الشيخ علي جمعة. صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

فتاوى عابرة للدين والدنيا: لماذا يبني "جمعة" هرم الحكايات الشعبية؟

مع الساعات الأولى من شهر رمضان، قرر الدكتور علي جمعة أن يطل علينا عبر برنامج جديد يحمل اسم مصر أرض الأنبياء، وقت جديد يُحجز للإمام على الشاشة، يطل من خلاله ليلقي لمتابعيه فتات العلم مع كثير من الآراء الأخرى.

اختار مفتي الجمهورية السابق، أن يقدم أبحاثًا في التاريخ عن علاقة أنبياء الله بمصر، سواء عن الذين أقاموا بين شعبها أو آخرين اكتفوا بالمرور على أرضها، والحقيقة أن ذلك القرار بدا غريبًا منذ البداية، فما علاقة عالم دين ومتخصص في الفتوى والأمور الشرعية بتلك الأبحاث التاريخية؟ وما هي إلا دقائق حتى كشفت أولى الحلقات عن عديد من المغالطات، والتي تلاها "خناقة" بين الدكتور علي جمعة وعالم الآثار الخبير في التاريخ الفرعوني زاهي حواس.

وفقًا لما أورده المفتي السابق، فإن نبي الله إدريس وأوزوريس في التاريخ الفرعوني هما شخص واحد، وإن إدريس بنى الأهرامات حتى قرر الفراعنة نحت وجهه على تمثال، فدُشن تمثال أبوالهول، وما هي إلا ساعات معدودات حتى أصدر زاهي حواس بيانًا نفي فيه تلك الروايات، داعيًا على جمعة للكف عن ترويج تلك الإشاعات التي عادة ما يلجأ إليها "مهاويس الشهرة".


تصريحات حواس لم تجد قبولًا لدى الشيخ الأزهري، فأصدر بدوره بيانًا قال فيه إن برنامجه يعتمد على الروايات الشعبية، وإنه لا ينقل علمًا ولا يفتي فيما لا يعلم.

والحقيقة أن البيان يُمثل سُبَّة في جبين الدكتور علي جمعة، وأن الضرر الناتج عن البيان يفوق الروايات المغلوطة التي أوردها في برنامجه، فما معنى أننا نروى حكايات شعبية ولا ننقل علمًا؟ هل نفتح الباب إذن لغير المختصين، ليصدروا فتاوى دينية تستند إلى الروايات والموروثات الشعبية؟ وهل يُعقل أن نبني برنامجًا، يُفترض أن يُقدم جرعة تثقيفية لشعب يُعاني انخفاض المستوى الثقافي والتعليمي، على معلومات مغلوطة بحجة أنها روايات شعبية"؟

أيضًا؛ ثمة سؤال هام فيما يتعلق بطبيعة البرنامج، ألم يكن من الأفضل أن يجود علينا الدكتور علي جمعة بعلم شرعي، ويقدم لنا جرعة تثقيفية في أمور الدين والفقة بدلًا من الخوض في "روايات شعبية"؟

في الصحة ودروب أخرى

ويبدو أن شهوة الفتوى لدى الدكتور علي جمعة لم تقتصر على الخوض في الدراسات التاريخية فقط، فبالتزامن مع معاناة العالم من جائحة كوفيد-19 التي يسببها فيروس كورونا المستجد، الذي عجز العلماء عن التصدى لها، حتى الآن، خرج علينا الدكتور علي جمعة بتلك الوصفة السحرية التي وجد من خلالها أسباب انتشار الوباء.

وفقًا لما ادعاه العالم الأزهري، فإن خدمات الجيل الخامس تسببت في مضاعفة سرعة انتشار الفيروس بين الشعوب، وسرعان ما انتشرت تلك التصريحات بين العامة، فآمن بها البعض، وتندَّر عليها آخرون، وهي نفس الشائعة التي انتشرت بدول أخرى، ما دعا منظمة الصحة العالمية لإصدار بيان رسمي تنفي فيه إمكانية انتقال الفيروسات عبر موجات الراديو أو شبكات الهاتف المحمول، كما أكدت أن الوباء انتشر في دول لا تحظى بخدمات الجيل الخامس للهواتف المحمولة.


إصرار مفتي الجمهورية السابق على الجدل في أمور بعيدة عن الفتوى لها سوابق كثيرة، ففي عام 2015 زعم خلال أحد البرامج التلفزيونية، أن الملكة إليزابيث، ملكة بريطانيا، يعود

">نسبها إلى النبي محمد، وأن جدها الأكبر ترك الإسلام مضطرا واعتنق المسيحية، وهو ما نفاه علماء الأنساب جملة وتفصيلًا. كما أثار الجدل في عام 2014 بتصريح آخر عن أن أرواح الموتى لديها ما يُشبه تقنية Google Earth، بحيث يُمكنها رؤية مكان دفن جثمان صاحبها.

أيضًا؛ اعتبر الدكتور علي جمعة أن الكشف البترولي يُعد مكافأة من الله للشعوب، إذن؛ هل يُمكن اعتبار البترول الأمريكي مكافأة من الله للأمريكان على تقواهم، وأن الغاز الإسرائيلي يُمثل مباركة للسياسات الصهيونية؟

إذن يا سيدي؛ لماذا تُصر على الفتوى فيما لا علم لك به؟ أليس الأولى والأكثر نفعًا، دينًا ودنيا، أن تنقل ميراثك في العلوم الشرعية، بدلًا من الخوض في فتاوى التاريخ والصحة وغيرها من الدروب التي تخرج عن مجال خبراتك؟

من الشعراوي وإلى الآن

الحقيقة؛ أن رغبة المشايخ ورجال الدين في "الفتي" بما لا يشمل علمهم الشرعي تبدو قديمة ومتأصلة، بل أن مشايخ يحظون بمكانة وقدسية بين عموم الشعب، لم يعصموا أنفسهم عن الخوض في المساهمة في بناء هرم الخرافات.

متكئا على مسند مقعده وأمام كاميرات تنقل أحاديثه إلى العامة، يمد الشيخ محمد متولي الشعراوي يده نحو علبة مناديل، يخرج منديلا يلوح به في الهواء قائلًا جملته الشهيرة "هذه الورقة أنفع من الوصول إلى القمر".

بداية القصة ترجع لتلك الفترة التي اعتاد فيها الإمام الشعراوي على السخرية من الحضارة الغربية والتقليل منها، ويومًا بعد يوم؛ امتد الأمر ليشمل السخرية من رحلات استشكاف الفضاء، قائلًا "الغرب فرحون بصعودهم إلى القمر، فما قيمة ذلك؟"

تصريحات الشعراوي أثارت غضب المفكرين آنذاك، ما دفع الدكتور زكي نجيب محمود للرد قائلًا: "يا إمام؛ لولا الأقمار الصناعية لما ظهرت في التلفزيون"، لتبدأ بتلك الكلمات إحدى معارك الشيخ مع المفكرين والتي انتهت بزيارة من الشعراوي إلى منزل زكي نجيب محمود.

والحقيقة أن ما أثاره الشعراوي عن رحلات الفضاء لم تكن الواقعة الوحيدة للإفتاء دون علم، فهذه المرة الرأي طبي؛ حيث اعتبر أن التدخل الطبي يؤجل لقاء المريض بربه، وبالتالي يجب أن يُترك المرضى ليواجهوا الموت، وتحديدًا كان الحديث عن مرضى الفشل الكلوي.


"كشك".. كبيرهم الذين علمهم

نحن في حقبة الثمانينيات، وتحديدًا منبر مسجد عين الحياة بمنطقة حدائق القبة، من هنا؛ خرجت الفتوى تلو الأخرى كزخات المطر، طالت كل الدروب، وتحدث صاحبها عن الفن والأدب والسياسة والعلوم والتاريخ، أشملهم جمعيهم في إطار الحرب الكبرى على الإسلام.

ولكن الواقعة التالي ذكرها تختلف قليلًا في التفاصيل، فلم يخرج صاحبها من منبر عين الحياة، بل لجأ مضطرًا لطرق أخرى، فقرر أن يرد على الكتاب بـ"الكتاب".

في العام 1988؛ مرت ست سنوات تقريبًا على آخر خطبة للشيخ عبد الحميد كشك من على منبره، حيث منعت وزارة الأوقاف ظهوره بعد خروجه من السجن عام 1982، ولكن ثمة أمر جلل يرغب الشيخ أن يدلو فيه بدلوه، حيث حصل الأديب نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الأدب.

قرر كشك وقتها أن يرد بكتاب خصصه لتكفير نجيب محفوظ؛ والبداية من غلاف مُهين للأديب العالمي، حيث ظهر الشيخ كشك كمدرس عملاق يمسك عصا غليظ ويُشير لتلميذ ضئيل هو نجيب محفوظ أن يمد يده ليُعاقب.

غلاف كتاب كلمتنا في الرد على أولاد حارتنا

حمل الكتاب عنوان كلمتنا في أولاد حارتنا، وكال فيه الشيخ كشك الاتهامات لنجيب محفوظ، ولكن أكثر ما يُثير الضحك هو اعتباره الأديب العالمي شيوعيًا متأثرًا بأفكار سلامة موسى، كما دعاه إلى مراجعة قراءات عباس العقاد، وبغض النظر عن القراءة الدينية الخاطئة لرواية "أولاد حارتنا"، فأن محفوظ تأثر بالعقاد أكثر من أي مُفكر أخر، وحينما حصل على جائزة نوبل ذكر في كلمته عباس العقاد باعتباره أحد المؤثرين في أدبه ولم يذكر سلامة موسى.

وبالطبع؛ لم يغفل الشيخ كشك التقليل من قيمة جائزة نوبل واتهام القائمين عليها بمحاربة الإسلام بناءً على حقد دفين، ولكن الأخطر من ذلك هو ما أورده عن فترة حُكم محمد علي باشا، حيث تحول فجأة إلى عالم تاريخ شكَّك في الغرض من قرار تعميم التعليم على المصريين، معتبرًا أنه يُمثل بداية "الغزو الفكري الصليبي"، فضلًا عن انتقاد حركة الترجمة للأعمال الأدبية باعتبارها تحمل الفكر الغربي العلماني الجاحد للدين.

لننال رضا الحاكم

مؤخرًا؛ أصبح الوصول إلى رضا الرئيس والأقربون من دوائر صُنع القرار غاية وحلم لدى الكثيرون، لا يفرقون كونهم علماء دين أو دنيا، يخوضون في الدروب كافة سعيًا نحو المبتغى.

في مارس/ أذار 2012 خرج المستشار أحمد الزند، بتصريح آثار غضب الرأي العام، حيث هاجم المتحفظين على آليات التعيين القضائية قائلًا إن "من يهاجم أبناء القضاة هم الحاقدون والكارهون ممن يرفض تعيينهم، وسيخيب آمالهم، وسيظل تعيين أبناء القضاة سنة بسنة ولن تكون قوة في مصر تستطيع أن توقف هذا الزحف المقدس إلى قضائها".

والحقيقة، أنه على الرغم من أن التصريح يُمثل أقصى درجات الطبقية والنرجسية، إلا أن الرجل عُين بعد سنوات وزيرًا للعدل، وما هي إلا أيام حتى خرج بتصريح مسيئ جديد، حيث توعَّد من اتهموا زوجته بالتورط في قضية فساد تتعلق بشراء قطعة أرض، وقال إنه سيسجن من يخطئ "حتى لو كان نبيًا".

ثأر الرأي العام مرة أخرى ضد الزند خاصة وأن الرجل اعتاد على التصريحات الجدلية، وصدر قرار بإقالته، إلا أن مشايخ أمثال مظهر شاهين والدكتور أحمد كريمة اعتبروا أن إقالة الرجل تمثل انتصارًا للإخوان المسلمين، وأن الرأي العام لا يجب أن يوجِه القرارات الرسمية.


اقرأ أيضًا: الشيخ الشعراوي.. من قبره يحكم الجماهير


والحقيقة لا يُمكن فهم ما علاقة الإخوان بالقضية، هل دخل أحد أعضاء الجماعة إلى عقل الزند وأطلقوا لسانه بتلك التصريحات الطبقية والمُسيئة؟ ولكن الغرائب لم تقتصر على ذلك الموقف، فوجدناهم يُطالبون بمحاكمة الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، المستشار هشام جنينة، بعد تصريحاته بفساد أجهزة الدولة.

إذن؛ المشايخ الذين انتقدوا في الواقعة الأولى تأثير الرأي العام على صناعة القرار، سعوا لتوجيهه في الثانية، على الرغم من كون الرجل رئيسًا للجهاز المركزي للمحاسبات.

أيضًا؛ لم يكتف مظهر شاهين بذلك، بل دأب بشدة عقب توقيع اتفاقية إعادة ترسيم الحدود بين مصر والسعودية على الدفاع عن حق المملكة في الجزيرتين، ثار وأصدر الفتاوى القانونية والجغرافية وكأنه متخصص فيها، ولكنه لم يستطع احترام أحكام القضاء حينما صدر حكم ببطلان الاتفاقية.

إذن؛ ألا يجد هؤلاء من يهمس في آذانهم قائلًا: "كفاكم؛ قبل أن ينفرط العقد ويفقد العلماء هيبتهم ويُصبح أمر الدين هباءً منثورًا".