"ديوان الأمومة".. نَزْع القَداسة عن ست الحبايب

في عيد الأم تندفع في الشوارع والأماكن العامة أغنيات الأمومة، وعلى رأسها "ست الحبايب" لفايزة أحمد، مثل أسواطٍ تُلهب ظهورنا لكي ننحني أمام الأيقونة، بصرف النظر عن الدور الذي يلعبه كلٌّ منا في المؤسسات الاجتماعية الصغيرة.

في فبراير/شباط من العام 1907، نشر الروائيّ الفرنسي مارسيل بروست مقالًا بعنوان "عواطف ولد يريدُ قتل أمه"، مُستوحيًا مقاله من حياة صديقه هنري فان بلارنبرج، والذي أقدمَ بالفعل على قتل أمه التي يُحبُّها، ثم انتحر. ورأى بروست في هذا الحادث برهانًا على الحبّ، ووَصَف عملية قتل الابن لأمه بأنه عمل يكاد يكون جميلًا. واختتم بروست مقاله كالتالي: "وددتُ أن أُبيّن كيف أن تَفجُّر اللوثة وسفك الدماء قد حدثا في جوٍّ من الجمال الأخلاقي الذي يجمع بين النقاء والدِّين. ورغم هذا، فإنّ الدماء المسفوكة لم تنجح في تلطيخ هذا الجمال".

كأنَّ بروست يومئ نحو الجسر الخفي المعلَّق بين الموت (القتل والانتحار هنا) وبين العشق والافتتان بالجمال، وفي أغنية إنجليزية قديمة قيل إنَّ كل رجل يقتل ما يحب؛ الضعيف بقُبلةٍ، والقوي بخنجرٍ. وكأنَّ القتل هو الحدُّ الأقصى لفعل الحب، نحن أيضًا نقتل ما نحب، حتّى بتأليهنا له. عندما نحبس النساء في أيقونة الأم التي تحمل طفلها وترعاه من المهد إلى اللحد، نستبعد كونها إنسانًا له كيانه الخاص بعيدًا عن هذا الدور الطبيعي والاجتماعي المحدد والمحدود، ننسى أنها ليست مجرد رحم لإنتاج النسل الجديد ومطبخ لتغذيته وأداة لإرضاء نوازع الرجل، زوجًا كان أم ابنًا. إضفاء القداسة على الأمهات يستبعدهن من عالم الواقع والضرورة والرغبة والأهواء، وكأنهن قديسات باختيارهن أو رغمًا عنهن.

تتجدَّد أسطورة الأمومة المقدَّسة، كل يوم تقريبًا، بإعادة إنتاج المؤسسات الاجتماعية التي تُغذي تلك الأسطورة وفقًا للمقاييس والمواصفات التقليدية المتفق عليها في العُرف والدِّين والأخلاق، كما تتجدَّد أيضًا في مواسم بعينها، عيد الأم على سبيل المثال، حيث تندفع في الشوارع والأماكن العامة أغنيات الأمومة، وعلى رأسها "ست الحبايب" لفايزة أحمد، مثل أسواطٍ تُلهب ظهورنا لكي ننحني أمام الأيقونة، بصرف النظر عن الدور الذي يلعبه كلٌّ منا في المؤسسات الاجتماعية الصغيرة. ونادرًا ما نجد كتابة –إبداعية أو غير إبداعية– تتخذ مسافةً آمنةً من تلك الأيقونة الراسخة؛ لتتأملها في ضوءٍ هادئٍ وباردٍ ورشيدٍ، وتطرح عليها أسئلةً حقيقيةً وشبهَ محظورةٍ.

صدر في الفترة الأخيرة نموذج لتلك الأصوات المختلفة، وهو كتاب ديوان الأمومة، عن دار ميريت، وهو مجموعةٌ من نصوصٍ وشهاداتٍ لشاعراتٍ وكاتباتٍ من بلادٍ عربيةٍ مختلفةٍ، من بينها مصر وفلسطين وسوريا وليبيا والعراق، تدور في مجملها حول تجربة الأمومة، وخصوصية هذه التجربة بالنسبة لهنَّ ككاتباتٍ على وجه التحديد. محررة الكتاب هي الشاعرة رَنا التونسي، وكنتُ أتمنى لو أنها رَوَت المزيد عن هذه التجربة ككلٍّ، في مقدمتها شديد الإيجاز، بحيث تعرض إطارها العام والمعايير التي وضعتها للاستكتاب واختيار النصوص والشهادات؛ من قبيل هل طرحتْ على زميلاتها مجموعةً محددةً من الأسئلة، أو الأفكار العامة للانطلاق منها أم تركت لهنَّ حرية الكتابة تحت المظلة العامة للأمومة.

غلاف ديوان "كتاب الأمومة"

قالت رنا التونسي في مقدمتها: "حاولنا الكتابة عن أطفالنا، لكننا كنا نحن مَن نخرجُ مِن الموت. الرغبة الخالصة في أن نوجد خارج ذواتنا بشكلٍ حقيقيٍّ، جميلٍ وإنسانيٍّ"، وهو ما لا يقول الكثير عن مَدار النصوص ككلٍّ. أظنُّ أنَّ تجربةً على هذه الدرجة من الاختلاف والمغامرة كانت بحاجةٍ لتكريس المزيد من الوقت والجهد، في جميع مراحل إنتاجها، وربما إلى شيءٍ من تضييق عَدسة الرؤية ولو قليلًا، فبدلًا من الكتابة عن الأمومة بصفةٍ عامةٍ، وهو الموضوع المتسع لأبعد حدٍّ، كان من الممكن الاقتصار على خبرة الحمل والولادة بصورتها الجسدية والنفسية المباشرة، هذا طبعًا على سبيل المثال لا أكثر، أو التركيز على الوقت الذي تسرقه كل كاتبةٍ من حياتها وحياة أطفالها لكي تقرأ وتكتب، وهو الهم الذي أطلَّ أكثر من مرةٍ في الشهادات.

تتوزَّع كل كاتبةٍ في تلك النصوص بين أكثر من صورةٍ للأمومة، وتتنازعها تلك الصور المختلفة، فهناك الأم النموذج حسب الفهم المتوارث في التقاليد العربية والشرقية، إنها الأم المثال والأيقونة مثل العذراء مريم، تضمُّ إلى صدرها المخلِّص طفلًا، إنها الأم التي تحتفي بها الأغنيات والحكايات على طول الزمان. ثم هناك تجربة الأمومة وصورتها كما اختبرتْها كلُّ واحدةٍ منهنَّ في علاقتها هي كابنةٍ بأمها، حدود هذه التجربة وملامحها الأساسية، التي شَكَّلت الجانب الأساسي والحيوي والملموس في تجربتها. ثم تأتي في النهاية الخبرة الأشد صدقًا وسطوعًا – بعيدًا عن النماذج والأيقونات وصَفّ الأمهات الواقفات حول سرير الولادة – خبرتهن هُن كأمهاتٍ، وهي مَدار وقلب أغلب النصوص والشهادات، تلك الخبرة التي قد تثبت حقائق طالما أنكرنها أو تدفعهن للتصالح مع صور أمهاتهن أو رفضها أو تزيل أوهامًا رومانسيةً عديدةً عن دور الأم المتوقَّع.

كثيرًا ما يتردَّد تشبيهٌ قديمٌ يربطُ فعل الكتابة بفعل الحَمل والولادة، ويبدو أن أغلبنا –لأسبابٍ غامضةٍ– يستريح لهذا التشبيه، ويأخذه إلى مناطقَ خاصةٍ به، غير أن الامتحان الأصعب لهذا التشبيه عندما يتم تناوله على أيدي أمهاتٍ كاتباتٍ. تردَّد هذا التَّشبيه هُنا أيضًا بصورةٍ أو أخرى، عبرَ النصوص والشَّهادات، أغلب الكاتبات تماهين معه، وطوَّرنه في اتجاهاتٍ مختلفةٍ، على سبيل المثال ربطت هُدى حسين الحمل والولادة بفعل الخلق الإبداعي في نَفْس المبدع، في وعيه ولا وعيه على السواء: "... خلقَ الله الإنسان ليكون مُبدعًا، أو على الأقل كان الخلق منذ الأزل وعاءً لحمل إبداع الخالق..."، كما أشارتْ إلى مراحل تخلُّق الجنين في الرحم حتَّى لحظة الولادة، وانفصال الذاتين، الأم والطفل، أو الكاتب والنَص: "ربما يكون الفارق الوحيد هنا هو أن نَصك الإبداعي يُكتب باسمك. أمّا الأطفال فيُكتبون باسم الأب".

وفي هذا الاتجاه ذاته سارت بعض الشهادات الأخرى، في الربط بين حدثين مغايرين تمامًا على المستوى الروحي والجسدي، فإذا كان الأولاد يُكتبون باسم الأب، نظرًا لأنظمة النَّسب الذكوري، فمَن يمكن أن نمنحه دور الأب عند كتابة الأنثى لنَصها؟ ومن ستلعب دور الأم عند كتابة الذكر لنَصه؟ هنا يبهت المجاز ويتفتت، فإذا كانت لعبة الحَمل والولادة ما زالت راسخةً في منظومة المؤسسات الاجتماعية؛ فلأنها – في مستوى منها – ليست لعبةً فرديةً خالصةً تمامًا، بينما لعبة الكتابة تنطلق بالأساس من هذه المساحة الفردية، حيث لا يوجد شريك حياة –أو آخر إلّا مجازًا في دور قارئٍ مفترضٍ أو نصٍّ (وليدٍ). بينما اتخذت أميمة عبد الشافي مسافةً من هذا المجاز القديم عندما كتبت في نَصها:

"لا يُشبه هذا أي شيءٍ
لا تقبل بمَن يُشبِّه كتابة النَص بالولادة
صدقني
أنا جربت كليهما
وأقول لك بجرأةٍ صافيةٍ إنهما لا يشبهان بعضهما البعض".

وآثرت على ذلك الارتباط بطفلها-نَصّها كخيالٍ جديدٍ، يُولد كل يومٍ، نقيًّا مثل طفلٍ حديث الولادة. حيث يتحرَّر خيالها من قبضة التشبيهات القديمة.

غياب الرجل

من بين مزيج المشاعر المتداخلة في تجربة الأمومة لعلّ أصعب وأدق المشاعر كان هو الشعور بالذنب، الذي ظهر أحيانًا بجلاءٍ تامٍّ، وتسلل خفيًّا بين السطور في أحيان أخرى.

بمناسبة الآخر المُفترض، يبدو من اللافت والمثير للأسئلة غيابٍ شبه كاملٍ لدور الرجل-الزوج-الأب عن أغلب النصوص والشهادات، ففيما عدا إشارة أميمة عبد الشافي صراحةً إلى دور زوجها الشاعر عبد الرحيم يوسف في التعامل مع تجربتها كأمٍّ وأيضًا كلام سهى زكي حول غياب زوجها المبكر، سواء بإرادته أو رغمًا عنه فيما بعد بموته، لا نكاد نلمح ظلًّا لشريك الحياة الذي لا تتم خبرة الأمومة إلّا به، وكأن دائرة الأم وطفلها تنغلق عليهما وحدهما، وتستبعد كل طرفٍ ثالثٍ مهما كان حميمًا ووثيق الصلة بتلك الخبرة، وسواء لعب دورًا إيجابيًّا ومتفهمًا أو كرّس للوعي التقليدي الرجعي في إنتاج تجربتها كأمٍّ.

من بين مزيج المشاعر المتداخلة في تجربة الأمومة –أمومة الكاتبات خصوصًا هُنا– لعلّ أصعب وأدق المشاعر كان هو الشعور بالذنب، الذي ظهر أحيانًا بجلاءٍ تامٍّ، وتسلل خفيًّا بين السطور في أحيان أخرى. عبَّرتْ هدى عمران في شهادتها عن ارتباط تجربة أمومتها بتجربة ثورة 25 يناير وما تلاها من إحباطاتٍ وسفك دماءٍ. كان المشهد الدموي العام هو الإطار الذي خنقَ حُلمها بعالمٍ أنظف وأجمل من أجل طفلها. فيما صرَّحت كاتباتٌ أخرياتٌ عن هذا الإحساس بالذنب والتقصير صراحة، كما في الشهادة الشجاعة والثرية لسُهى السباعي، وعدم اهتمامها بدورها كأمٍّ على الأقل في السنوات الأولى من طفولة ابنيها. من جانبها تحكي منال الشيخ كيف اضطرت إلى انتزاع ابنتها من حضن جدتها (أم الكاتبة) لضرورات الرحيل والعيش في بلد آخر، وكيف ارتمت ابنتها في حضن الجدة: "في كل دَمعة كبيرة أسقطتها وقت الرحيل وانتزاعها مرارًا وتكرارًا من حياتها، كانت تسقط معها إنسانيتي تجاه نفْسي وأشعر أنني وَحشٌ. نظراتُ مَن حولي كانت تقول ذلك، ونظرتي في المرآة لوجهٍ نسيت ملامحه كانت تقول ذلك. الكتب والأمثلة والدِّين والفلسفة والتاريخ، كلها كانت تقول ذلك". فيما تكتب سارة عابدين في شهادتها: "أكتب لأعتذر لبناتي عن أشياءَ كثيرةٍ لم أستطع أن أُغيّرها في نَفْسي، عن الوحدة التي تلبستني بالكامل منذ سنواتٍ مضت، عن التوتر الذي يتملكني طوال الوقت، أكتب لأقول لهنَّ إن رغبتي في الكتابة لا تتناقض أبدًا مع حبي لهن".

حفلت الشَّهادات أيضًا بكلامٍ كثيرٍ حول فعل الكتابة، ربما بدا أحيانًا غير ذي صلةٍ بموضوع الكتاب وهمِّهِ الرئيس، أقصد أنه يُمكن قراءته كشهاداتٍ عن تكوين الكاتبة وخبراتها مع الكتابة، شأن أي كاتبٍ أو كاتبةٍ أُخرى، بعيدًا عن تجربة الأمومة ذاتها، والتي يُفترض أن تكون محور نصوص الكتاب. لكن بين حين والآخر كانت ثمة جسورٌ واضحةٌ تمتد بين التجربتين، تربط الكيانين شبه المنفصلين؛ كيان الأنثى الكاتبة وكيان الأم.

على وجه العموم، ورغم التفاوت الطبيعي في مستوى النصوص والشهادات جماليًّا وإنسانيًّا، فهذه تجربةُ كتابةٍ مهمةٌ وجديرةٌ بالقراءة والتأمل والانتباه، لهذا كله أتمنى ألّا تكون هي التجربة الأولى والأخيرة في النبش وراء هذه الأيقونة المقدسة لصورة الأم، سواء كانت الشهادات لكاتباتٍ أو لأمهاتٍ عاملاتٍ أو لأمهاتٍ وحَسب، فسوف نُفَاجَأ ونُدهَش أمام قدر المفاجآت واللُّقى التي قد نعثر عليها في رحم تلك الخبرة شديدة الخصوصية.