كيف تنزل سوق الدجّالين دون أن تفقد عقلك؟

إذا امتنع الجمهور عن لعب دور ببغاء يردّد أي كلام يُلقّن له فسوف يفقد مئات الدجّالين سوقهم وتبخس بضاعتهم، عندئذٍ قد يتسعُ المجالُ للأصوات الصادقة التي لديها ما تعلّمنا إياه، سواءً عن سُبل الاستجمام أو كَسْب الأصدقاء أو معنى الحياة.

عملتُ بعد التخرّج مُترجمًا في شركة ترجمة تخدم من الباطن عميلًا واحدًا، وهو دار النشر السعودية "جَرير"، وأغلب كُتبها تدور في فَلك مُساعدة الذات والتنمية البشرية وبعض الصحة العامة والتغذية مثل حِمْيات لتنظيف الكبد والاستعداد لمولد الطفل الأوّل وإسعاد شريك الحياة، وما قد يتفرّع عن ذلك من عشرات الاتجاهات في الحياة الخاصة أو العملية، وأغلبها يزعم أنه قادر على تغيير حياة قارئه مئة وثمانين درجة، يُباع منها في العالم ملايين النسخ ويعقد مؤلّفوها دورات وندوات يشارك فيها الآلاف.

آمنتُ بأنَّ الشخص الوحيد الذي تغيّر تلك الكتب حياته هو كاتبها وناشرها، وإلّا لأصبح ملايين القرّاء مِن أصحاب الملايين، وهو أمر مستحيل، وكنتُ أقول إن المخدرات أيضًا لها سوق رائجة وتلّبي احتياجاتٍ ملموسة لدى البعض. غير أنَّ الشخص يتأثر تلقائيًا بطبيعة عمله مهما كان، وهكذا تسرّبت أفكارٌ من تلك الكتب إليَّ، ثم بدأتُ أجرّب بعض نصائحها العَمَلية ولو من باب الفضول، لم يناسبني كثيرٌ منها ولكني انتفعتُ من بعضها. بل إنني وجدتُ أحيانًا بين بعض صفحاتها إجاباتٍ لم أجدها في كُتب أهل العُمق والثقافة والفكر، إجاباتٍ على أسئلة قد تكون بسيطة وساذجة، لكنها عَملية وابنة الحياة اليومية وقد تكون أشدَّ إلحاحًا من أسئلة معنى الحياة والموت.

من بين تلك الكتب التي استفدتُ منها كتابٌ صغير بعنوان (طريقة الكايزن – خطوة واحدة صغيرة قد تغيّر مجرى حياتك، تأليف روبرت مورير)، وما زلتُ حتى الآن أعود إليه أحيانًا لأستعيد حِيله اللذيذة التي أتت أُكلها في حياتي منذ قرأته أوَّل مرة. والكايزن قد يعني التحسّن المستمر التدريجي وهو اختراع ياباني فعّال ومُجرَّب في مجالات متنوّعة وليس من قبيل شعوذات التنمية البشرية المألوفة، وقد ساعد اليابان على استرداد عافيتها بعد الحرب العالمية الثانية. ويتلخّص في إدخال تغييرات صغيرة للغاية، قد تبدو ساذجة ومضحكة من فرط صغرها، مع الحرص على استمرارها وتوسيع مداها شيئًا فشيئًا. لكن كتاب الكايزن هذا كان مجرد حالة نادرة وسط بحرٍ من التلفيق والاحتيال الواضحين.

لا يوجد دواء لكل داء

ينبغي على المدرّب الحقيقي أن يضع برنامجًا تدريبيًا مناسبًا لعميله، وأن يقطع الرحلة خطوةً بعد خطوة معه.

استعدتُ هذا الماضي البعيد كله قبل مُدة قصيرة، عندما كتب أحد الأصدقاء، وهو طبيب نفسي بدأ ممارسته منذ عامين، على فيسبوك موقفه من مجال التنمية البشرية، وكيف كان يسهل عليه قبل ممارسته لعمله أن يهاجمه ويسخر منه مثل أغلب الناس، إلى أن وجدَ نفسه يقول لأحد عملائه ما معناه إن الأشياء لا تؤثر فينا بذاتها ولكن عبرَ طريقة رؤيتنا لها، وأنه اكتشفَ عندئذٍ مقدار مطابقة هذه الفكرة لمفاهيم مركزية في خطاب التنمية البشرية، وعلى الخصوص الجملة التي شاعت حدّ الابتذال، وهي: "بُص لنُص الكوباية المليان...".

لكنه أشارَ أيضًا إلى أوجه قصور أساسية في ممارسات التنمية البشرية، رغم اعترافه واعترافي معه – تعليقًا على كلامه وهُنا الآن – بقيمتها العَمَلية وما فيها من إمكانيات قد تحسّن حياة الناس في حدودٍ معقولة. لَفتَ صديقُنا الانتباه إلى أنّ كلام مدربي التنمية البشرية غالبًا ما يفتقد التحديد، ويتصف بعمومية شديدة، ولا يكون له انعكاس عملي واضح على حياة كل فرد وطبيعة تجربته المختلفة عن الآخرين. فما يصلح لواحدٍ من الناس قد لا ينفع شخصًا آخر، لذلك ينبغي على المدرّب الحقيقي أن يضع برنامجًا تدريبيًا مناسبًا لعميله، وأن يقطع الرحلة خطوةً بعد خطوة مع عميله، وفقًا لطبيعته الشخصية وخصوصية مشواره في الحياة. وأضافَ صديقنا أنَّ تلك الكتب والدورات تقدّم أفكارًا ومقولات جاهزة ومُعلّبة، كأنها دواء لكل داء وحل لكل مشكلة وصالحة لكل زمان ومكان، ما يحوّلها عند البعض إلى عقيدة جامدة، دون الأخذ في الاعتبار متغيرات السياق وظروف كل مجتمع وكل لحظة وبالطبع كل إنسان. وفي ظَني أن الاعتراف بخصوصية وفرادة كل حالة أوّل تحرّك حقيق نحو أي تغيير له شأن.

عبادة النجاح

نُصبتْ سوق يمكن تسميتها بسوق (كيف تفعل أي شيء)، وككل الأسواق تقريبًا كانت الغلبة للأصوات الفجة والمثيرة للضحك والاستهزاء.

هناك مهارات لا نتلقاها في البيت أو المدرسة أو أماكن العبادة، رغم أنها لا غنى عنها لخوض تجربة الحياة. نادرًا ما يجد الإنسان في مرحلة الصبا وأوّل الشباب مَن يشرح له كيف ينظم وقته أو كيف يحدّد أولوياته أو كيف يفتح حوارًا مع شخص يودّ مصادقته أو حتى كيف ينام ليلًا دون أن تفترس عقله الهموم والمخاوف. يتطوّع البعض للإجابة على كل تلك الأسئلة وغيرها الكثير، سواءٌ عن خبرة ودراية، أو اعتمادًا على الفهلوة، أو بتجميع أكبر قدر ممكن من حكمة السابقين ونصائحهم وإعادة صياغتها بحيث تبدو أيسر أو أكثر ملائمة للعصر.

مِن هُنا نُصبتْ سوق يمكن تسميتها بسوق (كيف تفعل أي شيء)، وككل الأسواق تقريبًا كانت الغلبة للأصوات الفجة والمثيرة للضحك والاستهزاء، أو تلك التي خاطبت أوضح وأشهى الرغبات الإنسانية، السُلطة والثروة والشهرة، أي النجاح بمعايير العصر الحديث.

سيرة بنجامين فرانكلين

في مطلع القرن التاسع عشر ظهرت بعض كتب السيرة الذاتية عن عصاميين بدأوا من الصِفر حتّى بلغوا ذروة النجاح، ويُقال إن السيرة الذاتية لبنجامين فرانكلين هي الجد الأوّل لهذا النوّع من الكتب، وتحفل تلك السيرة بالحكم والمواعظ الأساسية لكل من يريد أن يحقق الثروة والمجد، من قبيل (نم مبكرًا واستيقظ مبكرًا، تنعم بالصحة والثروة والحكمة - لا ربح بلا كدح). وصارت هذه هي الحكاية الخرافية لعصرنا الحالي، بدايةً من بنجامين فرانكلين وصولًا إلى الحاج عبد الغفور البرعي في مسلسل" لن أعيش في جلباب أبي".

ثمّ تدّفق سيلُ المؤلفات التي تحمل روشتة النجاح المؤكّد وخطوات الوصول للقمة. يدّلل كاتبها في أغلب الأحيان بتجربته الشخصية على صدق وفعالية خلطته السرية، إلى أن وصلنا إلى النماذج الأشد صفاءً وربما فجاجة، من قبيل د. إبراهيم الفقي وأنتوني روبنز. ويبدو الأمر أحيانًا وكأنَّ التحقق وإشباع جميع الإمكانيات في الإنسان وبلوغ القمّة قد تحول إلى أركان ديانة عصرية، المال إلهها ورجال الأعمال أنبياؤها والمؤكّد أن كهنتها هم مدربو التنمية البشرية الواقفون على بوابات الفردوس.

خارج أسوار تلك الجنة يهيم آلاف المشردين ممن أفلست مشاريعهم الصغيرة أو طُردوا من وظائفهم توفيرًا للنفقات أو عجزوا عن تملق رؤوسائهم كما يجب، رغم حِفظهم لإنجيل النجاح عن ظهر قلب. بعض جزّاري التنمية البشرية سوف يؤكّد بقلبٍ بارد أن المشكلة فيهم هُم أنفسهم، وليست في طبيعة الرأسمالية الضَارية أو الرمال الناعمة لحركة الأسواق.

على طريقة دكتور خَشبة

التقطَ الفن سريعًا المفارقات الواضحة والكوميدية أحيانًا في خطاب التنمية البشرية، ولم يتوانَ – بطبيعته الميّالة للنقد والفضّاحة للعيوب – عن توجيه سهامه اللاذعة نحو كل مَقتل ممكن لهذا المجال. الأمثلة عديدة وشهيرة بدايةً من الدور الذي لعبه الفنّان الراحل عبد المنعم مدبولي، د. خشبة الطبيب النفسي في فيلم "مطاردة غرامية"، وطريقته في علاج صاحب مشكلة قِصر القامة، بأن يردّد مرارًا وتكرارًا الجملة الخالدة: "أنا مش قُصيّر قُزعة، أنا طويل وأهبل!". المطلعون على أدبيات البرمجة اللغوية العصبية سيعرفون أن هذه طريقة معروفة ومعمول بها، وهي طريقة الإيهام أو الإيحاء الذاتي بتكرار عبارات توكيدية معينة. عنصر السخرية اللاذعة هُنا هي رغبة الطبيب وزبونه أن يتغلّبا بالإيحاء على مسألة لا تبديل لها، وهي قصر القَامة.

قد نتذكّر أيضًا فيلم "علي بيه مظهر والأربعين حرامي"، ومشهد نهايته فقد ظلّ متمسكًا بكتابه المقدّس (كتاب كيف تصير مليونيرًا، أو شيء من هذا القبيل) حتّى بعد أن أصابه الجنون وصار متشردًا يوزّع أوراق قمامة - يتخيلها نقودًا - على الناس في الشارع.

من فيلم "علي بيه مظهر والأربعين حرامي"

حتّى المجتمع الأمريكي، أكبر منتج ومُستهلك لسلع التنمية البشرية، لم يألُ جهدًا في أعماله الفنية في تعرية هشاشتها وسُخفها، يحضرني الآن على الأقل فيلم American Beauty (1999)، وشخصية كارولاين زوجة ليستر (كيفين سبيسي)، ومشهدها وهي تستعد لبيع أحد المنازل في سياق عملها كوكيلة عقارات، أو مشهدها قرب النهاية وهي تستجمع نفسها لكي تقتل زوجها، والعبارات التوكيدية التي ترددها وتسمعها من شريط كاسيت في السيارة، بمعنى أنها لن تقبل الهزيمة ولن تكون ضحية. لكن أليست ضحية؟ أليس الآلاف غيرها ضحايا أنوارٍ برّاقة وملونة لخطابٍ زائف وأكاذيب جذّابة، ضحايا مفاهيم تسهّل لعبة النجاح في غابة الحياة المعاصرة، وتحمّل مسؤولية عدم تحقيق أحلام الثراء والنفوذ على كاهل الفرد وحده دون سواه، دون أي اعتبار لأي عوامل أخرى؟


مسؤولية الزبون

جميعهم ينطلقون من الأمل، هو بضاعتهم الأساسية التي يروّجون لها، وربما تقود بعضهم رغبةٌ أصيلة في مساعدة الناس، ولا بأس من تحقيق بعض الأرباح أيضًا، التي قد تصل إلى حدودٍ خرافية أحيانًا.

جزء كبير من مشكلة مجال التنمية البشرية ينبع من طريقة الأداء التي يتّبعها بعض المدربين والتي تشبه بالفعل أساليب الدجّالين القُدامي في الموالد والكرنفالات الشعبية ممن يبيعون للناس الشَربة العجيبة التي تشفي من جميع الأمراض. غيرَ أن جوهر الخطاب ليس غائبًا عن معظم العقائد والفلسفات القديمة. ما مِن عقيدة أو مدرسة فكرية إنسانية إلّا ودَعَت أتباعها بطريقتها إلى ترقية ذواتهم وتحسين شروط حياتهم. وسوف نجد أغلب مقولات التنمية البشرية في تلك المنابع الأولى، ربما بصيغٍ أعم وأقدم، وفي بعض الأحيان أعمق وأكثر تحفيزًا للفِكر الإنساني.

ربما لهذا السبب كثيرًا ما يتماهي الخطاب الديني بخطاب التنمية البشرية، ويقف بعض الدُعاة الجدد على الخط الفاصل بينهما، مثل عمرو خالد أو مصطفي حُسني، وغيرهما كثيرون من قبل بين صفوف رجال الدين المسيحي ممن وضعوا مؤلّفات ذات صبغة دينية مسيحية، هي في الحقيقة أقرب ما تكون إلى مجالات تنمية الذات. أذكر منهم الآن الأب جان باول اليسوعي، الذي ترجمت له كتبٌ كثيرة، لا يمكن تمييز موضوعاتها أو عناوينها عن جميع مؤلّفات التنمية البشرية، من قبيل "السعادة تنبع من الداخل"، و"فن التواصل". وهناك بعض الفلاسفة والأدباء الذين أسهموا في هذا المضمار بكتابات كثيرة، ذات طابع روحي واضح وإن لم يكن منتميًا إلى دين محدد، مثل فريدريك لونوار ومن كتبه "فن الحياة" و"في السعادة"، والأشهر على الإطلاق في هذا السياق الروائي البرازيلي باولو كويلو ومن كتبه "مكتوب" و"محارب النور".

جميعهم ينطلقون من الأمل، هو بضاعتهم الأساسية التي يروّجون لها، وربما تقود بعضهم رغبةٌ أصيلة في مساعدة الناس، ولا بأس من تحقيق بعض الأرباح أيضًا، التي قد تصل إلى حدودٍ خرافية أحيانًا. أغلبهم لا يبدعون جديدًا ويكتفون بإعادة تدوير الحكمة القديمة، بعد صقلها وإعادة صياغتها.

جزء من مسؤولية الصفقة يقع بلا شك على عاتق الزبون نفسه، مَن يشتري البضاعة الفاسدة ويواصل شرائها مرة بعد أخرى حتّى ولو لم تقدّم له أي عَون في حياته. مَن يطيع الإرشادات دون أن يفكّر فيها ودون أن يلجأ لأسلحة العقل الأساسية؛ الشك والتدقيق والمُسَاءلة والتجربة. إذا امتنع الجمهور عن لعب دور ببغاء يردّد أي كلام يُلقّن له فسوف يفقد مئات الدجّالين سوقهم وتبخس بضاعتهم، عندئذٍ قد يتسعُ المجالُ للأصوات الصادقة التي لديها ما تعلّمنا إياه، سواءً عن سُبل الاستجمام أو كَسْب الأصدقاء أو معنى الحياة.