عزت القمحاوي- الصورة: صفحة الكاتب على فيسبوك

على هامش "سمير قصير": في أثر متلقٍّ أبدي

في كتاب الضحك والنسيان، يقول ميلان كونديرا إن هوس الكتابة ليس الرغبة في ممارستها، بل الرغبة في النشر، أي الكتابة لجمهور مجهول، ذلك الهوس هو نفسه الذي يملأ الكاتب، أيًا كان حجم موهبته ودرجة خبرته وتمكنه من أدواته، بالقلق، لأنه يتوق، أبدًا، للتعرف إلى ما تحدثه كتابته من أثر في متلقٍّ مجهول؛ آخر يثير ترقب ظنه التوتر نفسه بغض النظر عن هويته، سواء كان رئيس لجنة تحكيم مرموقة أو قارئًا مبتدأً. وكان عزت القمحاوي، الذي صعد، إلى منصة التتويج ليحوز جائزة أفضل مقال رأي من مؤسسة سمير قصير، أمس، قلقًا.

كان عزت، الذي درس الإعلام ويمارس الصحافة منذ عام 1979، وشارك في إطلاق وتطوير تجارب صحفية مميزة مثل أخبار الأدب في مصر ومجلة الدوحة في قطر، قلقًا منذ بدء الحفل، وربما في الليالي التي سبقته، ليس لأنه ينتظر اعترافًا به، فالكاتب، كل كاتب، عندما يمارس الكتابة يتحول إلى عالم، وما يميز العالم هو فرادته، ولكنه كان متوترًا، يتوق للتعرف إلى ما تحدثه كتابته من أثر، توق أبدي إلى متلقٍّ مجهول، صاغ من خلاله تعليقًا كتبه على فيسبوك عقب الإعلان عن الجائزة "شاءت المهنة التي لم أعرف غيرها أن تكرمني بجائزة سمير قصير المرموقة لحرية الصحافة"، بشك يحمل القدر نفسه من اليقين، وليس تواضع، فكما يقول كونديرا أيضًا "وجب أن يكون الشاعر فخورًا. فإن لم يكون كذلك، خان نتاجه".

في حيثيات منح جائزة سمير قصير لـمقال عمارة الريبة: هوس البنايات الكبرى والشوارع الواسعة، الذي كتبه عزت القمحاوي، ونشرته المنصّة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، قالت اللجنة إنها قيمت الأعمال المشاركة بناءً على أربعة معايير: ارتباط النص بحقوق الإنسان وإرساء الديمقراطية، والتقنية الصحفية، والبناء، والابتكار، وفي حين تساوت الأعمال المرشحة للمرحلة النهائية في المعايير الثلاثة الأولى فإن مقال القمحاوي تفوق عليهم من حيث "الابتكار" وقدرته في الجمع بين ما هو سياسي وثقافي واجتماعي من خلال علاقة السياسة بالعمارة التي تشكل حياة الناس.

يقدم القمحاوي في مقاله، الذي يعد تأريخًا ديموغرافيًا لحي مدينة نصر، قراءة في العقلية الأمنية التي تقف وراء التخطيط للمدن الجديدة، ويقدم مقاربة بين الحي الذي أنشأته دولة يوليو في شمال القاهرة نهاية الستينيات، وبين صورة التحديث الذي أجراه نابليون الثالث على باريس بعد انقلابه على الثورة الفرنسية وإعلانه الإمبراطورية الجديدة.

ثمة صورتان للديكتاتور، واحد منتصر والآخر مهزوم، يؤسس كل منهما مدينته بغرض أمني، فيخط المنتصر شوارعَ واسعةً لتستوعب احتفالات النصر، فيما يؤسس المهزوم/الخائف علبًا مغلقة من الأسمنت وأسوارًا تحيط بكل شيء، لكن كلاهما ينزع عن الشارع وظيفته الاجتماعية كملتقىً للناس ويحوله إلى مجرد طريق، وسيلة للعبور.

هذا الموقف الذي يعكسه عزت في مقاله تجاه العمارة هو هم ينشغل به في أعماله عمومًا سواءً كانت الصحفية أو الأدبية، فروايته يكفي أننا معًا التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة زايد للكتاب عام 2018، تدور في أغلبها حول العمارة، حيث تعد بطلتها خديجة البابي رسالتها للحصول على درجة الدكتوراه في عمارة المحاكم المصرية، والرواية عمومًا يمكن اعتبارها موقفًا أدبيًا من الفن والجمال معانيهما وماضيهما وحاضرهما وتبدلاته.

لذلك اعتبر القمحاوي (الذي استعار قلقه ربما من بطله جمال منصور الذي يرى أن "الشغف هو الأصل"، والشغف مرادف دقيق لقلق الكاتب تجاه التلقي) في كلمته بعد إعلان فوزه أن الجائزة "فوز لنهج بدأته منذ 25 سنة"، أو ربما أثر التلقي الذي انتظره وينتظره منذ تاريخ بداية ممارسته الكتابة، لكن هذا القلق الحميد والمؤرق في آن، لم يشوشه عن حقائق جلية، في أن الواقع الصحفي المصري يعاني من اضمحلال كبير بسبب التضييق الأمني، لذلك اعتبر فوزه أيضًا "فوزًا لمنصة المنصة التي نشرت المقال"، لأنها، بحسب قوله، تأخذ على عاتقها "مع عدد قليل من المواقع الإلكترونية المستقلة (...) بث الحياة في مهنة عريقة مصرية لكنها الآن تحتضر".

مبروك للمنصة، ومبروك لعزت القمحاوي، ولقلقهما تجاه القدرة على التأثير في متلقٍّ أبدي ودائم.