الكاتب على حجر والدته ووسط أخوته. - الأرشيف الشخصي لإبراهيم البجلاتي

على هامش 1977: هل تعرف ما الذي كان يبهجنا في السبعينيات؟

منشور الأحد 10 يوليو 2022 - آخر تحديث الاثنين 11 يوليو 2022

قبل أشهر قليلة صدر عن كتب مملة ودار هن كتاب معزوفة مقلقة للإيطالي فرانكو بيڤو بيراردي. بعد صفحات قليلة من البداية، أصابتني رصاصة مباشرة في الرأس.

يصف بيراردي عام 1977 بكلمة واحدة مدوخة: عام النذير. العام الذي تغير فيه العالم. عدد غير قليل من الكتب وصفت لنا كيف تغير العالم؟ أو ما الذي كان هناك عندما تغير العالم؟ تصف هذه الكتب غالبًا كيف انتقل العالم من العصور الوسطى إلى العصر الحديث، كيف اتسعت الأرض المسطحة الثابتة لتصبح كرة كبيرة تدور حول الشمس وحول نفسها، كيف تمدد العالم فتراكمت المعرفة.

ليس غريبًا أننا نقرأ هذه الكتب كأنها حكايات تخص عالمًا آخر، أناسًا آخرين، تصادف أنهم عاشوا قبلنا على سطح الكوكب الأزرق. لكن كيف للواحد منا أن يدرك التغير الذي حدث في العالم الذي يعيش فيه الآن؟ في عالمه الحاضر وفي وجوده الشخصي في عالم يتغير بسرعة لا يحتملها الجهاز العصبي للجنس البشري.

تلك هي الرصاصة المدوخة التي أعادتني نصف قرن للوراء. لم أستطع الإفلات من محنة الفلاش باك، ليس محبة في الذات المصورة بالأبيض والأسود، أو تراجيديا العرض البطيء، فقط هي نظرة للوراء، بدون غضب ولا حنين، لكن مثلما فعل يسرى نصر الله في سرقاته الصيفية، لا ينقصها الحنان.

أين كنت في العام 1977؟

كنت في السادسة عشر، وأبي في التاسعة والخمسين، بقي على تقاعده عام واحد، لكنه كان متعبًا جدًا، ومريضًا جدًا، لا يخرج من البيت دون عكاز، وأنا كنت عكازه الحزين. في فجر الثامن عشر من يناير نقل عمي من البلد إلى مستشفى المنصورة الجامعي بعد نوبة قيء دموي مفاجئ. انطلق كبير العائلة إلى المشفى وأنا معه، توالى وصول الأقارب، ثم انقطع الوصول.

اجتاحت المظاهرات المدينة، فتوقف العالم عن الحركة. المشفى الذي بني على شكل شعاع الشمس معتم، الأسرَّة التي بلا لون، المرضى بسحنة ترابية وبطون منتفخة تحت أغطية كئيبة، الرائحة المقبضة للديتول المخلوط بالقيء الدموي في العنبر، كلها تؤكد أن طائر الفقد يبسط جناحيه السوداوين على السقف العالي والرخام العريض.

كان من الضروري إبلاغ عمي الأصغر في القاهرة: الاتصالات مقطوعة، والمواصلات ممنوعة، والشوارع يحتلها المتظاهرون. أرسل زوج عمتي ابنه الذي يكبرني بعامين إلى القاهرة ليبلغ عمي الصغير. اعترض أبي على المغامرة، فقال له زوج عمتي بمنتهى الهدوء "إذا نجح كان خيرًا، وإذا ضاع فهو يستحق أن يضيع".

نجا عمي ليموت بعدها بعشر سنين، بالقيء الدموي نفسه، كان الضحية الثانية التي تقدمها العائلة على مذبح البلهارسيا التي تستوطن النيل. لم أحضر انتفاضة الخبز في الشوارع، ولم يرتبط 18 و19 يناير/كانون الثاني في ذهني بالثورة، إلا بعد نصف قرن في ميدان التحرير.

لم أكن أعي أن عالمي يتغير، لكن هذه العبارة الصادمة لزوج عمتي "إذا ضاع فهو يستحق أن يضيع"، وضعتني مباشرة أمام فكرة العائلة. العائلة التي اجتمعت في المشفى لتنفجر في وجه الجيل الجديد. في هذه اللحظة دخلت في نوبة طويلة من أحلام اليقظة، كان دخولي متأخرًا، كالعادة، في الفانتازيا المربكة لـ"رومانسية الأسرة". انتقلت بأعجوبة من علي محمود طه إلى صلاح عبد الصبور، ومن وجودية عبد الصبور المفرطة إلى العبث العظيم في محنة الغريب لأبير كامو.

أغنية موعود لعبد الحليم حافظ


في 30 مارس/ آذار 1977 مات عبد الحليم حافظ، أشهر ضحايا البلهارسيا، بائع الرومانسية العظيم، صورة المريض الرسمي على غلاف الوطن الكبير، مات من قبل مرات كثيرة، أشهرها بعد أن غنى موعود، لكنه اختار أن يموت لمرة أخيرة في 77.

ما هو الملهم في هذا التاريخ؟ في هذا العام كنت أنتقل بغرابة من فصل المتفوقين إلى مراهق يائس، يهجر البيت في الفجر، يترك رسالة قصيرة "لا تبحثوا عني". لم أقل لهم أكرهكم جميعًا، قلت "لن أعود". وعدتُ. بعد ليال قصيرة من المشي بلا هدف في شوارع المحروسة العتيقة.

كأنني كنت أذوق طعم الندم المالح للعصيان، أو أشم رائحة السخط الوجودي، بتعبير فرانكو بيراردي، الذي لم يشر من قريب أو بعيد إلى 18 و19 يناير المصري؛ الاحتجاج العظيم على رفع الأسعار استجابة لشروط البنك الدولي في الإقراض، كواحد من المتغيرات الكبيرة التي تؤرخ لهزيمة الناس أمام الوحش الرأسمالي المجنح.

ما يقوله بيراردي عن الانتفاضة العنيفة في روما وبولونيا في مارس 1977 ينطبق بصورة ما على يناير المصري أيضًا: يمكن القول بأننا نشهد تحقق حلم سيء، تحقق خيال ديستوبي، لأن تلك الحركة لم تكن حدثًا سعيدًا، بل تنطوي على استشعار خلل اجتماعي عميق، تغير اقتصادي مقدر له أن يدمر المشهد الإنساني للمدن، وأن يخضع كل شذرة من الزمن.

في عام 1977 أنتج المخرج إنجمار بيرجمان فيلم بيضة الأفعى عن فترة صعود النازية: كانت بيضة الأفعى تتفتح ببطء، لتلد وحشًا، وفي الفترة التي تلت انتفاضة الطلبة في مارس 1977، شعرنا بشيء مشابه. تبينا رائحة شمولية جديدة في طور التكوين.

في هذا العام ظهرت التفاحة المقضومة كعلامة تجارية لآبل. وتأسس مجتمع المعلومات، وظهرت نصوص تنظر لتحلل الدولة القومية لحساب الاتصال عن بعد، وللوضع ما بعد الحداثي، البداية الحقيقية لتحول العمل من تأجير الجهد العضلي للعامل خلال ساعات محددة إلى بيع الوقت كله للبشر جميعا لحساب المجهول.

هل كانت مصادفة أن يكون هذا هو العام الذي مات فيه تشارلي شابلن، الرجل ذو القبعة اللباد والعصا، الرجل الذي قص علينا حكاية نزع الإنسانية من العالم الصناعي، والذي أظهر لطف من استطاعوا أن يكونوا إنسانيين رغم كونهم فقراء. كان دوره انتهى، ولم يعد هناك مكان للطف في العالم.

الغريب أيضًا أنه تزامنا مع موت شابلن بدأ عرض فيلم حمى ليلة السبت عن طبقة عاملة جديدة، سعيدة بأن تُستغل طوال الأسبوع مقابل بعض التسلية في الديسكو يوم عطلة الرب عن العمل. وفي صيف العام نفسه مات ألفيس بريسلي، ملك الروك آند رول المتوج.

انها مصادفة تشبه المؤامرة، كأنها انسحاب منطقي من عالم يموت بالفعل، قبل سنوات من تحول الأفعى إلى عصا واحدة كبيرة تقود الجميع. 

هل تعرف ما الذي كان يبهجنا في السبعينيات؟

بالتأكيد لم تكن مدرسة المشاغبين التي بدأ عرضها سنة 1971، ولا خلي بالك من زوزو الذي ظهر في دور السينما سنة 1972. كانا تسلية جميلة للمراهقين من أمثالي، لكن البهجة الحقيقة كانت في عنوانين أخبار التاسعة: اختطاف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين للطائرات، الاغتيالات للـألوية الحمراء في إيطاليا، عمليات جماعة بادر-ماينهوف الألمانية، والجيش الأحمر الياباني.

لم يكن فقط نضالًا شريفا وحتميًا ضد الظلم واغتصاب الحقوق، كان هناك بعد عاطفي غامض، كان تخريب العالم البارد سعادة جماعية.

مشهد من فيلم خللي بالك من زوزو


في 1977 مات أعضاء بادر-ماينهوف في السجون، انتحروا أو قتلوا. ونجحت القوات الخاصة الألمانية في تصفية خاطفي الرحلة 181 من أعضاء الجبهة الشعبية في مقديشيو. كان لون البهجة الأحمر ينسحب من باليتة ألوان العالم، ورياح الخريف تغطي الأفق الغامض بالرماد. فكان طبيعيًا أن يزور السادات القدس في نوفمبر/ تشرين الثاني، وأن تهبط طائرة صديقه بيجين في أسوان في ديسمبر. كان كل شيء يقول لنا لا تقلقوا على المستقبل، لأنه لا يوجد مستقبل.