آدم يحاسب على مشاريب المجتمع

يأتي الطفل في سياق لم يكن جزءًا منه، بالإضافة إلى كونه لم يقر أو يختار أيًا من ذلك، لم يختر السياق الذي حمله إلى هذا العالم، ولم يختر أن يأتي من الأصل، ومع ذلك سيبقى طوال حياته يسدد ثمن اختيارات غيره.

ازداد اللغط حول حكاية هدير مكاوي، الفتاة التي قررت أن تحافظ على حملها بعد علاقة كانت هي جزء منها باختيارها الحر، بعد أن رفض شريكها الاعتراف بالطفل، وفقًا لروايتها، وحينما وضعت هدير مولودها، أعلنت عن ذلك وجَهَرَت بفخرها بما اختارته لمولودها، وطالبت بالدعم عبر هاشتاج "أدعم هدير" على صفحتها الشخصية على موقع فيسبوك، حكاية هدير ربما تشبه في جزئها الأول حكايات كثيرة لا تُذكَر على المواقع الاجتماعي، لكن الجزء الثاني من الحكاية ربما يمثل المشكلة.

تطرح الحكاية الكثير من الأسئلة، خاصة إذا نظرنا من زاوية مختلفة للموقف، وهي الزاوية التي حظت بأقل قدر ممكن من الاهتمام، ألا وهي مصير الطفل "آدم". من وجهه نظري لا أهمية للجدال حول ما يقرره أى منا إزاء جسده وعلاقاته بالآخرين، إلا أن جمهور المواقع الاجتماعية كانت له وجهه نظر أخرى، برهن عليها بقوة في قَصْر انقسامه ما بين الداعمين لاختيار هدير، وجمهور مَن نَصَبوا أنفسهم قضاة عليها، ويبذل كلاهما أقصى ما لديه لتكون الغلبة لموقفه. ولكن لا يعنيني وسط هذا الزحام والارتباك حصر المسألة في موقف امرأة دخلت في علاقة تحت أي مسمى وفي أي سياق، ولا يعنيني إبداء الآراء سواء بالدعم أو المناهضة. ما يعنيني هو مصير شخص بعينه.

تتوحد الأطراف المتجادلة على شيء واحد هو نسيان أو تناسي هذا الطفل الذي جاء إلى العالم، رغم أنه إنسان، ونحن نستميت في ادعاءات الدفاع عن الإنسان. يأتي الطفل في سياق لم يكن جزءًا منه، بالإضافة إلى كونه لم يقر أو يختار أيًا من ذلك، لم يختر السياق الذي حمله إلى هذا العالم، ولم يختر أن يأتي من الأصل، ومع ذلك سيبقى طوال حياته يسدد ثمن اختيارات غيره.

دعونا نتخيل دورة حياة هذا الطفل، وكل طفل بهذه الظروف، ومقدار الأسى الذي سيتحمله، والمعاناة التي ستفوق معدلات نموه في كل يوم، فى عالم يتجه كل يوم لمزيد من العنف، ومجتمع لا يدخر جهدًا فى ممارسة كافة سبل الاضطهاد والتمييز ضد كل ما هو مغاير أو مختلف، بشكل يجعل الكثير منا يستبعد فكرة الإنجاب في حد ذاتها، حتى لو تم بالطريقة التي يرتضيها، خوفًا من المسؤولية المرعبة التي سيتحملها تجاه إنسان آخر جديد، يفترض أن نكفل له الحق في أن ينشأ بشكل سوي.

يمكننا تخيل ذلك على سبيل المثال لا الحصر في نظرات المحيطين له في ذهابه وإيابه، وفي تحاشي زملائه له فى مدرسته، وفي شارعه، وفي اختيارات الآخرين لما يمكنهم أن يطلقوا عليه من أوصاف، إن لم يصل الأمر للسباب، في طفولة سيحياها منبوذًا، ومراهقة ستتضاعف معاناته فيها بسبب سخرية الأقران، سيعاني لإيجاد رفقاء وأصحاب، وحبيبة وزوجة فيما بعد.

دعونا نفكر أيضًا في مسؤوليتنا تجاه هذا الطفل الذي سيضطر مجبرًا على دفع ثمن ما لم يُختار لمن لا يرحم، والذي "سيحاسب على مشاريب المجتمع"، لن يدفع ثمن اختيار والدته وموقف والده فقط، وإنما سيدفع ثمن أمراض هذا المجتمع المريض، بعنصريته وجهله وتخلفه، عندما يكبر الطفل سيجد نفسه في موقع اتهام بدون أن يرتكب أي جريمة.

أقف أمام هذه المشاهد بمزيج من المشاعر والأفكار، متخوفة من مجتمع يسعى أفراده كل يوم لتكريس قهر الآخر ودحض إنسانيته، وخوفًا من علاقات كثير كانت وستكون خارج إطار ما يقبله المجتمع ويضفي عليه شرعيته، لأن المظهر العام أهم لديه من مضامين كل هذه العلاقات وأسبابها وتبعاتها، أفكر في هذه المشاهد دون محاولة مني للوصم أو الحكم على طرف أو شخص أو تجربة.