الفتيات، وإبلاغ أهلهن، ومن ثم عقد جلسات صلح بين الطرفين "لأن المشكلة ذات خلفيات اجتماعية وأسرية"، وأن الفتيات إذا واصلن رفض العودة إلى أهلهن فإنهم لا يملكون إجبارهن عليها، خاصة إذا كانت الفتاة في بلد "تعتبر أي شخص، رجلا أم امرأة، تجاوز 18 عاما مسؤولا عن أفعاله وقراراته ما دام لم يخرق القانون ولم يرتكب أي جناية"، بحسب نص التصريح في الصحيفة.

إلا أن الشهود الذين نقلوا لهيومان رايتس ووتش رجوع دينا مقيّدة إلى السعودية من الفلبين، قالوا إن أحد الشخصين اللذين حملاها كان عمّها، والثاني هو موظّف في سفارة السعودية، إضافة إلى قالته دينا نفسها في الفيديو المنتشر على تويتر، من تعاون السلطات في الفلبين مع السفارة السعودية لاحتجازها، وهو يشبه ما قالته رهف عن ظروف احتجازها في مطار بانكوك في تايلاند بأن وسيط السفارة السعودية أخذ أوراق الثبوتية الخاصة بها، وهو ما عنى عدم قدرتها استخراج تأشيرة لدخول الأراضي التايلاندية.

كانت السلطات السعودية تتابع هروب الفتاتين السعوديتين في كوريا بدأب، وسط اهتمام اعلامي من القنوات المحليّة بالقضيّة، استطاعت السفارة بالفعل تحديد مكان إحداهن بينما ظل مكان صديقتها مجهولًا. يقول والد الفتاة في تصريح لجريدة "سبق" السعودية "أغلقتا الهواتف، وتواصلت مع الأسرة عن طريق الإيميل، معللة سفرها برغبتها في إكمال الدراسة والعيش في كوريا"، ذكرت الصحيفة السعودية إلى أن الأب تواصل مع السفارة السعودية "وطالب باتخاذ إجراءات عاجلة تُسهم في ضبط الفتاتين وإعادتهما إلى المملكة في أقرب وقت".