هوَس الأنجلوآراب: كلمات انجليزي وألحان عربي!

في روايته الومضيّة مُقشَعِرّات من مجموعته الروائية صِدام الحفريات، يُنطِقُ كريم الصياد الشيطانَ الذي يحتسي القهوة السويديّة بهذه الكلمات، في حديثِه مع البطل "لا تنسَ العربيةَ لأنها العجين الذي يربط أحجار مسجدي السيدة والحسين، لا تنس الإنجليزية لأنها لغةُ مَن لا لسانَ له، لا تنس الألمانية لأنها لغة الشيطان, لا تنس الفرنسية لأنها تصبغ الشفاهَ بلون الأحبّة المفضّل، إلخ".

يبدو أنّ الوصيّة الشيطانية بالإنجليزية لا داعي لها في إطار الوضع العالميِّ الرّاهن الذي ربما بدأ مع بداية القرن الأمريكي -القرن العشرين. عالميّة الإنجليزية بدأت مع التوسع الاستعماري البريطاني قبل هذا القرن بالطبع، لكنّ الأمر استتبّ لها تمامًا مع تربُّع الولايات المتّحدة على قِمّة العالَم سياسيًّا وعسكريًّا، وغزو هوليوود عقول وذوائق الجنس البشري. لذلك يصعب أن نتعجّب مثلاً لأننا نعرف النسخة الإنجليزية من أغنية Super Trouper لـ ABBA الفريق الغنائي الأشهر في تاريخ الموسيقى السويدية (مواطني شيطان رواية كريم الصياد فيما يبدو)، ولا نعرف أنّ هناك نسخة بالسويدية، اللغة الوطنية للفريق.


لم يعدم التاريخ الغنائي الحديث للعرب محاولاتٍ متباينة الحظوظ من النجاح والشهرة لصناعة أغنيةٍ إنجليزية. فكما أنَّ الإنجليزية في حديث الناس كفيلةٌ بأن تجعل متحدثَها مواطنًا عالميًّا بدرجةٍ ما، فكذلك هي في الأغنية، تمنح صُنّاعَها نقطةً إضافيّةً في رصيد ترشُّحِهم لمصافّ الفنانين العالميين.

لم تَفُت محمد عبد الوهاب هذه الملاحظة، فأدلى بدَلوه ولحّن لسمير الإسكندراني أغنية Never Let Me Go من كلمات ريتا شكري.


الكلمات بسيطة، متأرجحة في الوزن العَروضي في السطرين الأولَين بين الإيامبي خماسي التفعيلات Iambic pentameter والتروكي السداسي Trochaic hexameter، تشبه ما اعتاد فرانك سيناترا مثلاً – وهو القريب في طبقة صوته المتوسطة (باريتون) من سمير الإسكندراني - أن يُغنِّيَه .. مونولوج يقدِّمه رجُل لحبيبته: "Dear don't you know/ How much I love you so?!/ Hold me, hold me close to you and never let me go".

اللحن في سُلّم صغير هارموني -مقام نهاوند حجازي- القريب من الذائقة الغربية بالطبع، ويعطي عبد الوهاب الصولو الأول في الجملة اللحنية الأساسية للجيتار الكهربائي، يصاحبه الأكورديون مصاحبةً متقطعةً Staccato و يظهر الباص Bass واضحًا أثناء غناء جملة "Hold me close to you" حيث يصعد الإسكندراني السُّلّم ويهبطه الباص في نفس الوقت. بدأ عبد الوهاب اللحن بإيقاع ثُنائي أقرب إلى تنويعة على إيقاع البولكا Polka.

يتغير المقام أوّلاً في الكوبليه الثاني I must hold you in my arms إلى سُلّم كبير (مقام العجم)، ثُمّ يتبعه الإيقاع الذي يغيره (عبد الوهاب) إلى إيقاع مصمودي رُباعي مع جملة "Don't trot away, you are the only one". مصاحبة الناي للمذهب بعد هذا الكوبليه تعمّق الإحساس بشرقية الأغنية رغم الكلمات الإنجليزية.

وبالطبع لا يفوت عبد الوهاب أن يترك بصمة صوته في الأغنية حين يغنّي الجزء العربي في مقام النهاوند "ليه ساكت ليه؟ عايزني أقول لك إيه"، ثم يسلّم الإسكندراني دندنة الجملة اللحنية الأساس "Lai lai lai lai" ليختم موسيقار الأجيال بنفسه الأغنية بالآهات الشرقية التي يحفر بها درجات سلّم النهاوند إلى أعماقها. لا يفوتنا افتتان الإسكندراني بآهات عبد الوهاب، المسجَّل في شريط الأغنية بقول الأول "يا حبيبي"!

مغامرة عبد الوهّاب محسوبةٌ في الأغنية، حيث البصمة المصرية تُطِلُّ من خلال التنويعات الإيقاعية الشرقية والآلات الشرقية وصوته مغنِّيًا الجزء العربي.

أمّا كريم شكري فقد خطا خطوةً أوسع في هذا الاتجاه حين قدّم أغنيتَه – التي تلقفَها سمير الإسكندراني أيضًا فيما بعد – Take me Back to Cairo. وبالطبع فإنّ توزيع العظيم أندريا رايدر - أو أندريا أناجنوستو وهو اسمه اليوناني - أسهم بشكلٍ كبير في تفرُّد هذه الأغنية.


استهلّ الأغنية باقتباس الجملة اللحنية الأساسية في الأغنية التراثية يا نخلتين في العلالي في مقام الهُزام المستقِرّ على درجة مِي -نصف بيمول، يعزفها الناي في توهُّج كامل بمصاحبة إيقاع ديسكو رباعي، ثم تحدث النقلة المقامية عند درجة صول –التي تعتبر (وسَط) مقام الهُزام Mediant و(غَمّاز) مقام النهاوند المستقرّ على (دُو) Dominant– إلى النهاوند الكُردي (سلم صغير طبيعي natural minor scale). وهنا يدخل صوت كريم شكري صادحًا بإنجليزية أمريكية فصيحة.

Take me back to Cairo

Beside the river Nile

My heart belongs to Cairo, Oh Cairo

Where I have found my smile

Take me back to Cairo

Beneath the silver moon

I left my heart in Cairo, Oh Cairo

The day I heard this tune

وهنا يتسلّم كُورَس نسائي الغناءَ في الهُزام من جديد ليغني الجملتين الأساسيتين من "يا نخلتين في العلالي"، ثُمّ يتسلّم منه كريم الغناء في مقام الحجاز كار Double harmonic major scale ذي الصبغة الشرقية الواضحة دون وجود ثلاثة أرباع التون، وهو تصرُّف موسيقي لا ندري هل يعود الفضل في اختياره إلى كريم شكري أم أندريا رايدر، لكنّه على كلّ حال كان موفَّقًا جدًّا كمُعادل مقامي قابل للهرمنة harmonization لمقام الهُزام – أشهر فروع مقام السيكاه الشرقي - مقام "يا نخلتين" الأصلي ذي ثلاثة أرباع التون، المستعصي على الهرمنة. وفي الحقيقة، فإن هذا الاختيار مثَّل قنطرةً آمنةً تعبر فوقها أذن المستمع الغربي إلى المذهب Refrain في مقام النهاوند الكردي مرةً أخرى.

الكلمات وافرة الحظّ من التخييل الشاعري، كما أنها اطَّرَدَت في وزن عروضي واحد هو الإيامبي iambic (وهو الوزن الذي اختاره شيكسبير لمسرحياته الشِّعرية بالمناسبة)، سداسي التفعيلات في كوبليهات وثلاثي في المذهب. يبقى أن تصوير الأغنية كان دِعائيًّا بشكلٍ واضحٍ جدًّا، أقرب إلى كُتَيِّبات (اعرف بلدك) التي كانت تُصدِرها هيئة الاستعلامات لتنشيط السياحة في تلك الفترة من الستينيات وحتى الثمانينيات.

امتازت مغامرة كريم شكري – أو جين ظَلُّوم وهو اسمه الحقيقي – بالرهان على دمج المقامات قريبة المأخذ إلى المتلقي الغربي النهاوند الكردي والحجازكار بمقام شرقي قُحّ هو الهُزام، وإن كان قد استعار الأخير من أغنية تراثية. كما جاءت كلماته شِعرًا حقيقيًّا جديرًا بأن يُقرأ وحدَه بعيدًا عن الموسيقى.

أمّا فريق "عائلة بندلي" اللبناني فقد لعب لعبةً أغرب في أغنية "بتحبيني؟" "?Do You Love Me".


هنا الكلمات من أول الأغنية إلى نهايتها إنجليزية. المَطلَع في السطرين الشعريين.

Thinking about the guys who made only troubles

They ignore what they are doing!

أقرب إلى أن يكون ترجمة لكلام عربي على لسان مطرب شعبي مصري يشكو أفعال الناس. عروضيًّا، يندرج السطران تحت وزن التروكي Trochaic لكنّ هذا لا يستقيم تمامًا في بقية الأغنية. وهذه الحالة الشعبية في الكلمات واكبَها اللحن تمامًا، حيث يغنّي مطرب الفريق (روجر بندلي) في مقام الصَّبا الحزين متحررًا من الإيقاع Ad Lib كما في الموّال الشعبي، يصاحبه الجيتار الكهربائي مقاربًا هذا المقام الشرقي الخالص بمقامٍ قريبٍ منه هو صَبا زمزمة خالٍ من ثلاثة أرباع التون. ثُمّ يدخل إيقاع المقسوم بعد أن يغني روجر جملة الأغنية الأساسية:

?Do You Love me

اللافت في أداء روجر والفرقة هو الإخلاص التام لطريقة الأداء الشرقية في هذا الجزء من الأغنية، حتى أنّه يضيف الهمزة إلى الفعل الإنجليزي المساعد ليتسنّى له التطريب في جنس مقام الصَّبا فيقول "أَدُو دُّو يُو .. أَدُو دُّو يُو؟!"، وحتى أنّه يُطيل كثيرًا في درجة فا قُرب نهاية هذا الجزء بينما يمد الفعل "Dooooooo!".

بعد هذا تتخلص الفرقة من هذا الأداء تمامًا إلى الشكل الغربي للأداء إيقاعًا ونغمًا فيتحول اللحن إلى السلّم الكبير حين يبدأ روجر المقطع.

And when I go on a summer day

ويسمح لنفسه بأداء هارموني متوافق مع غناء الكورَس، ليختِم هذا المقطع بالعودة إلى الصَّبا من جديد، وهكذا في تبادُل مقامي وأدائي خلاّب بقَدر ما هو مجنون ولا يحفِل بأي تصورات مسبَّقة عمّا يجب أن يَكونَه غناء الكلمات الإنجليزية!

ختامًا، فإنّ تجربة (عائلة بندلي) الفريدة التي ذهبَت أبعد مما كان يمكن أن يتوقعَه موسيقار الأجيال عبد الوهاب وقعَت بالطبع في مأزق الأثر الكوميدي الصارخ لغناء هذه الكلمات بتلك الطريقة! لكنها تظلّ تجربةً مجنونةً جديرةً بالتوقف عندها. ويُخَيَّل لي أن أجيالاً من العرب مزدوجي اللغة والثقافة الموسيقية ينتظرون تجارب مغامِرةً أخرى تنتمي إلى هذا النوع الصارخ من الجنون، فهو على الأقلّ يلبّي حاجةً واعيةً - أو لا واعيةً – أتصور أنه يجب احترامُها لدى هذه الأجيال - للرقص على كل الحِبال الممدودة شرقًا وغربًا، ربما يكون في هذا حَلٌّ لا يتصوره أحدٌ لأزمة الهُوِيَّة! رُبَّما!