بناية قديمة بالإسكندرية. صورة برخصة المشاع الإبداعي: Gursimran Sibia- فليكر

ريڤيو عن مشهد واحد: "ريحة زمان" ليست عبارة مبتذلة بالضرورة

مشهد واحد من فيلم رسائل البحر للمخرج داوود عبد السيد يستغرق عرضه على الشاشة نحو 74 ثانية بلا جملة حوارية واحدة، ذكرته بالتحديد مراجعات كثيرة كُتبت عن الفيلم ووصفته بالطول [1] والملل وقدّرت إمكانية الاستغناء عنه. ولكنني أعتقد أنه من أهم وأجمل مشاهد الفيلم.

بشكل عام، هناك محددان رئيسيان لأي مشهد سينمائي؛ وحدة المكان ووحدة الزمن، وهذا يكتب في السيناريو بدقة. مثلًا [ل / د - غرفة نوم] = ليل، داخلي، ويحدد أي موقع من الداخلي / غرفة النوم، بحيث لو خرجت الشخصية من غرفة النوم، وذهبت للمطبخ كي تعد كوب شاي، نكون انتقلنا سينمائيًا لمشهد آخر على الرغم من استمرار الأحداث داخل نفس الداخلي/ الشقة، أي نكتب في السيناريو Cut، ونبدأ مشهدًا جديدًا [ل أو ن / د - المطبخ].

نفس الحال مع وحدة الزمن، لو تغيرت داخل نفس وحدة المكان، هذا يعني الانتقال من مشهد لمشهد آخر. ولا يشترط تغير وحدة الزمن فقط من ل/ ليل إلى ن/ نهار فقط، بل تغير وحدة الزمن داخل الـ ل/ ليل، والـ ن/ نهار.

هذه المقدمة تجعلنا ندرك أن المكان الخارجي في المشهد موضوع المقال كان المدينة، أو مجازًا الجزء المُحمل بريحة زمان من الإسكندرية، كما جاء في آخر جملة من المشهد السابق، على لسان الشخصية الرئيسية يحيى. الجملة كانت جزء من سرد يحيى لحكايته بضمير المتكلم.

"متهيألي أن الحكاية ابتدت من قبل كدا بكتير، جايز حتى من قبل ما أتولد، لأني عشت الجزء الأخير من تغيير اجتماعي، وجايز اللي حصل لي كان نتيجة من نتايج التغيير دا، في مدينة لسه فيها ريحة زمان".


ما الفارق بين زمان والزمن؟

زمان هو جزء من سيرورة الزمن، توقف ليبدأ زمان أو أزمنة أخرى، لذا اختار مؤلف ومخرج الفيلم داوود عبد السيد، من المدينة/ الخارجي، العمارة الدالة على زمان ذو الرائحة، ومن كل أصوات المدينة/ ال Bruits اختار:

1- صوت الطير الدال أولًا على وحدة الزمن داخل كل المشهد/ بعد الشروق، وثانيًا أضفى طابعًا مقبضًا على كل المشهد، طابع حوم الطيور حول الأنقاض أو حومها عن بعد منتظرة ما سيصير أنقاضًا، لذا نلاحظ مثلًا تكاثف أصوات الطير كأنها تقترب، أو كأن وقت التحول لأنقاض صار قريبًا في آخر المشهد مع رفرفة الراية السوداء.

2- صوت الريح التي قد تشتد وتقتلع، المؤكد أيضًا لوحدة الزمن في المشهد: الشتاء السكندري بعد الشروق.

3- وطبعًا صوت الترام. مُزجت هذه الأصوات مع الموسيقى، التي بدأت معنا من المشهد السابق.

أي أن "ريحة زمان" هنا ليست تعبيرًا فضفاضًا أو مبتذلًا عن النوستالچيا، بل عن صراع بين زمان محسوس تحاول أزمنة أخرى أن تزيله من الواقع، حتى تكتمل سيرورتها على أنقاضه.

وهنا يظهر سؤال مُلح: لماذا الإسكندرية؟ لماذا اختارها داوود عبد السيد ساحة تعبير عن هذا الصراع الموجود في مدن أخرى كالقاهرة مثلًا؟

هناك عدد من الأسباب وتصورات الإجابات، أقف عند أهمها بالنسبة لي. الإسكندرية تطل على البحر المتوسط، وللمتوسط فضاء چيوسياسي يبدأ من إيران إلى غرب أوروبا. لك أن تتخيل كم الأفكار والفنون وتشكيلات الثقافة وحالات التراكم والصراع والتكامل الحضاري والمعرفي، التي تم تداولها وتدويرها وتبادلها تاريخيًا عبر اتصال مكونات هذا الفضاء المتوسطي ببعضها.

أي أن العقل المصري القديم، كما أطلق عليه الدكتور طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة في مصر، ينتمي إلى الحضارة الأولى، ويقصد هنا الحضارة التي تأخذ جذورها من الحضارة المصرية القديمة وفلسفة اليونان والقانون الروماني.

ويكمل في موضع آخر "مصر كانت عبر التاريخ على اتصال بدول المتوسط وبحر إيجة، وكانت هي نفسها مهد حضارة غمرت الآفاق آلاف السنين. هذه الحضارة هي جذور وأصل الحضارة الغربية الحديثة. وخلال التاريخ كان تأثير حضارة مصر على اليونان، وتأثير حضارة اليونان على مصر واضحًا ومستمرًا".

مخطوطة عربية لأرسطو. صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

العقل المسيحي، والعقل العربي المسلم سقطا تاريخيًا إلى طريق اللاعودة من التخلف، عندما مارسا قطيعة عنيفة مع الفلسفة اليونانية، بالتأكيد هناك أسباب تاريخية وثقافية وسوسيولوچية أخرى، لكن العقل المسيحي في أوروبا وجد أول الخيط للعودة من التخلف بالوصل مع الفلسفة اليونانية، وهنا قد تأتي رمزية الإسكندرية المفتوحة على الفضاء الچيوسياسي للبحر المتوسط، حيث تمثل العودة من حال القطيعة إلى حال الاتصال، لنستقبل رسائل البحر.

وبالتالي في هذا المشهد وفي كل الفيلم يحمل المكان/ المدينة/ الإسكندرية، عدة أزمنة، ليس فقط الزمان الخاص بالعمارة التي التقطتها عدسات كاميرا الـ 35 مللي، بل يحمل عدة أزمنة تشكل زمنًا حضاريًا محسوسًا، كما رآه طه حسين وداود عبد السيد وآخرون، منفصلًا متصلًا، في مواجهة عدة أزمنة تشكل زمن القطيعة والقطيع ملموسًا متصلًا منفصلًا. وهذا تجسد في الموسيقى التي رُكبت على المشهد، عبَّرت -أي الموسيقى- عن هذه الخلفية، ما وراء المكان والأزمنة وتناقضاتها. أي عَبَرت بالمشهد وبنا من "العمارة" إلى "كل" المدينة، وبما بعد لحظة الشروق لكل الأزمنة المحسوسة والملموسة.

حركة اللقطات، في معظمها، إنسانية يمين ويسار وفوق وتحت، كما تتحرك رأس الإنسان.

المشهد مبني على تتابع عدد من اللقطات المتحركة، القطع من اللقطة إلى تلك التي تليها سلس بدرجة ما، الأدق هنا ناعم، بتغيير أحجام وزاويا اللقطات، وبالحفاظ على نفس سرعة حركة الكاميرا، وباستخدام تقنية الـ Dissolve أو الـ Lap dissolve، التي تضمن انتقالًا تدريجيًا من لقطة إلى أخرى، أو تقسيم الـ Take الواحد إلى لقطتين أو أكثر. المشهد نفسه بداية أول لقطة فيه كانت Dissolve مع آخر لقطة من المشهد السابق عليه، حتى يظل هناك صدى لجملة يحيى معنا، والتي نسمعها منه بصيغة الماضي عن حكايته أو عن جزء منها، إذن الـ Dissolve هنا تعبير أيضًا عن تداخل الأزمنة، كما أنه أعطى للمشهد طابع الحلم الذي قد يتحول لكابوس، أو طابع الكابوس المبطن داخل حلم، أو طابع السُكر الذي يعمق الإدراك بدلًا من تغيبيه، وكذلك اللقطات المتحركة، التي من الجائز أيضًا أن يكون أحد دواعيها ألا يمل المشاهد.

حركة اللقطات، في معظمها، إنسانية؛ يمين ويسار وفوق وتحت، كما تتحرك رأس الإنسان، أي تقنيًا حركة كاميرا وليست حركة أداة كاميرا. المشهد كله كان مريحًا لعين المشاهد لسلاسة القطع كما ذكرنا، ولأن تركيب اللقطات المتحركة وراء بعضها، في تصوري، كان له منطق، فمعظم حركات الكاميرا الأفقية كانت من اليمين لليسار، لم تُكسر بوضوح إلا في مرة واحدة أظن للإيقاع ولنعومة القطع.

نحن نقرأ من اليمين لليسار أو معظمنا أو عدد غير قليل، ولذلك تعلمنا أن تحرك أعيننا من اليمين لليسار، وليس كل الرأس، في حين أن اللقطات الرأسية من تحت لفوق تتبعها أخرى من فوق لتحت، لجعل حركة الرأس سلسة ومريحة عند المشاهدة على شاشة العرض الكبيرة، أي لجعل متابعة العين لتفاصيل المشهد سلسة ومريحة، ولم تكسر إلا في آخر المشهد، للوصول إلى سقف الحكاية أو أخرها أو نبوءتها المؤكدة، راية سوداء بين تمثالين من الملائكة اليونانيين الصغار.

لو تتبعنا حركة الكاميرا في المشهد سنجدها كالآتي:*

يمين- يسار

Dissolve

يمين- يسار

Dissolve

تحت- فوق

Dissolve

فوق - تحت

Dissolve

يمين- يسار

Dissolve

يمين- يسار

Dissolve

يمين- يسار+ فوق- تحت (حركة مركبة)

Dissolve

يمين- شمال

Dissolve

يسار- يمين

Dissolve

تحت- فوق

Dissolve

فوق- تحت

Dissolve

تحت- فوق

Dissolve

فوق- تحت

Dissolve

تحت- فوق

Dissolve

فوق

Cut

للمشهد أيضًا طابع توثيقي لزمن تصويره ونلاحظ ذلك في إبراز وصلات الدِش، التي انتشرت في الإسكندرية في ذلك الوقت، وتوثيق البنايات نفسها، وهذا أيضًا خط من خطوط الفيلم، وهو الصراع بين الحاج هاشم ويحيى الذي استأجرت أسرته شقة في بناية يملكها سينيور كازاتي، الذي ترك الإسكندرية عام 1958، وآلت البناية إلى المعلم إبراهيم، الذي باعها للحاج هاشم، الذي استطاع إخراج يحيى منها مطرودًا مع حبيبته نورا بعد الشروق أيضًا، بفضيحة أخلاقية لمخالفتهما قيم المجتمع والأسرة والسماء.

من سمات التوثيق أيضًا، إعطاء بعد أدائي لما تلتقطه الكاميرا من موجودات البيئة، فهذه البنايات أعطتني طاقة ومشاعر أنها تحيا في بيئة أصبحت غريبة عنها، وأن المجتمع لم يعد يحيا بداخلها، أو من يحيا بداخلها مجتمع منهَك ومعزول أو غير متوائم مع الخارج الذي لن يستطيع إيقاف بلدوزرات الحاج هاشم التي ستمثِّل بالبنايات من أجل بناء مول وجراچ، أو لأغراض أخرى ضمن مسيرة التحديث.

لم أشعر بالتحريض أو الاستغاثة، هذه بنايات مخنوقة وأنت مختنق لاختناقها، شعرت بالعجز والحسرة، وأن التوثيق واستمرار سرد الحكايات دليل أو تعبير أو أحد أداءات الرفض [2]، الذي ترحب به البنايات (وتعمل مش واخدة بالها) أثناء تصويرها فوتوغرافيًا أو زيتيًا أو سينماتوغرافيًا.

سينماتوغرافية المشهد، استخدمت هذه اللحظة النهارية على طبيعتها السكندرية، احترمت هذه الطبيعة ومصادر الضوء وفي نفس الوقت درامية المشهد ودلالته دون أي استعراض، حركات كاميرا بسيطة، كادرات التفاوت في أحجامها غير كبير في معظم اللقطات وكذلك الزوايا. والضوء ناموسية/ غلالة زرقاء شفافة تلف اللقطات أو البنايات. الناموسيات تحمي الأحلام من الناموس، لكنها لا تستطيع حمايتها من ما هو أكثر عنفًا.




* قدم المساعدة التقنية في قطع المشهد حتى يمكن إدراجه في المقال المونتير مصطفى نور.

[1] ذُكِرَ في بعض المراجعات أن زمن عرض المشهد تحديدًا تراوح من دقيقتين لثلاثة، أي من 120 إلى 180 ثانية، وهذا غير دقيق.

[2] فيلم رسائل البحر عُرض في فبراير 2010 بدعم من وزارة الثقافة، واندلعت الثورة المصرية في يناير 2011.