جانب من رسم تخيلي لجنود في معركة أحد. برخصة المشاع اﻹبداعي: ويكيميديا

تسمين الوحش: التفسير المادي لانتصار المسلمين الأوائل على الروم والفرس

يفسر المسلمون انتصاراتهم على أعظم إمبراطوريتين حكمتا العالم القديم واقتسمتاه شرقًا وغربًا في وقت قصير وبقلة في العدد والعتاد بالإيمان بالله، ويستشهدون بالمقطع الأخير من الآية 249 من سورة البقرة "كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ". لكننا نسعى هنا لإيجاد تفسير مادي للتفوق العسكري الذي حققته جيوش العرب المسلمين على الفرس والروم في وقت قصير جدًا.

يشاركنا التساؤل برنابي روجرسون في مقدمة كتابه ورثة محمد حيث كتب "كيف استطاعت قبائل عربية متفرقة وبائسة انعدمت فيها الحكومات أن تفتح العالم المعروف وقتها تحت رايات الإسلام"، هذا التساؤل يبدو منطقيًا جدًا إذا أثير حول "جماعة من نحو 80 مهاجرًا مفلسًا ينتهي بهم الأمر وقد أصبحوا قادة على رأس مائة ألف مقاتل".

ظهر الإسلام في شبه الجزيرة العربية على يد النبي محمد الذي أخبر أصحابه بتلقيه تعاليم السماء بعد أن أتم الأربعين عامًا، وهو المولود في العام 570 ميلاديًا وتوفاه الله في العام 632 ميلاديًا، وقبل أن نبدأ رحلة البحث عن التفسيرات (لا يوجد إجابات قطعية)، علينا أن نرسم خريطة للقوى التي كانت تحكم شبه الجزيرة العربية في فترة ميلاد الإسلام.

شبكة تواصل

يمكننا أن نتخيل شبه جزيرة العرب وقتها وكأنها مثلث مقلوب، قاعدته في الشمال وعلى طرفها الأيمن العراق الفارسي ومجموعة قبائل عربية موالية، وطرفها الأيسر الشام البيزنطي (الروماني) ومجموعة قبائل عربية موالية، ورأسه اليمن في الأسفل في الجنوب، تارة يخطفه الأحباش (المسيحيون الموالون للروم) وتارة يخطفه الفرس الساسانيون، لكنه (اليمن) وقت ميلاد النبي في العام 570 ميلاديًا، وحتى وفاته، كان تحت سيطرة الفرس الذين ساعدوا سيف بن زي يزن وابنه من بعده على استرداد عرشه من الأحباش، وفي وسط الجزيرة وعلى أطرافها قبائل متفرقة باستثناء مدينتين خلعتا رداء البداوة هما مكة ويثرب (المدينة المنورة لاحقًا).

قد يكون اقتسام جزيرة العرب بين الفرس والروم أحد أهم أسباب تأخير توحيد العرب في دولة واحدة، بسبب ما انضوى عليه هذا الاقتسام والتصارع من مؤامرات واستمالات دبرها الجانبان أو أحدهما، لضمان ولاء أكبر عدد من القبائل العربية وضمها لصفوف إحدى الجبهتين.

كان هذا الانقسام، مثله مثل أي صارع آخر شهده التاريخ في العالم القديم بين الأمم والقبائل، وقودًا للخراب والحضارة معًا كما يعتقد جون وويليام مكنيل في كتابهما الشبكة الإنسانية، حيث يرفع الصراع من الطلب على السلع والأدوات فتنشط الزراعة والتجارة، وينقل الغزاة أو يتعلمون أساليب وأدوات جديدة من وإلى الشعوب المغلوبة، مثلما فعل الهكسوس (الرعاة) الذين تغلبوا على المصريين (المتمدنين) باختراع العجلات الحربية التي تجرها الخيول. لقد كوّن التجار والزراع والصناع والجنود شبكة تواصل إنساني تستخدم القوافل التجارية وسفن الشحن والحملات العسكرية لضخ ونقل الأفكار والسلع والبضائع.

ويفسر المؤلفان السرعة التي انتشرت بها رسالة الإسلام وجيوشه في العالم القديم بسببين رئيسيين، أولهما أن ظهور الإسلام تزامن مع استواء الشبكة الإنسانية وانتشارها وتغلغلها في معظم الجهات.

وثانيهما الإبل التي وصفاها بأنها "القاعدة المادية الوحيدة لانتصارات المسلمين الأولى، والعرب الذين أتقنوا فنون ترويضها، كان تحت أيديهم أعداد من هذه الحيوانات أكبر من أي شعب آخر، ما مكنهم من إمداد جيوشهم عبر المناطق الصحراوية على نحو أكفأ من منافسيهم".

شاركوا في الصراع بين الفرس والروم فتعلموا لغاتهم وتقنياتهم العسكرية ووضعوا أيديهم على نقاط القوة والضعف.

كانت الموارد الطبيعية في شبه جزيرة العرب شحيحة ونادرة، ما تسبب في اشتعال الحروب بين القبائل من أجل البقاء واستعراض القوة وفرض النفوذ، ومن أجل ضم مساحات أكبر من المراعي أو الحصول على نصيب أكبر من "الإتاوات"، التي دفعها التجار نظير تأمين قوافلهم التي تمر في مناطق سيطرة كل قبيلة.

وفرت التضاريس الجغرافية الصعبة والصحراء ملاذًا آمنًا للعرب من سلطان الفرس والروم، لكنه كان ملاذًا يسمح بالاتصال بالحضارتين أيضًا بالتجارة والمعاهدات والارتزاق العسكري، أو الحرب والإغارة، ولأن قادة الإمبراطوريتين كانوا مقتنعين تمامًا بأن كلفة مطاردة البدو في الصحراء بالجيوش النظامية باهظة، فقد آثروا حراسة مدنهم ومناطق سيطرتهم عبر التحالف مع القبائل العربية الكبرى القادرة على ردع الطامعين من أبناء جلدتها.

شكَّل ذلك ما يمكن أن نصفه بـعملية "تسمين الوحش"، لأن التحالف مع بعض القبائل العربية أوجد قنوات اتصال رسمية بين الروم والفرس من جهة والعرب على الجهة الأخرى، ساهم ذلك في إضافة بعض الثقل لكفة العرب (لو اعتبرناهم الطرف الأضعف في المعادلة) بعد أن أصبح لديهم صلاحية الوصول إلى الخطط العسكرية والمعلومات الحساسة الخاصة بالإمبراطوريتين. وطوال عقود راح الفرس والروم يلقون فتات خططهم العسكرية وأدواتهم إلى قطط البرية التي سمنت وتوحشت في مخابئها دون أن ينتبه أحد إليها.

ينقل روجرسون عن المؤرخ البيزنطي إيفاجريوس سكولاستيكوس المتوفى في العام 594 ميلاديًا أن الإمبراطورية البيزنطية (الروم) وجدت أن أفضل طريقة لمحاربة العرب هو استخدام عرب آخرين ليقفوا ضدهم (ليحاربوهم)، في إشارة إلى دولة الغساسنة (قبائل عربية مسيحية أصولها يمنية) كانت تحكم الشام وتحرس آخر حدود بيزنطة.

يعود روجرسون ليعلق على هذه المقولة بأنه لم يكن في هذه السياسة سوى عيب واحد وهو افتراض أن فرقة العرب ستستمر. فإن ظهر ما يوحد العرب لأصبحوا عدوًا هائلًا لدودًا، لأنهم يعرفون الأرض والطرق السريعة والطرق التي لا يعرفها كثيرون ومخاوف السكان وآمالهم.

وقع الفرس في الخطأ نفسه الذي ارتكبه الروم عندما تحالفوا مع ملوك الحيرة (المناذرة العرب) لحراسة العراق الفارسي البوابة الغربية لقلب إمبراطورية الفرس الساسانيين، ووفق أستاذ التاريخ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، محمد مبروك نافع، (توفي في 1956)، في كتابه عصر ما قبل الإسلام كانت دولة الحيرة (قبائل عربية موالية للفرس) تحكم المنطقة الواقعة غرب الفرات، ابتداءً من مجراه الأوسط إلى منتصف الخليج الفارسي (العربي). و"امتد نفوذ ملك الحيرة ليشمل القبائل الضاربة في هذه المناطق، وكان له بلاط صورة مصغرة من بلاط المدائن (عاصمة إمبراطورية الفرس الساسانية)، وله وزير يُسمى الرديف، وتحت تصرفه قوة عسكرية بعضها نظامي وبعضها غير نظامي".

تشكلت القوة العسكرية النظامية التي كانت تحت تصرف ملك الحيرة من كتيبتين "إحداهما فارسية يقال لها: الشهباء، وأخرى عربية يقال لها: دوسر. أما القوة غير النظامية فكانت تنظم من القبائل الموالية التي كان معظمها يستنفر وقت الحرب".

غلاف كتاب عبقرية خالد. طبعة مكتبة هنداوي

لعل يوم ذي قار في تاريخ ما بين عامي 604 و610 ميلاديًا، أبلغ دليل على الخطأ الجسيم الذي ارتكبه الفرس والروم، وهي المعركة التي انتصرت فيها قبيلة بكر على كتائب فارسية وعربية أرسلها كسرى الثاني أو خُسرو الثاني (590 - 628) المعروف أيضًا بلقب برويز ومعناه (المظفر)، لقتل هانئ الشيباني الذي رفض تسليم ودائع أودعها النعمان بن المنذر (واحد من أشهر ملوك الحيرة) لديه قبل أن يذهب إلى بلاط كسرى ويعدم غدرًا بسبب وشاية، وكانت هذه الودائع سيوفًا ودروعًا.

ويشير إلى هذا الخطأ الجسيم محمود عباس العقاد في كتابه عبقرية خالد، حيث كتب "كانت غسان على مقربة من الروم تدخل معهم في الفرق المتطوعة على حالي الدفاع والهجوم، وكان ملوك الحيرة على مقربة من الفرس… وليس يحتاج العربي إلى أكثر من هذه المقاربة والقدوة؛ لالتقاط الفنون التي يحتاج إليها في تعبئة الجيوش والمخاوف التي يتقيها في مواجهة الجيوش النظامية".

رياضة العرب

يرى العقاد أن الحرب رياضة العرب تتوارثها الأجيال، وأن الصورة الشائعة عن أنَّ حروب الصحراء لم تكن إلا مشاجرات بالسيوف والرماح أو بتعبير آخر أقرب إلى "حرب العصابات" ما هي إلا صورة مضللة.

لا تذكر لنا كتب السيرة كيف نقل الآباء لأبنائهم مهارات الحرب وفنونها، لكنها لا تخلو من الإشارات التي يمكن من خلالها تخمين الطريقة، ونذكر هنا واقعة يسردها البخاري في صحيحه عن سلمة بن الأكوع، رضي الله عنه، قال "خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على قوم من أسلم يتناضلون بالسوق (يتنافسون في الرماية بالقوس والسهم). فقال: "ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا، وأنا مع بني فلان "لأحد الفريقين. فأمسكوا بأيديهم (توقفوا)، فقال: "ما لكم؟ "قالوا: وكيف نرمي وأنت مع بني فلان؟ قال: "ارموا وأنا معكم كلكم".

كان لديهم النسخة المحدثة من تكتيكات الحرب وفنونها واستخدموها في حروبهم القبلية.

ويشير العقاد إلى أن العرب عرفوا في حروبهم "تسيير الجيوش بعشرات الألوف على اختلاف الأسلحة والأقسام، وحتى القبائل التي لم تكن على شيء من الملك (لا تقيم في حواضر ومدن) كانت تسوق الألوف للقاء أمثالها (أعدائها)".

ويستدل على ذلك بالحرب بين مذحج (قبيلة عربية شهيرة) وقبيلة تميم يوم الكلاب الثاني في (565 ميلاديًا) الذي سيرت فيه جيشًا من ثمانية آلاف مقاتل، وجيش الغساسنة الذي حارب المنذر بن ماء السماء ولم يكن يقل عن أربعين ألفًا بين راجل وفارس، و"فيه راكبو الخيل، وراكبو الإبل، وحاملو السيوف، وحاملو الرماح، والضاربون بالسهام والنبال، والضاربون بالحراب والحجارة"، مؤكدًا أن "البادية لم يفُتْها قطُّ علم الحرب، كما علِمَتْه دول الحضارة في عصور الجاهلية العربية".

ويفسر العقاد عبقرية القائد العسكري الشهير خالد بن الوليد، بانتمائه لبني مخزوم إحدى البطون العشر التي شكلت معًا شبه حكومة تدير شؤون مكة قبل الإسلام، حين وقع الاختيار على رجال مخزوم ليكون لهم لواء القبة والأعنة "القبة وهي مجتمع الجيش والأعنة وهي قيادة الفرسان".

كان من عادة بعض أثرياء قريش تنشئة أبنائهم في البادية لدى قبيلة من البدو المتحالفين معهم، حتى ينشأ الأبناء وقد تعلموا "الصبر على مضانك الحرب وشدائد الجوع والظمأ"، إذًا كانت القبائل البدوية خارج قريش أشبه بـ معسكرات تدريب للجنود والقادة المستقبليين.

استخدمت القبائل العربية الأدوات العسكرية والأسلحة نفسها التي استخدمتها الجيوش النظامية.

تذكر كتب السيرة أن النبي محمدًا كان إذا تجهز للحرب دخل في درعه ووضع المغفر (غطاء من حلقات معدنية يقي الرقبة) ووضع بيضته (خوذة مزودة بقطعة تحمي الأنف)، ونجده يجهز خطة الحرب في أحد حيث "ركَّز على حماية رجاله السيَّافة (المشاة)، بالرجال النبَّالة (رماة السهم والقوس)، فأنزل الرُّماة في مواقع تُواجِهُ خَيل العدو، وأمَّر عليهم نبَّالًا مشهودًا له، هو عبد الله بن جُبير. وأمرهم بعدَم ترك مواقعِهم حتى يأتيَهم منه الأمر بذلك، مهما حدَث، فقط كان مَطلبُه منهم الذي أكده لهم اكفوني الخيل".

ويرى روجرسون أنه "من الخطأ أن نتصور أن الجيوش العربية في بواكير الإسلام كانت تختلف اختلافًا كبيرًا عن الجيوش الفارسية أو البيزنطية؛ فالمقاتل العربي كان يستخدم عدة الحرب نفسها التي يستخدمها الجندي الفارسي أو البيزنطي".

في الجزء اﻷول من كتابه حروب دولة الرسول، يعيد سيد القمني قراءة غزوتي بدر وأُحد اللتين شهدتا ميلاد أول قوة عسكرية نظامية للمسلمين، ونجد أن كتب السيرة في سردها لأحداث الغزوات تكشف لنا عن استخدام أدوات الحرب والتكتيكات العسكرية والاغتيالات السياسية واستعراض القوة والحرب النفسية وكلها أمور نجدها في الجيوش النظامية الكبرى آنذاك.

ويذكر الدكتور عماد محمد غرلي في كتابه الفنون الحربية في الشرق الأدنى القديم، أن جيوش العالم القديم عرفت أساليب الحرب النفسية مبكرًا، حيث "كان لاستعراض القوة ولأخبار الدمار والخراب والتنكيل وبث الشائعات في صفوف المنافسين الأثر البالغ في التأثير على نفسية المدافعين ما جعل بعض المعارك تنتهي بالاستسلام وتقديم الهدايا ودفع الجزية".

يذكر القمني أن النبي تخلص من أخطر أعدائه في المدينة بعد هزيمة أحد بالاغتيالات السياسية، وينقل عن كتب السيرة أنه "بُعث محمد بن مُسلمة وسلكان بن سلامة إلى كعْب بن الأشرف (من كبار زعماء اليهود) فقتلاه.. وبُعث عبد الله بن أنيس إلى سلام بن أبي الحَقيق اليهودي فقتله".

ويتابع القمني قراءته لحروب دولة الرسول، فيلاحظ أنه وظف العيون والجواسيس على أعدائه، ويستدل بما جاء في كتب السيرة عن معركة أُحد "بلغت أخبار مسير قُريش رسول الله برسالةٍ عاجلة من عمِّه العبَّاس، الذي كان عينًا له مع بعض بني هاشم على قريش"، إضافةً إلى قبيلة خُزاعة، التي وصفها عبد الله بن أبي بكر في قوله: «كانت خُزاعة مُسلِمُهم ومشركهم عَيبة رسول الله"، أي مَوضع سِرِّه وعُيونه على قريش.

وتتفق استراتيجيات النبي محمد في كسب معاركه، خاصة توظيف العيون والجواسيس مع استراتيجيات الحرب عند الصينين، التي عبر عنها سون تزو (في القرن السادس قبل الميلاد) في كتابه فن الحرب؛ "إن شبكة تجسس موسعة ليست موضع خيار، بل هي ضرورة أساسية، إن كسب الحرب هو نتيجة معرفة مسبقة (مخابراتية) وهذه المعرفة لا تأتي عن طريق استشارة الأبراج أو الأرواح، بل يجب الحصول عليها من أولئك الذين يعرفون العدو جيدًا".

واستحدث النبي تكتيكات عسكرية جديدة على المعارك بين العرب بعد مشورة سلمان الفارسي، ما يعني أنه استفاد من خبرات وثقافات جديدة انضمت لمجتمع الإسلام، بحفر الخندق لمنع 10 آلاف مقاتل جمعتهم قريش من قبائل موالية لها لاقتحام المدينة وقتل المسلمين، واستخدم الحيلة في الحرب وعقد الاتفاقات السرية مع بعض القبائل المتحالفة مع أعدائه لتتظاهر بالمشاركة في عدائه وترسل المقاتلين لحربه ثم تنسحب عند بدء القتال فيتشتت أعداؤه، وهو ما حدث في معركة بدر وحاول تكراره في معركة الخندق (627 ميلاديًا) بالاتفاق مع قبيلة غطفان المتحالفة مع قريش وبنو سليم أثناء حصار المدينة.

توحيد العرب تحت راية الإسلام تزامن مع انهيار اقتصادي حل بإمبراطوريتي الفرس والروم نتيجة التنافس والحروب الدامية والطويلة بينهما.

اقتصاديات أنهكتها الحروب

كانت انتصارات المسلمين العرب على الروم والفرس مذهلة ومتزامنة، لم يحارب العرب في جبهة واحدة فقط، ولم يحاربوا جيوشًا غير مستعدة، على العكس تمامًا، في 636 ميلاديًا بعد وفاة النبي بأربعة سنوات فقط، هزم العرب الجيش الإمبراطوري البيزنطي في اليرموك (في الأردن حاليًا)، وفي 638 ميلاديًا دخل العرب المدائن عاصمة الإمبراطورية الفارسية، وفي 642 ميلاديًا دخل العرب مدينة الإسكندرية عاصمة مصر آنذاك.

طرح المؤرخون عدة تفسيرات لما يمكن تسميته بـ"الانفجار العربي" الذي أطاح بأعظم إمبراطوريتين عرفهما التاريخ القديم، مثل الأمراض والمؤامرات الداخلية وضعف الحكام، لكن روجرسون يرى أن السبب الرئيسي مع جملة ما عرضناه من مقومات رجحت كفة العرب، هو أن المسلمين اصطدموا باقتصاديات أنهكتها الحروب.

رسم تخيلي لمعركة بين جيش هرقل والفرس. برخصة المشاع اﻹبداعي: ويكيميديا

دخل الفرس الساسانيون والروم في معارك طويلة امتدت بين عامي 602 و628 ميلاديًا، وكانت ذروتها معركة نينوى التي خرج منها الإمبراطور البيزنطي هرقل منتصرًا، وفي عام 630 ميلاديًا أعاد الصليب الحقيقي إلى القدس بعد أن استرده من الفرس.

استهلكت الحرب الممتدة بين الفرس والروم موارد الإمبراطوريتين، لدرجة أن الإمبراطور هرقل اضطر لقطع الإعانات السنوية التي كانت تدفع للقبائل العربية المسيحية مثل جذام وقداه نظير حراسة الصحراء السورية، وفق روجرسون، الذي يرى أن النبي محمد استفاد من الأزمة الاقتصادية تلك بأن كسب حلفاء جدد كانوا من الموالين للروم سابقًا، مثل تحالفه مع يوحنا بن رؤبة أسقف العقبة (وأمير مدينة آيلة القديمة- جنوب الأردن حاليًا) في عام 630 ميلاديًا، حين اعترف ابن رؤبة بالزعامة السياسية للنبي مقابل الاحتفاظ بعقيدته المسيحية ودفع الجزية.


اقرأ أيضًا: سيرة بني هلال: النص الحاكم والتاريخ المقدس


كان الوضع على الجبهة الفارسية أكثر فوضى من مثيله في الجبهة البيزنطية في أعقاب 628 ميلاديًا، وسقطت إمبراطورية الفرس الساسانية في "فوضى عارمة وحرب أهلية، تسببت في "قتل كل ذكور الأسرة الحاكمة" ومهدت الطريق لجيش المسلمين إلى المدائن عاصمة الفرس، بحسب السير جون جلوب (عسكري بريطاني) في كتابه إمبراطورية العرب.

أسفرت الحروب التي خاضها النبي ومن بعده خليفته أبو بكر، عن عقد تحالفات واسعة مع قبائل جزيرة العرب حتى أولئك الذين كانوا حلفاء للفرس أو الروم، ونتج عن تلك الحروب وفورات مالية ومادية (غنائم الحرب) ساعدت على التوسع غربًا وشرقًا.

ويذكر جلوب أن الخليفة الثاني للنبي محمد، عمر بن الخطاب، رفض السماح للفاتحين العرب بتملك الأراضي أو ممارسة التجارة في الأقاليم المفتوحة (التي دخلوها)، "كان المجاهدون (أفراد الجيوش) يعيشون على عطاءات مالية في مدن عسكرية مقامة في الجابية في سوريا، والكوفة والبصرة في العراق، والفسطاط في مصر". كانت هذه المدن أو المعسكرات نواة جيوش المسلمين النظامية التي واصلت الانتشار شرقًا وغربًا طوال عقود.