عمار الشريعي: أُذن تُبصر وعقل يُبدع

أول ما يتبادر للذهن عند سماع اسم عمار الشريعي؛ تلك الصورة النمطية لفاقد البصر الموهوب الذي تحدى إعاقته وتفوق على كثير من نظرائه الأصحاء.

وهذه الصورة، رغم صحتها، إلا أنها تختزل قدرًا كبيرًا من موهبة الشريعي المتفجرة، وشغفه الدائم بالتعلم والتحليق في فضاءات مختلفة.

منذ صغره، كانت أمارات النبوغ ظاهرة على عمار. لا تخطؤها عين. في الابتدائية كان شغوفًا بالموسيقى، وكان حريصًا على فك توزيعات أندريا رايدر وعلي إسماعيل.

وحين انتقل للثانوية العامة، وكانت وزارة التربية والتعليم حينها تهتم بوضع برامج مخصصة للطلبة المكفوفين الراغبين في تعلم الموسيقى، تعلّم عمار قراءة النوتة الموسيقية بطريقة برايل بفضل أحد مفتشي الموسيقى بالوزارة ويدعى "توفيق الاسطمبولي".


الاحتراف

تعلم الشريعي الموسيقى بالمراسلة مع مدرسة "هادلي سكول" الأمريكية، وبعد نهاية دراسته الجامعية بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية عام 1970 تفرغ للموسيقى رغم رفض عائلته.

أتقن العزف على آلة الأكورديون والعود وبعدهما تعلم العزف على الأورج.

بدايته الفنية كانت كعازف في مجموعة من الفرق الموسيقية، يطوف مصر في حفلات وأفراح ومناسبات مختلفة.

يقول الشريعي إنه يحب خوض التحديات، وبعدما أثبت نفسه كعازف بارع قادر على إجادة أكثر من آلة، كان عليه خوض تحد أكبر هو تلحين الأغاني والاحتكاك بنجوم الوسط الفني.

"امسكوا الخشب" كانت أول أغنية لحنها الشريعي وغنتها مها صبري عام 1975، وبعدها شقّ عمار طريقة ولحّن لمطربين كبار.

في عام 1980، قرر الشريعي بعدما ذاع صيته خوض تحد جديد؛ بتكوين فرقة موسيقية أطلق عليها الأصدقاء. استمع لمئات الأصوات ثم استقر على ثلاثة وجوه شابة: علاء عبد الخالق ومنى عبد الغني وحنان.

حاول عمّار في هذه التجربة الاشتباك مع كثير من القضايا في المجتمع، بألحان وكلمات مميزة، تبرز الحس الوطني لدى الشريعي، ذلك الحس الذي لم يكن فقط مجرد شعارات يتم ترديدها في المناسبات.

صدر للأصدقاء 4 ألبومات غنائية هي.. (مطلوب موظف) و(حنغني) و(قول با باسط) و(خارج المنافسة).

من أبرز ما قدمته "الأصدقاء" أغنية الحدود.

واحنا فايتين علي الحدود

مستمرين فى الصعود

اختفى النيل الجميل من تحتنا

والمدن والريف وأول عمرنا

وابتدى شئ ينجرح جوه الوجود

وابتدينا أسئلة مالهاش ردود


أصعب اختبار

التحدي الأصعب لمُلحن كفيف هو الموسيقى التصويرية للأفلام؛ تلك المقطوعات القصيرة التي ترافق مشهد ما، أي خلل ولو بسيط قد يُخل بالمعنى المراد من المشهد.

"الشك يا حبيبي" هو أول فيلم وضع الشريعي الموسيقى التصويرية له. كان بطولة شادية ومحمود ياسين وناهد الشريف، وأصرت شادية بعد تعاونها مع الشريعي في بعض الأغاني أن يقوم بتأليف الموسيقى التصويرية للفيلم الذي أنتج عام 1978.

يحكي السيناريست والكاتب الصحفي بلال فضل، الذي جمعته صداقة بعمار، كيف قام الأخير بوضع الموسيقى التصويرية لأحد المشاهد في فيلم "حب في الزنزانة" بطولة عادل إمام وسعاد حسني.

والمشهد يتبادل فيه البطلان التلويح من خلف قضبان. يمسك البطل بمنديل أبيض ويشير للبطلة التي تحلُ غطاء رأسها الأخضر وتلوّح به.

كان سعيد الشيخ، المونتير، يخشى ألا يتمكن عمّار من "ضبط الموسيقى على هذا المشهد". جلس عمار مع المخرج محمد فاضل وطالبه أن يصف له المشهد، وبينما يحكي فاضل كان عمار يُمسك بين يديه ساعة رقمية لحساب الثواني التي تستغرقها كل تفصيلة من تفاصيل المشهد.

غاب الشريعي عشرة أيام، وعاد بمقطوعة "أبهرت طاقم العمل"ليس فقط لجمالها؛ لكن لأنها كانت أيضًا متوافقة مع تفاصيل هذا المشهد بشكل دقيق للغاية.


في عالم الدراما التليفزيونية، حضر الشريعي بقوة. وضع الموسيقى التصويرية لمجموعة من أشهر المسلسلات المصرية مثل أرابيسك وشيخ العرب همام وهيمة وشرف فتح الباب وجحا المصري وحديث الصباح والمساء وزيزينيا.

ويقدر إرث الشريعي في عالم الدراما بنحو 150 مسلسلاً وضع الموسيقى التصويرية لها ولحن ووزع أغانيها، إضافة إلى 50 فيلمًا سينمائيًا.

تحديات مختلفة

عازفو "الأورج" في مصر كانوا يواجهون أزمة فنيّة في السبعينات والثمانينات، كان كل منهم يصطحب معه "مفك" في الحفلات، والسبب أن "الأورج" لم يكن يساعدهم على أداء بعض "النقلات الموسيقية" من مقام لمقام ما كان يضطرهم لـ"فك ضهر الأورج وتحريك المسامير المسؤولة عن تثبيت الكيبورد" حتى يتغير الصوت الناتج عنها.

لم يستسلم الشريعي لهذه الأزمة، لم يكتفِ باصطحاب المفك في الحفلات. درس أسبابها وقرأ كتبًا أحضر أكثرها أثناء رحلاته خارج مصر وبدأ التواصل مع إحدى الشركات اليابانية الشهيرة، وبالفعل تم إنتاج أول "كيبورد يحتوي على الربع تون" والفضل في ذلك يعود لعمار.


من التجارب المميزة أيضًا في حياة عمار، تجربة تقديم البرامج الإذاعية والتليفزيوينة. وهي تجربة أظهرت للمشاهدين جوانب كثيرة من شخصية عمّار.

التجربة الأولى كانت برنامج "غوّاص في بحر النغم" وهو برنامج إذاعي إسبوعي قدمه عمار بدءًا من عام 1988، وكان يستفيض خلاله في شرح وتحليل مجموعة من الأعمال الموسيقية بطريقة مُبسطة للغاية؛ ليفهمها ويتذوقها المستمع غير المتخصص في الموسيقى.

التجربة الثانية كانت تليفزيونية حين قدم برنامج "سهرة شريعي" وهو برنامج حواري، تقوم فكرته على استضافة مطرب أو ملحن أو شاعر أو ممثل.

ويظهر في التجربتان، بعيدًا عن ود عمّار وعلاقته القوية بكثير من النجوم وعن موهبته الموسيقية الفذّة، يظهرُ اطلاعه الواسع على العديد من المؤلفات بالعربية والإنجليزية التي أتقنها منذ كان طالبًا في المرحلة الجامعية.


مع الثورة

حين بدأت الاحتجاجات ضد نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في يناير/كانون الثاني 2011، اختار عمّار أن يقف في "صف الثورة" على عكس كثير من المنتمين للوسط الفني.

كان عمّار واضحًا في إعلان دعمه لـ"هؤلاء الشباب" وأصر غير مكترث بردود الفعل على القيام بمداخلات هاتفية في قنوات مختلفة يعلن فيها "دعمه للثورة" كما ذهب لدعم المتظاهرين المعتصمين بـ"ميدان التحرير".

كما سخر عمّار بقوة من أداء الإعلام المصري وتغطيته للأحداث التي شهدتها مصر منذ بدء الاحتجاجات حتى تنحي حسني مبارك عن الحكم.

ومن مقولاته الشهيرة في إحدى المداخلات للإعلامية منى الشاذلي: "هذا الجيل الرائع العبقري اللي رجعلنا وخلانا ناخد نفسنا ونحس اننا بني آدمين مرة تانية، أنا من أسبوعين كنت بقول العيال دي لولو وفوفو وكنت ظالمهم، مكنتش متصور أنهم ممكن يعملوا اللي عملوه، ورونا اننا كنا جيل خرع وخايب وضحينا بعمرنا أونطه".

في السابع من ديسمبر/كانون الأول عام 2012، وبعد معاناة طويلة مع المرض رحل الشريعي عن 64 عامًا؛ تاركًا إرثًا موسيقيًا وفنيًا ضخمًا يشهد بتفرّده.

اقرأ أيضًا: رياض الهمشري.. عود من دهب