الصحافة الإلكترونية في البلاد العربية.. بين الاعتراف والتضييق

قبل أسابيع قليلة، وافق مجلس الوزراء المصري على مشروع قانون موحد لتنظيم الإعلام المصري، من إعداد اللجنة الوطنية للتشريعات الصحفية والإعلامية. في حال إقرار القانون، تعترف السلطات المصرية لأول مرة بالصحافة الإلكترونية والعاملين فيها، ولكنه اشترط، تحت المادة 43، ألا يقل رأس مال الموقع الإلكتروني عن نصف مليون جنيه، كما قصر تعريف الصحفي على كل عضو مقيد بنقابة الصحفيين. من جهة يعتبر الاعتراف القانوني بالصحفيين الإلكترونيين تقدمًا في مصر، ولكن من جهة أخرى فاشتراط رأسمال كبير يعتبر تضييقًا على المواقع الصغيرة.

وأثناء انتظار رأي مجلس الدولة في مسودة القانون، الذي سيعقبه تصويت النواب في البرلمان المصري، تحدثت المنصة مع صحفيين من عدة دول عربية: لبنان والعراق والمغرب، لمعرفة طبيعة وضع الصحافة الإلكترونية في بلادهم.

لبنان بلا نقابة ولا قانون

ليس الوضع القانوني أكبر هموم الصحفي الإلكتروني في لبنان، فالهم الأكبر هو الأجور المتدنية وأزمة تسريح العاملين من المؤسسات الصحفية.

سارة علي عبد الله

ريادة لبنان في سوق الصحافة العربية في أوائل القرن العشرين والإلكترونية في تسعينياته لم تقابلها خطوات مماثلة في مضمار تنظيم حقوق الصحفيين العاملين في المجال الإلكتروني، الحديث نسبيًا. "بلا نقابة ولا قانون"، هكذا قالت سارة علي عبد الله للمنصة، سارة صحفية في موقع 24 اللبناني، وهي عملت لمدة 4 سنوات في المواقع الإلكترونية في لبنان بعد حصولها على ماجستير في علوم اللغة والتواصل، وشهادة عليا في الحقوق والعلوم السياسية.

تشير سارة أنه في ظل غياب قانون ينظم الصحافة الإلكترونية في لبنان، فإن الصحفيين العاملين فيها محرومين من الانتساب سواء لنقابة الصحفيين أو نقابة المحررين اللبنانيين، فأوضحت سارة: "لكي يلتحق الصحافي بالنقابة يجب أن يكون حاصلًا على إجازة بالصحافة أو على إجازة في اختصاص آخر ويعمل لوقت محدد في حقل الصحافة المطبوعة". كما أن نقابة المحررين لا تعتبر بالعاملين في المواقع الإلكترونية، حتى تلك التابعة لإصدارات مطبوعة.

الصحفية اللبنانية سارة عبدالله

ليس الوضع القانوني أكبر هموم الصحفي الإلكتروني في لبنان، فالهم الأكبر كما تقول سارة هو الأجور المتدنية وأزمة تسريح العاملين من المؤسسات الصحفية، وأضافت:"العديد فقدوا وظائفهم مؤخرًا سواء في الصحافة المكتوبة أو الإلكترونية، بعد أن تخلت عنهم مؤسساتهم".

وكانت اثنتان من كبار الصحف اللبنانية، السفير والنهار، أعلنتا قرار إغلاقهما بسبب الأزمات المالية، حتى تراجع رئيس تحرير الأخيرة طلال سلمان عن القرار مؤقتًا، وقال: "سنأكل من لحمنا ونستمر". وعند عقد مقارنة بين أوضاع الصحفيين في سوق الصحافة المطبوعة والإلكترونية، قالت سارة إن "الصحافة الإلكترونية في لبنان تظل أكثر استقرارًا للصحافي بما أنها صحافة المستقبل، إذ يتركز العمل عليها ودعمها أكثر من الصحف المكتوبة".

على الرغم من الحماية القانونية التي من المفترض أن تكفلها النقابة، فإن سارة ترى أنها لم تخسر كثيرًا بعدم الانتساب لنقابة الصحفيين اللبنانيين، "فالنقابة لا تقوم بأدوار كبيرة، كما أن المواقع الإخبارية الإلكترونية توفر مظلة تأمين صحي للعاملين فيها تحت ما يعرف بـ (الضمان الاجتماعي)".

يظل الوضع الصحفي الإلكتروني دون كيان قانوني ينظم العاملين، ويحمي حقوقهم، ولكن كانت هناك محاولات من جانب بعض السياسيين والعاملين في مجال الإعلام لتنظيم سوق الإعلام الإلكتروني. عقد رئيس لجنة الاعلام والتواصل النائب حسن فضل الله مؤتمرًا منذ مدة عن مستقبل الإعلام الالكتروني ووضعه القانوني، كذلك طرح النائب غسان مخيبر مشروع قانون خاص بالإعلام الالكتروني لكن لم يقره بعد المجلس النيابي. وأخيرًا وافق عدد من مدراء المواقع على تنفيذ ما أسموه "ميثاق شرف" لتقنين المواقع، من خلال تنفيذ سياسة إيداع المواقع الإلكترونية علم وخبر للمجلس الوطني للإعلام.

وعن الميثاق، قال وزير الإعلام اللبناني رمزي جريج: "الإعلام الإلكتروني بمقتضى القانون الجديد، إذا أُقر، لن يخضع لترخيص، انما للعلم والخبر الذي هو نوع من الترخيص الضمني، أي أن هناك شروطًا يجب أن تتوافر في الموقع الإلكتروني، ولا يمكن تقديم العلم والخبر إلا إذا توافرت هذه الشروط، ومنها تحديد صاحب الموقع والمدير المسؤول عنه، وإعطاء معلومات عن الموظفين لديه. ويمكن فرض شهادة جامعية على المسؤول عن الموقع، كل هذه الشروط، اذا توافرت، يتم تقديمها إلى وزارة الإعلام او المجلس الوطني للإعلام، لإعطاء ايصال بالعلم والخبر". ويعتبر هذا تطور نسبي عن الظروف القانونية السابقة.

العراق يبحث عن كيان جديد يتجاوز النقابة الحالية

في السابق كانت النقابة تمنح للصحفي المنتسب لها 800 دولار سنويًا، ولكن هذا المبلغ توقف مؤخرًا بسبب التقشف.

عبيدة الشريف

وبالانتقال إلى دولة تعتبر ظروف عمل الصحفيين فيها هي الأخطر في المحيط العربي، حيث يعمل الصحفييون في منطقة حروب، يمكن للصحفي الإلكتروني الانتساب إلى نقابة الصحفيين، ولكن ذلك يتطلب أن يقدم ما يثبت أنه عمل لمدة عامين في صحيفة إلكترونية معتمدة من النقابة، وبعد تأييد المؤسسة الصحفية له يجتاز اختبارًا ثم يُمنح الصحفي بطاقة اعتماد.

وكان للصحفي والمذيع العراقي بقناة بغداد عبيدة الشريف محاولة فاشلة للانتساب إلي نقابة الصحفيين العراقيين، ولكن واجه تعسفًا في اجراءات الانتساب إلى النقابة، ومنها اجتياز الامتحان وبناء عليه قرر ألا يعاود الكرّة.

ذكر الشريف أن العديد من الصحفيين يستسلمون لإجراءات النقابة المتعلقة باجتياز الاختبار، ويقدمون أكثر من مرة بغرض الحصول على عضوية النقابة بسبب الامتيازات التى توفرها النقابة للمنتسبين لها، ومنها الحصول على قطع أراضي. وهو ما أكده أيضًا الصحفي عماد الشرع للمنصة: "في السابق كانت النقابة تمنح للصحفي المنتسب لها 800 دولار سنويًا، ولكن هذا المبلغ توقف مؤخرًا بسبب التقشف".

وعن المحاولات البديلة لتنظيم صفوف الصحفيين بعيدًا عن النقابة العراقية، قال الشريف إن هناك "اتحاد الصحفيين"، وهو مؤسسة غير حكومية تسعى إلى أن يقتصر عملها على الصحفيين فقط، بخلاف النقابة التى تضم في عضويتها كل من يعمل في مجال الإعلام، مشيرا إلى أن البرلمان العراقي ينظر مسودة قانون الاتحاد. بدوره، أعرب الصحفي العراقي عماد الشرع عن أمله إقرار البرلمان هذا القانون ولكنه أشار إلى أن النقابة ستحاول رفض أي قانون غير قانونها، على حد وصفه.

الصحفي العراقي عبيدة الشريف

وفي هذا الصدد، قال الشرع: "هناك انقسام واضح في الشارع الصحافي في العراق تجاه عمل النقابة، فمجموعة من الصحافيين والوكالات الإخبارية لا يؤمنون بعمل النقابة والنقيب الحالي لذلك يرفضون التواصل معها أو الحصول على هويتها، وأسس البعض منهم النقابة الوطنية الخاصة بالصحافيين"، مضيفًا: "أزمة النقابة تتمثل في صراع وجهتي نظر، الأولى ترى أن العمل النقابي هو توفير منح وقطع أراضي ومخصصات وحقوق للصحافي، وهم نسبة كبير ويقودون النقابة، أما وجهة النظر الثانية فهي تُعتبر إدارة النقابة غير جيدة وتنحاز إلى الحاكم ولا تدافع عن صحافيي الرأي والتعبير الحقيقيين".

المغرب تُرحب بالصحافة الإلكترونية وتكرمها

في المغرب، لا تتمتع النقابة بالأدوار نفسها الموجودة في مصر، فالانتماء إليها يظل اختيارًا.

إسماعيل عزام، مراسل سي إن إن عربية في المغرب

تتحسن بيئة عمل الصحفي الإلكتروني في دولة المغرب، وعلى خلاف عدد من النقابات الصحفية العربية التي لم تدخل بعد القرن الحادي والعشرين، والتي قصرت الانتماء إليها على أبناء الصحافة المطبوعة دون الإلكترونية، فإن النقابة الوطنية للصحافة المغربية، وهي النقابة التي تشمل الصحف المطبوعة، تفتح المجال أمام الصحفيين العاملين في الصحافة الإلكترونية للانضمام إليها.

إسماعيل عزام، مراسل سي إن إن عربية

اعترفت السلطات المغربية بالصحافة الإلكترونية منذ عام 2013، فمُنحت بطاقات اعتماد للعاملين في الصحافة الإلكترونية تحمل أسماءهم وتؤكد انتماءهم لصحف إلكترونية. يقول إسماعيل عزام، مراسل موقع سي إن إن عربية: "ولكن هذا الإجراء التنفيذي لم يقابله تحديثًا قانونيًا"، ويضيف: "لم يصدر بعد قانون الصحافة والنشر الجديد الذي يعترف رسميًا بالصحافة الإلكترونية، وبالتالي يتم العمل بالقانون القديم الذي يمكن تأويله حتى يشمل العاملين في الصحافة الإلكترونية".

قبل التحاقه بالشبكة الإخبارية الأمريكية الشهيرة، عمل عزام في هسبريس، الموقع الإخباري الأول في المغرب. وعلى نقيض الشائع عن عمل الصحفيين الإلكترونيين تحت وطأة ظروف سيئة، قال عزام: "أرى أن ظروف العمل كانت مريحة، خاصة وأننا كنا نناقش أفضل الطرق للعمل في المجال الإلكتروني من تقسيم للمهام وإمكانية العمل في الليل وطريقة التواصل بيننا. كما أن الأجور كانت جيدة وهناك حماية قانونية، زيادة على إمكانية حضور الصحفي لتدريبات في داخل الوطن وخارجه".

أما عن محاولات الصحفيين الإلكترونيين في المغرب لتنظيم أنفسهم، قال عزام: "بخصوص النقابة، كانت هناك محاولات لم شمل الصحفيين العاملين في المجال الإلكتروني، منها الرابطة المغربية للصحافة الإلكترونية، غير أنها لم تنجح". ويذكر أن الرابطة تأسست عام 2009، وانعقد مؤتمرها الوطني الأول في عام 2012.

وعن شروط اعتراف النقابة الوطنية للصحافة في المغرب بالصحفي الإلكتروني، قال عزام: "يتطلب ذلك أن يكون الصحفي عاملًا في مجال التحرير بجريدة إلكترونية مرّخص لها، وأن يحصل على أجر معين وأن يكون منخرطًا في صندوق الضمان الاجتماعي"، وهو ما يصفها بالشروط العتيقة والتقليدية، مستطردًا: "إن الصحفي في نظري ليس عليه انتظار اعتراف رسمي من الدولة، فيكفيه اعتراف مؤسسته به".

وبناء عليه، فإن النقابة العامة للصحافة في المغرب لا تجمع كل الصحفيين بما أن الانتماء إليها يظل اختيارًا حسبما يقول عزام: "في المغرب، لا تتمتع النقابة بالأدوار نفسها الموجودة في مصر، فالانتماء إليها يبقى اختيارًا، كما أنها لا تتوّفر على سلطة تنظيمية في المجال الصحفي، فوزارة الاتصال هي من ينظم القطاع".

عزام نفسه الحائز على الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة لعام 2013، خير مثال على أن الدولة المغربية تعترف بالصحافة الإلكترونية، حتى أنها ضمتها إلى تصنيفات الجائزة التي تنظمها وزارة الاتصال سنويًا، ويحضر حفلها كبار مسؤولي الدولة، وعلى رأسهم رئيس الحكومة.

ومع وجود المئات من الصحف الإلكترونية، فإن المغرب أقدم على "خطوة إيجابية" في إطار تنظيم الوسط الصحفي المغربي، فقال عزام إنه صدر قانون تنظيم لما يعرف "بالمجلس الوطني للصحافة"، التى سيخرج قريبًا إلى العلن، وهي من سيتولى منح بطاقات الاعتماد. كما أن هذه المؤسسة مشكّلة في الغالب من الصحفيين والناشرين وممثلين عن المجتمع المدني".

وفي هذا الصدد، أشاد عزام بمنح سلطة تنظيم القطاع الصحفي للمهنيين وليس للدولة، قائلًا "نقطة مهمة للغاية يمكن لها أن تزيد من تقوية الجسم الصحفي بالمغرب".

وكان وزير الاتصال المغربي مصطفى الخلفي، قال إنّ الصحافة الرقميّة باتتْ لاعبا أساسيّا على الساحة الإعلامية، بلْ تجاوزَ تأثيرها الإعلام الورقي، لافتًا إلى إنّ مستقبلَ حرّية الإعلام مرتبط بالصحافة الرقمية وما يقع على مستوى الإعلام الرقمي.

كما أن وزارة الاتصال نشرت عام 2014 قائمة بأسماء الحاصلين على بطاقات الصحافة، كما أعلن وزير الاتصال أن عدد الصحفيين الحاصلين على بطاقات الصحافة في المجال الإلكتروني وصل إلى 98 صحفيًا هذا العام، هذا بخصوص الأرقام المعلنة، ويمكن أن نضيف عليها صحفيين آخرين لم يتقدموا بطلبات للحصول على بطائقهم.

وكسرت المغرب مجددًا معادلة الصحافة المطبوعة المستقرة في مقابل عثرات الصحافة الإلكترونية الفتية، حسب عزام، الذي قال: "بشكل عام الصحف المطبوعة كانت في البداية توفر حماية أكبر وظروف عمل أفضل كبير، لكن أعتقد أن هذا الأمر بدأ يتغير بعد نجاح النموذج الاقتصادي للصحافة الإلكترونية وانتقال مجموعة من الصحفيين لها.

ولكن الوضع في المغرب ليس ورديًا تمامًا، إذ يسعى الصحفيون المغربيون إلى تحسين أوضاعهم بشكل عام في ظل وجود مشاكل اقتصادية في قطاع الإعلام، ويسعون أيضًا إلى المزيد من تفهم عملهم، كضرورة وجود تسهيلات في منح رخص التصوير، ومطالبتهم بتبني مدونة للصحافة والنشر خالية من العقوبات السالبة للحرية وتبني طرق ناجعة في دعم الدولة للصحافة وتسهيل الاستثمار في المجال الصحفي.