واجهة مقهى ريش. الصورة: حسام الحملاوي- فليكر، برخصة المشاع الإبداعي

وقائع المظاهرة الغريبة التي نظمها يوسف إدريس من "ريش" إلى نقابة الصحفيين

بعد عدة شهور من الانتفاضة الطلابية وما رافقها عام 1972 من أحداث جسام، حدث ما يشبه النهوض في حركة المثقفين والكتّاب في مصر، بعد عقود من استيلاء الضباط الأحرار على السلطة وفرض الصوت الواحد.

يستطيع القارئ أن يتلّمس أصداء هذه الانتفاضة في عدة أعمال من بينها على سبيل المثال روايتي مالك الحزين (بدأها في 1972) لإبراهيم أصلان وخديجة وسوسن (1989) لرضوى عاشور، ومجموعة الخطوبة (1972) لبهاء طاهر، أو تأثرًا بانتفاضة 1968 مثل ديوان البكاء بين يدي زرقاء اليمامة لأمل دنقل (1969). أعني هنا تأثر الأعمال الفنية بما جرى في الواقع وليس نقله ميكانيكيًا أو فوتوغرافيًا. فقصة الخطوبة لبهاء طاهر بكل ذلك الكم الرهيب من الرعب والمطاردة والحصار وكتم الأنفاس، لم تنقل الواقع بل تأثرت به وقدّمت واقعا فنيا يخصها. وكذلك روايتي أصلان ورضوى عاشور وغيرهما، ومن أوردتهم من أسماء ليسوا سوى أمثلة، فهناك عبد الحكيم قاسم، ويحيى الطاهر عبد الله، ومحمد البساطي، وصنع الله ابراهيم وغيرهم وكلهم قامات كبرى حسبما أرى.

من جانب آخر، وبعد شهور قليلة وبالتحديد في يوليو/تموز 1972 اغتال الموساد الإسرائيلي الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني أحد الرموز الكبرى للمقاومة الفلسطينية والناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعضو مكتبها السياسي في قلب بيروت، وعلى مرأى ومسمع من العالم كله، وبرفقته ابنة أخته لميس، غير أن أحدًا لم يتحرك والموساد يختال ويزهو بعمليته القذرة.

بعد الاغتيال بيوم واحد، أي يوم 9 يوليو، وأثناء جلوسي على مقهى ريش بعد الظهر فوجئت بيوسف إدريس الذي لم يكن يتردد آنذاك كثيرًا على ريش. كان آنذاك نجمًا من نجوم المجتمع، خلفه كل ذلك الإنجاز الضخم من الأعمال القصصية والروائية، ووكيل مجلس نقابة الصحفيين، ويكتب صفحة أسبوعية في الأهرام.


المقابلة الكاملة لغسان كنفاني مع الصحفي ريتشارد كارلتون 1970


ممثل وجه بحري ومندوب الصعيد

كنا مجموعة قليلة من الكتاب، وكان إدريس مثلنا ينتفض غضبًا من استفزاز الموساد واستهدافه لكاتب فلسطيني، ومن رد فعل الأنظمة العربية المخجل، ومن عجزنا وقلة حيلتنا في مواجهة التوحش الإسرائيلي. كان يوسف هو الذي بدأ وعلى نحو تلقائي في التفكير في تلك الخطوة المجنونة. اقترح أن يقوم أولئك الموجودون بالصدفة على المقهى بمظاهرة للتعبير عن الغضب.

كان التفكير في مثل تلك الخطوة ضرب من الجنون المطلق، في ظل فرض حالة الطوارئ وظروف الحرب والاحتلال، لكن يوسف أصرّ وأعلن أن الاشتراك في المظاهرة أمر شخصي، وسوف يقوم هو بالمظاهرة ممثلا للوجه البحري، ومعه يحيى الطاهر عبد الله ممثلًا للصعيد حتى لو لم يشارك فيها أحد سواهما.

استغرقنا الوقت التالي في شراء الأوراق والأقلام الفلوماستر لكتابة اللافتات، وعكف نجيب سرور بخطه المميز على كتابة أغلب اللافتات. أما أنا فاصطحبتني رضوى عاشور إلى محل خردوات ما يزال قائمًا حتى الآن في شارع طلعت حرب وبه تليفون، وراحت تتصل من أجندتها الخاصة بكل مَن تعرفه وتطلب منه الحضور فورًا إلى ريش للاشتراك في المظاهرة.

كان كل شيء وليد اللحظة دون تخطيط أو استعداد من أي نوع، ومع ذلك تجمع عدد يتراوح بين 40 أو 50 كاتبا أتذكر منهم نجيب سرور، ويحيى الطاهر عبد الله، وبشير السباعي، ورضوى عاشور، وسعيد الكفراوي، وسليمان فياض، وابراهيم منصور، وعبده جبير، وربما انضم عبد المحسن طه بدر.

المثير للدهشة أن أجهزة الداخلية لم تمنع المظاهرة قبل أن تتحرك، على الرغم من أننا كنا نعرف المخبرين الملازمين لمقهى ريش معرفة جيدة، وكان أحدهم قد أصابه الضجر والملل في أحد الأيام من تنصته على ما يقال دون أن يفهم شيئًا ليكتبه في التقرير المطلوب منه، واضطر أن يميل على ابراهيم منصور الجالس بجواره، ربما لأنه أطولنا أو أعلانا صوتا وسأله مباشرة "سيادتك في تنظيم سري؟".

لذلك ما زلت متعجبا من تقاعس الداخلية عن منع مظاهرة كهذه قبل تحركها، والحقيقة أنها لم تكن مظاهرة بل مسيرة صامتة، سارت بأقصى قدر من الانضباط والنظام تحمل اللافتات عاليًا من شارع طلعت حرب إلى شارع قصر النيل ومنه إلى شارع عبد الخالق ثروت وحتى نقابة الصحفيين. لم تظهر الداخلية إلا متأخرة، حيث بدت سيارة للشرطة وبعض الضباط الذين كانوا يبلغون رؤسائهم عبر الأجهزة الممسكين بها في أيديهم، وسمعتهم يذكرون إسم يوسف إدريس، إلا أن أحدًا لم يعترضنا حتى باب نقابة الصحفيين، بينما تقدم ضابط كبير الرتبة، وعبر الباب متوجها إلى يوسف إدريس باعتباره مسؤولا عن ذلك الشغب الذي قمنا به.

انتهت المظاهرة الغريبة هادئة كما بدأت، على الأقل بالنسبة لي.

أفتح قوسًا هنا لأشير إلى أن مظاهرة كتلك لم تكن بمعزل عما كان يجري في الواقع من عواصف تنذر بتغييرات حاسمة، وكلها فيما أظن توابع وتداعيات للهزيمة القاسية في يونيو/ حزيران 1967. غني عن البيان أنها لم تكن مجرد هزيمة عسكرية، على قسوتها وإهانتها الكاملة لثلاثة نظم عربية واحتلال أراضيها في عدة ساعات، بل كانت أيضًا هزيمة أشد للنظم العربية وفي القلب منها النظام الناصري الذي كان يتولى قيادة المنطقة فعليا. كانت هزيمة للأفكار و الأيديولوجيا. هزيمة لإهدار الديمقراطية وتسييد صوت واحد وحزب واحد، كما كشفت عن كم مخيف من الأكاذيب التي أنفقت النظم العربية سنوات وسنوات في نشرها وتضليل الملايين بها حول قوة الجيوش العربية واستعدادها وقدرتها على هزيمة إسرائيل بل وإلقائها في البحر.

هذه المظاهرة الغريبة لم تكن مقطوعة الصلة بما قبلها؛ إذ شهدت مصر أول مظاهرة احتجاجية ضد النظام في فبراير/ شباط عام 1968 احتجاجًا على الأحكام التي صدرت ضد عدد من كبار ضباط الطيران بسبب تقاعسهم وتسببهم في تدمير مئات الطائرات الحربية وهي في المطارات لاحول لها ولاقوة. وكان من بين الهتافات التي انطلقت في هذه المظاهرة مثلا "لا صدقي ولا الغول.. عبد الناصر هو المسؤول"، صدقي هو الفريق أول محمد صدقي محمود، قائد القوات الجوية الأسبق، والغول هو اللواء صدقي الغول قائد الفرقة الرابعة المُدرعة في الحرب، وجرت مصادمات بين المتظاهرين وقوات الأمن وقتل خلالها أحد المتظاهرين، كما اندلعت مظاهرات أخرى في الإسكندرية.

وفي هذا السياق يجب أن نذكر أيضًا أن هناك عددًا من الحلقات السرية الماركسية كانت قد بدأت في التشكل بعد مأساة الحل التي أُجبرت عليها أغلب المنظمات عام 1965 بعد خمس سنوات متواصلة من الاعتقال في معسكرات المحاريق في قلب الصحراء، ولا شك أن تلك المنظمات كانت قد بدأت في ممارسة نشاطها.

كما شهد عام 1968 صدور أول مجلة أدبية مستقلة تمامًا وهي مجلة جاليري 68 ولم تكن مصادفة أنها صدرت من المقهى ذاته، ريش، الذي انطلقت منه المظاهرة التي قادها يوسف إدريس، حيث بدأت الفكرة بين الأدباء والفنانين الشباب، أيامها، وقاموا بجمع التبرعات فيما بينهم، ولاقت الفكرة تأييدًا، وبدأت أفكار الاستقلال عن المؤسسة الرسمية تأخذ طريقها للتنفيذ كجزء من حالة نهوض عام لدى تجمعات وقطاعات عديدة في أعقاب الهزيمة.

الكاتبة عبلة الرويني بالفستان الأحمر والناقد صبري حافظ ثم يوسف إدريس وأمل دنقل وفي الخلف الكاتب سليمان فياض. الصورة: إهداء من السيدة زوجة يوسف إدريس للمصور هشام عبد الحميد- المنصة

المظاهرة مستمرة

وقبل شهور قليلة من المظاهرة التي قادها إدريس كانت قد اندلعت واحدة من أعنف الاحتجاجات الطلابية وأكثرها تأثيرًا في الأيام الأولى من عام 1972، بعد أن حنث السادات بالوعد الذي كان قد قطعه على نفسه بأن عام 1971 لن ينتهي قبل أن تُحل قضية تحرير سيناء. كان يوسف إدريس آنذاك قد نشر لتوّه إحدى قصصه في الأهرام فبادر الطلاب في جامعة القاهرة التي تفجرت منها الشرارة الأولى بإعادة نشر قصته على مجلات الحائط، حسب ذاكرتي كانت قصة سلطان قانون الوجود، وشاركت عدة جامعات في الانتفاضة الطلابية التي انتهت بالاعتصام في القاعة الكبرى لجامع القاهرة، ثم اقتحمت قوات الأمن أبواب الجامعة وقبضت على قرابة 1000 طالب وطالبة واعتقلتهم عدة أيام، بينما اندلعت للمرة الأولى المظاهرات التي عرفت طريقها لميدان التحرير والاعتصام فيه واحتلاله ليلة كاملة قبل أن يتم تفريقه بالقوة عند الفجر.

وهكذا، لم تكن مظاهرة وسط البلد بمعزل عما يمور به المجتمع بقطاعاته النشطة.

أريد أن أتوقف هنا قليلًا وأمتدح يوسف إدريس. إذ عندما شاركتُ في المظاهرة أو المسيرة الصامتة لم يكن إدريس يعرفني شخصيًا، وكنت مجرد نفر صغير السن نشر عددًا من القصص عند عبد الفتاح الجمل في جريدة المساء.

صحيح أننا تعارفنا فيما بعد عام 1984، وكانت مجموعتي القصصية الأولى السير في الحديقة ليلا، قد صدرت ومحبة له واعترافًا بفضله تركت له نسخة في استقبال مبنى الأهرام، وفوجئت به في نهاية العام يختارها كأفضل المجموعات القصصية الصادرة خلال العام، وقد شرّفني نجيب محفوظ باختيار المجموعة القصصية التالية في العام الذي تلاه دون أن يعرفني، ولا أظنه يتذكر ذلك الصبي الذي كان يحضر ندوته الأسبوعية في ريش، ويحاول الإفلات من ثمن المشروب الباهظ آنذاك.

بالطبع كانت سعادتي باختيار يوسف إدريس لمجموعتي بلا حدود، لذلك بحثت عن رقم هاتفه واتصلت به لأشكره، فدعاني للقائه في الأهرام. لم يحتف بي فقط بل حدثني عن تفاصيل فنية محددة في المجموعة مثل استخدامي لأفعال الشروع واستخدام حيلة "ثم أن" للربط بين جملة وأخرى، كما قال إن من بين ما لفت نظره اختياري لتلك الزاوية تحديدًا في القصتين اللتين كتبتهما عن الحرب، وما إلى ذلك مما أكد لي أنه قرأ المجموعة بعناية.

لم يتح لي في ذلك اللقاء أن أكشف له علاقتي القديمة به وقت المظاهرة الغريبة الصامتة، وأنه كان أحد الذين أطاحوا بصوابي في وقت مبكر، عندما قرأت له مجموعة أرخص ليالي عام 1968 أو 1969 بصحبة مجموعتين أخريين هما القاهرة لعلاء الديب، وحيطان عالية لإدوارد الخراط، كان شقيقي الأكبر عبد العظيم قد أتى بها إلى البيت. لم أفهم الكثير من قصص الخراط والديب آنذاك، ولكن يقينا أن المجموعات الثلاث التي قرأتها في وقت متقارب أطاحت بصوابي وأدركت على نحو ما أن القصة يمكن أن تكون أمرًا آخر يختلف عن سائر ما قرأت.


جزء من كتاب" الإمساك بالقمر" للكاتب محمود الورداني- يصدر قريبًا عن دار الشروق.