نحت من قلعة وارتبرج، ألمانيا. صورة برخصة المشاع الإبداعي: Albert- فليكر

عن سلطة الجماهير والحق في المساءلة: كيف نواجه خطاب الكراهية؟

منشور الأربعاء 24 يونيو 2020

"المعركة المرادي مش هينة/ المعركة غايمة/ غربال ورا غربال/ وف صفنا الجنرال/ المعركة مرعبة/ ووقفنا زي الجثث باصين على المدبحة/ الدم على صدرنا/ بننتصر؟/ ولا ف طابور الدبح؟" انتهت مظاهرات الثلاثين من يونيو، وفُض اعتصام رابعة، رُفعت الجثث من الطرقات وغُسل الميدان من الدم، ليسأل محمود عزت في قصيدته صلاة خوف؛ بننتصر ولا في طابور الدبح؟ لكن صوت صوت الهتاف كان أعلى؛ اقتلوهم، اطردوهم، القوهم في البحر، ادهسوهم بالدبابات. لا مجال للأسئلة في قاعة الدرس، المدرس يغني النشيد والتلاميذ من خلفه يهتفون. تمر الأيام، ويمل الناس الهتاف، تلتهب حناجرهم، وتنقطع أنفاسهم، وتهدأ القاعة قليلا. يُهمس السؤال من جديد؛ بننتصر ولا في طابور الدبح؟ يصمت البعض، ويصر آخرون على الهتاف بالانتصار. لا بأس، طالما أن الهتاف هو الأبرز فلا بأس. لكن أن تهتف أقلية في المقابل بالسؤال؟ بمساءلة النشيد وأصحابه؟ واستحواذهم على الميكروفون؟ كيف لهؤلاء الفاشيون أن يفعلوا ذلك؟ هكذا رأيت واقعة الناقد أحمد شوقي في الأيام الماضية، منذ تعيينه مديرًا فنيًا لمهرجان القاهرة السينمائي، وحتى استقالته استجابة للغضب على وسائل التواصل الاجتماعي، صراعًا بين الحق في السؤال (ممن هاجموا شوقي) مقابل إخراس الألسنة بإجابة واحدة، ضحلة وعدوانية (ممن دافعوا عنه واتهموا معارضيه بالفاشية، رغبة في إسكات الجماهر)، مدعية حقها المطلق في استباحة الدماء، ومنكرة على غيرها أي حق. لم يكن خفيًا على أحد، كل السنوات التي هلل فيها شوقي لسحق كل معارضي الدولة، لذلك جاءت حجج المؤيدين لعزله عن إدارة المهرجان، متمحورة حول خطاب الكراهية والتحريض الذي استخدمه في منشوراته، بينما اعترض أصدقائه بحجة أنها مجرد لغة بذيئة نسمعها ونستخدمها في المناوشات اليومية، وأن محاسبة الناس على "أقوالهم" هي "فاشية" عكسية. تهمنا تلك الحجج بشقيها، لأنها تنتصر للأسئلة بدلًا من الإجابة الجاهزة، لأنها ستتجاوز شخص شوقي وتشتبك مع أفكاره، لنناقش عبرها بعض المفاهيم الهامة التي جلبتها الواقعة، نحاول معها تجاوز الشخصنة لما هو أهم على مستوى المفاهيم المجرَّدة، ربما يساعدنا ذلك على فهم موقع ما حدث في الصورة العامة، متأملين استمرار الأسئلة حولها في واقع سياسي واجتماعي مغلقة فيه سبل الحوار العام.

السؤال الأول: فاشية جماهير أم حق الناس في التعبير عن مصالحها؟ 

لنبدأ الحديث بترتيب الحدث؛ مجموعة من الناس أعلنوا عن اعتراضهم عبر ما يعادل مظاهرة إلكترونية، لم يقطعوا طريقًا، لم يحرقوا شجرة، لم يقلعوا زرعة، مجرد هاشتاج يحمل اعتراضًا، كيف يمكن لذلك أن يكون فاشية؟ ربما الجمهور ليس مكانه المحكمة، وواجب علينا الحذر من إحلال سلطتهم في غير محالها، لكن من تكلم عن المحاكمة أصلًا؟   ينسى المؤيدون لأفكار شوقي أن سلطة الجماهير هي مضمون الديمقراطية، وأن تجد الناس يتظاهرون ضد أي شيء أو كل شيء، هو ظاهرة طبيعية وصحية، من أول التظاهر للاعتراض على قرار سياسي، مرورا بالمطالب الفئوية لتحسين الأجور، وحتى أكتر أشكال التظاهر تطرفًا مثل أن يتظاهر حزبًا نازيًا في السويد لرمي المهاجرين في البحر، فتجد الشرطة ملتزمة بتأمين مظاهرته. كل هذا من عوارض الديمقراطية لاستيعاب الجميع طالما لم يترتب على مطالبهم عنفًا لفرضها بالقوة، لكن إذا كان أحد أعضاء هذا الحزب النازي في موضع سلطة ما، وأثيرت الشكوك حوله لاستخدام سلطته ضد المهاجرين، فللناس الحق في المطالبة بإقالته.

بالتالي قبل رفض سلطة الجماهير هكذا في المطلق يجب أن نسأل أين هم الذين فرضوا مطالبهم بالعنف في واقعة شوقي؟

حتى الآن هؤلاء الجماهير مهمَّشون تهميشًا كليًا في تقرير مصائرهم، يستحوذ على حقهم في مشاركة القرار نظامًا سياسيًا وإداريًا قمعيًا. هل تتصور في واقع كهذا أن الاحتياج الطبيعي عند هؤلاء الناس في أن يكون لهم رأيًا حول تنظيم حياتهم ومكان عيشهم سيختفي؟ يؤسفنا أن نبلغك بالحقيقة المرة؛ لن تختفي تلك الحاجة، ستنشأ عنها رغبة لتلبيتها، تنمو لتلك الرغبة طاقة فعل، ستخرج طاقة الفعل  في أقرب الأشكال إتاحة، ليقع ما بقى على عاتق الحكومات، الذكي منها سيفتح السبل أمام الطاقة للخروج في أكتر أشكالها تهذيبًا؛ ستخلق آليات تحقق توازنًا بين سُلطة إنفاذ القانون وتحقيق الرقابة على هذه السلطة، وستنمي ثقة الناس في تلك الآليات.ة

لكن عندما يكون نظر الدولة ليس أبعد من قدمي رئيسها وتأمين مستقبله، فطاقة الفعل تلك ستظهر في طاقة "فش غل" بأشكال يصعب التنبؤ بها والتعامل مع عواقبها، ورغم أن تلك الطاقة في حالة شوقي كانت بعيدة كل البعد عن وصفها بالفاشية أو الغوغائية، يجب أن نسأل هل نموذج الدولة التي أرادها شوقي يصب بتلك الطاقة في مسار استيعابها وتهذيبها؟ أم يعمل على تغولها وتعبيرها عن نفسها بهيستريا؟

في الحقيقة لم يفعل الناس أكثر من أنهم استخدموا الطرق المتاحة في مساءلة الدولة عن إسناد منصب ذو سلطة لشخص يشكون في حياديته؛ حيث الحيادية أحد المتطلبات الوظيفية في منصب مشابه، دون أي اعتداء لا على حق أقلية ولا باستخدام عنف، وإن كان هنا حق لشوقي فهو أن ينال تحقيقًا عادل من جهة محايدة، الجهة التى لا يسأل عن وجودها من عدمه المعترضون.

السؤال الثاني: ما الرأي؟ وما خطاب الكراهية/ التحريض على العنف؟ ولأي مدى يجب عقاب الأخير؟

"أي نوع من التواصل، خطابا أو كتابةً أو سلوكا، يهاجم أو يستخدم لغة تحقيرية أو تمييزية في الإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس هويتهم، بعبارة أخرى؛ على أساس دينهم، عرقهم، جنسيتهم، لونهم، نسبهم أو جنسهم أو عامل هوية آخر" هو خطاب للكراهية حسب تعريف الأمم المتحدة.  هل التوجه السياسي إذًا جزء من الهوية؟ وإذا لم يكن؛ أليس لأي شخص حق نقده بالطريقة التي يراها؟ صحيح أن التوجهات السياسية أو الكروية أو ما شابهها ليست جزءًا من الهوية، وصحيح أن نقدها حقٌ لمن أراد لكن ذلك لا يشمل التحريض على العنف.

في ورقة بعنوان خطابات التحريض وحرية التعبير: الحدود الفاصلة صادرة عن مؤسسة حرية الفكر والتعبير، جاء ما يلي "ويبين من القاعدة التي أرستها الفقرة الثانية من المادة 20 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، أن خطاب الكراهية ليس فعل مستقل عن فعل التحريض بصوره المتنوعة، بل هو الإطار العام الذي يشمل الصور المتعددة للتحريض، وهو ما يعني أن كل تحريض على العنف أو العداوة والكراهية أو التمييز، هو خطاب كراهية".

كذلك فالقوانين في أغلب الدول الأوروبية تعارض ما يعرف بجرائم الكراهية، التي يقسّمها موقع شرطة الميتروبوليتان في بريطانيا لأنواع، من ضمنها جريمة التحريض على الكراهية ويعرفها بـ "جريمة تقع عندما يتصرف شخص ما بطريقة تهدد وتهدف إلى إثارة الكراهية. ما قد يأتي في شكل كلمات، صور، فيديو، موسيقى، ويتضمن ذلك المعلومات المنشورة على المواقع".

حتى في الولايات المتحدة، ورغم عدم وجود قانون صريح حتى الآن بهذا الخصوص، هناك ما يعرف بـ "كلمات القتال" وتقول عنها مدرسة كورنيل للقانون "كلمات القتال كما هي معرَّفة من قبل المحكمة العليا (..) كلمات بمجرد قولها، تلحق الأذى أو تحرض على خرق مباشر للسلم الاجتماعي. حيث لوحظ جيدًا أن هذا الكلام، ليس جزءًا جوهريًا من أي عرض للأفكار، وأنه ذو قيمة اجتماعية مهمَلة (..) حيث أي منفعة قد تُستمد منه مرجحٌ عليها المصلحة الاجتماعية في النظام والأخلاق". 

ويعد خطاب العنف أو كلمات القتال استثناءً من الاستثناءات القليلة من المادة الأولى للدستور الأمريكي، التي تحفظ حق الأفراد في انتقاد السياسة الداخلية والمسؤولين الرسميين بحرية شبه مطلقة، وتحجّم سلطة تشريع قوانين قد تنال من تلك الحرية. صحيح أن حيثيات حكم المحكمة كانت إشكالية وضمن قضية يرجع تاريخها لعام 1942 وقد تمت مراجعتها وتقييد تطبيقها في قضايا تالية، وحتى وقف تنفيذها عمليًا، لكنها تظل موجودة، ويظل النقاش المجتمعي قائم حول ضرورة استصدار قانون ضد خطاب الكراهية بوضوح.

هذا مع الوضع في الاعتبار أن الجدل القائم حول الفصل بين حرية التعبير وخطاب الكراهية في السياق الأمريكي، هو حقوقي بامتياز، بمعنى انطلاقه من مسلّمة تقديم حق الفرد على الدولة، واحترام حريته في نقدها، ومن هذا المنظور ينتقد بعض الكتاب والحقوفيين تقنين وسائل لعقاب الخطاب حتى ولو كان كارهًا وعدوانيًا، خوفا منهم أن تستخدمه الدولة ضد الناس إن انتقدوها، لكن لا يمكن أن نقلب الآية ونآزر القمع بدعوى احترام الحريات الفردية، لأن التناقض بالجملة السابقة مثيرٌ للضحك.

كل ذلك قد يساعدنا لفهم ما هو خطاب الكراهية والتحريض على العنف على المستوى النظري، لكن تبقى الحجة الأهم على شوقي برأيي هي شوقي نفسه؛ كيف له أن يعارض الإسلاميين صباحًا باعتبار أن ذكرهم لتشريعات تطبيق الحدود مشمولة بحد الردة هو شيء يندرج تحت التحريض على العنف، وهو ما أتفق معه تمامًا، ثم لا يرى بالقياس أن المطالبة بإعدام صحفي هي تحريض مساوٍ في الجرم؟ 

 

صورة من منشور شوقي الذي يطالب فيه بإعدام الصحفي حسام بهجت 

ليست وظيفتي بالتأكيد ولا وظيفة أحد دون القانون، ادعاء أن الرجل مذنب أم لا، ورغم كل ما ذكرته فيما سبق، أميل لوجهة النظر المتخوفة من كون تجريم خطاب الكراهية قد ينتج عنه قمع للحريات تجاه نقد السلطة، خاصة تحت ظروف الحكم القمعية في مصر، وأفضّل بدلًا من ذلك أن يكون التجريم تجريمًا للعنف الحادث بالفعل وليس المحتمل، ووضع مسؤولية توقع ومنع العنف المحتمل على عاتق أجهزة الشرطة.

لكن مرة أخرى نقول إن الاعتراض لم يتضمن بأي شكل محاكمته، ورغم أن شوقي لم يتردد في الترويج ومباركة التنكيل بمعارضي للدولة، لم يطالب معارضوه سوى عدم منحه سلطة يمارس فيها انحيازاته الفكرية ضد قطاع كبير من منتجي الفن في مصر وخارجها، من هم مصريون يدفعون الضرائب وبالتالي من حقهم مساءلة الدولة من يدير أوجه صرفها. 

السؤال الثالث: ما الفرق بين اللفظ البذيئ واللفظ الكاره والمهين؟

يقول شوقي في مقتطف من خطاب نشرته Screendaily  (تمت ترجمته عن الإنجليزية) "هؤلاء الذين ترجموا منشوراتي يعلمون جيدا أن استخدام الكلمات النابية في المحكية العربية لا يمت بصلة على الإطلاق للمعنى الحقيقي للكلمات نفسها، كل العرب يعلمون ذلك جيدا وبالأخص المصريون، حيث تُستخدَم الكلمات النابية بانتظام في التواصل اليومي". يبدو هذا الكلام واقعيًا للوهلة الأولى، حيث أي مصري أو زائر لمصر يعلم فعلا الحضور الكثيف للألفاظ النابية في الحديث اليومي؛ نشتم في جلسات الأصدقاء وفي النكات وفي حالات الفرح والغضب، والتعبير عن الدهشة والإعجاب والقرف، نشتم طوال الوقت، لا أحد ينكر ذلك، لكن هناك فرق بين أن تستخدم اللغة القبيحة في المطلق وبين استخدامها في خطاب كراهية. هناك فرق واضح بين أن أشتم صديقي فوق عشرة طاولة، وأن ألعن أخيه المقتول لتوه غدرًا وأتمنى له أن يلحق به، ناعتًا عائلته كلها بالعملاء والخونة.

لا يمكن لعاقل ألا يفهم ما وراء اللغة في الحالتين، ولا يمكن إلا أن يكون مختلًا من يدّعي أن اللغة في الحالة الثانية قد تكون جزءًا من "مناوشات" مشروعة، ذلك لأن خطاب الكراهية مصمم لإلحاق الأذى عمدًا، مستهدفًا هوية المكروه، ومحاولًا استثارة العار في نفسه تجاه هويته، ليكون في النهاية مواطنًا غير كامل الأهلية، مستباح إهانته والتنكيل به. في كتابه أخلاقيات وحدود الفلسفة طوّر برنارد ويليامز مصطلح المفهوم السميك وهو مصطلح يعبر عن الكلمات التي تحمل ضمنيًا صفات تقيمية ووصفية، لا يمكن فصلها عن معناها. كلمات مثل شجاعة أو خيانة تحملان في طيتاهما الوصف والتقييم في الوقت ذاته. هكذا تعد كلمة نافقين التي استعملها شوقي لوصف ضحايا مذبحة بورسعيد مفهومًا سميكًا، مخبوز فيه معان تحقيرية قيميًا وتستعير وصفًا يستخدَم عادة مع الحيوانات.  ليس ضروريًا أن يعبّر المفهوم السميك عن خطاب كراهية أو تحريض أو حتى عن التقييم في نفس قائله، عادة ما يستخدم المصريون الشتائم فعلًا بلا معنى ولا تقييم، ينادي الصديق صديقه مثلا بالـ "خ**"، الكلمة التي تحمل وصفًا وتقييمًا منحطين للمثليين، دون أن يعني ذلك حقًا؛ مجرد استخدام بحكم العادة، لكن عندما تذكر الكلمة في سياق آخر وبينما هذا الصديق مقبوض عليه مثلًا ومنكل به لكونه مثليًا، هنا تصبح الكلمة خطابا للكراهية.  

السؤال الرابع: صائب أم خاطئ ما حدث؟ 

على عكس المفاهيم السميكة، فكلمات مثل صائب وخاطئ هي كلمات تقيمية إلا أنها لا تحمل وصفًا محددًا، لذلك فهي مفاهيم نحيفة، ما يجعلها أحكاما معممة تضع الواقعة بين ثنائية الأبيض والأسود. وبغياب المنظومة التي قد تستوعب ما حدث لإعطاء كل ذي حق حقه، سيتداخل الصواب والخطأ؛ الصواب الذي يحتفظ للناس بحق الاعتراض والخطأ في أن تتم الإقالة/ الاستقالة دون تحقيق عادل.

كذلك فاستخدام وصف عادل أو ظالم بإطلاق الوصف، بالإضافة لكونهما مفهومين سميكين، يتضمن كل منهما طيفًا واسعًا، فالعدالة أشكال وألوان كل منها له فلسفته الخاصة؛ منها ما هي عدالة نفعية، تحدد ما هو عادل وفقًا لمدى نفعه اجتماعيًا، أو ردعية، تركز على عملية التحذير من إتيان آخرين للفعل المجرَّم، بخلاف المُعاقَب نفسه، أو حتى عدالة تقويمية تهتم بإعادة تأهيل صاحب الفعل المخطئ. كلها أشكال تتجاوز العدالة الانتقامية، بشكلها البدائي، والتي تجاوزتها فلسفة العقاب منذ زمن إلا في الدول التي لازالت تعامل العقاب كانتقام، وتحتفظ بقوانين الإعدام مثلًا لكن هذا موضوعا آخر. ما أقوله هو إن المفهوم الفضفاض للعدالة كما قد يحفظ حق شوقي في تحقيق عادل وتمحيص في مدى خطورة منشوراته على تأدية مهام المنصب الوظيفي، يحتفظ أيضًا بحق المجتمع في مساءلته وعقابه دون أن يكون هذا العقاب انتقامًا بالضرورة، ودون أن تكون المطالبة به "فاشية" بأي شكل، وإنما حفاظًا على السلام الاجتماعي.

لذلك هناك أسئلة مشروعة من نوعية؛ هل من الحكمة استخدام خطاب تحريضي في مجتمع مستثار ومشحون بالفعل؟ وهل هذا الخطاب المشحون والكاره عندما يحضر في سياق متعلق بكرة القدم وتعصب جماهيرها شيء حكيم؟ بالذات بالتعرض لحادثة دموية ترقى لمستوى المذبحة؟ لأي مدى قد يعرض ذلك المجتمع لأعمال عنف؟ ولأي مدى قد يعرّض سلامة صاحب الخطاب نفسه للخطر؟ أليس من العادل في هذه الحالة تجنب العنف المحتمل بردع الفعل المحفز وصاحبه؟ كذلك الحال في المنشور المتعلق بحسام بهجت، وفي مجتمع مشحون إعلاميًا طول الوقت ضد الحقوقيين والصحفيين يتهمهم بالخيانة والعمالة ليل نهار، أليس ذلك فعلا يستحق الردع حفظا وتعظيما للسلام الاجتماعي؟

مرة أخرى الكلام عن العدالة لا يعني استحقاق تطبيقها، إلا عن طريق المؤسسات المعنية بالتطبيق، لكن الكلام والنقد والمطالبة بالحساب، وعمل هاشتاج كمعادل لمظاهرة إلكترونية هو حق أصيل لأي مواطن ليس صوابًا أو خطأ في ذاته، ليس عادلًا أو ظالمًا، مجرد حق بمعزل عما قد يؤول إليه هذا الاعتراض فيما بعد خلال عملية البت بشأنه من قبل المؤسسات المعنية.

انتصار للحق في الجدل المجتمعي

حقيقة؛ قد يكون أفضل ما فعلته الواقعة كلها أنها فتحت نقاشًا مهمًا، حتى المؤيدين لشوقي أظن أنها حرَّكت فيهم على الأقل شعورًا من اللايقين، نجد مثلًا يسري نصر الله رغم أن منشوره دعم شوقي بناءً على مغالطة التعلل بالأكثرية، حيث "لغته (أي شوقي) شبه جدًا لغة أصحابي"، رغم ذلك يختتم البوست بقوله "يمكن الفترة الجاية اللي هيبقى فيها بعيد عن الأضواء، تبقى فترة يقدر يعيد فيها التفكير بعمق عن مكان قلبه ومكان لسانه".


اقرأ أيضًا: تأملات في إنسانية كورونا: أنا الآخر.. أنا العدو

 


هذا المنشور أزاله نصر الله، ونتمنى أن تكون الإزالة عائدة على مراجعة فكرية تجاه محتواه، لكن حتى لو لم تتم تلك المراجعة، فالجملة الأخيرة بذاتها تنتصر لنوع العدالة التقويمية، ورغم أن هذا النوع من العدالة منتَقَد لكونه عادة ما يأتي في شكل أبوي، يفترض عدم الأهلية الكاملة والمسؤولية الكاملة لصاحب الفعل عن أفعاله وبالتالي احتياجه للتأهيل، الشيء المهم وزنه وتقيمه داخل السياق لنسأل إن كان حقًا رغبة في التقويم، أم فعلًا منحازًا ومحابيًا للصداقة، يحاول العثور على أقل التخريجات ضررًا؟ مع ذلك وأيًا ما كانت الإجابة عن هذا السؤال، يظل الشعور العام بالمشكلة في حد ذاته شيئا إيجابيًا.

آمال ساذجة

نهايةً هذا المقال يأتي متعاميًا ومتأملًا ألا تكون الاستقالة فُرضت على شوقي لأسباب ترجع إلى "إساءة الأدب تجاه السيسي" في بعض المنشورات. لذلك نأمل أن تكون التنحية راجعة حقًا لرفض الخطاب الذي تبناه شوقي، لأنه ما دون ذلك سيكون كوميديا سيئة الصنع. وإن كان السبب وراء الاستقالة هو حقًا تلك التهمة التي بلا معنى، فنأمل  أن تكون تلك الواقعة دليلًا للمعسكر المحابي لإطلاق يد الدولة بلا رقيب، على أن الطريقة الوحيدة لاستيعاب مصالح وحقوق الجميع هي تنحية أي سلطة منفردة بالقرار ومهمّشة للناس وطاقات فعلهم.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.