قص ولصق لأطفال يشاهدون الكارتون - برخصة المشاع الإبداعي من The Student News Site of Huntington Beach High School

قنوات الأطفال المصرية: بضاعة أتلفها "التجاهل والفقر"

منشور الثلاثاء 28 ديسمبر 2021

في عام 2017 دشن مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي حملة لدعم قناة أطفال فضائية حُجبت خلال حملة موسمية من مباحث المصنفات الفنية على القنوات غير المرخصة التي تعرض محتوى لا تملك حقوق بثه. عادة لا يهتم الجمهور بأي من القنوات التي يتم حجبها، لكنهم افتقدوا قناة ميكي، دونًا عن باقي قنوات الأغاني والمنوعات والأفلام المسروقة.

لاقت الحملة رواجًا في وقتها، وبدأ المتضامنون في تدوين عبارات تستعيد ذكريات حفزتها أفلام التحريك المدبلجة التي كانت تُبث على ميكي طوال اليوم رغم رداءة النسخ المعروضة منها، وفي الوسط من ذلك كله، برز سؤال حول عدم وجود قناة أطفال مصرية متخصصة تنافس قنوات الأطفال ذات الإنتاج العربي والدولي، أو على أقل تقدير تقدم محتوى للطفل المصري وسط كل ما يقدم، في ظل تراجع اهتمام التلفزيون المصري بالأطفال، واستحواذ منصات المشاهدة الإلكترونية على المساحة الأكبر من اهتمامات وتفضيلات ذلك الجيل الناشئ. لكن السؤال الذي يعكس رغبة عميقة تراود كثيرين، لم يجد إجابة في وقته وما يزال.

أطفال الجزر المنعزلة

هيثم السيد، صاحب مشروع عربية الحواديت، وهو مشروع للقراءة موجه للطفل، يرى أن حضارة وتاريخ دولة مثل مصر يجعلها بحاجة لمنصة إعلامية تخاطب أطفالها الذين من حقهم أن تكون لهم شاشة تمثلهم وتخاطبهم وتعبر عن ثقافتهم وأحلامهم. ويقول للمنصة "إن الحديث عن مشروع قناة أطفال مصرية بالنسبة لي يأتي على الجرح كما يقولون، فطوال الوقت يشغلني هذا الأمر، وأراه ضرورة ملحة. يجب أن توضع خطة كبيرة لتنفيذه ليخرج بالشكل الذي يناسب أطفال اليوم، والاستعانة بالمبدعين المصريين وهم كثر في الكتابة والرسم والتحريك. يجب أن تسعى المؤسسة المصرية إلى إنتاج محتوى للطفل المصري. أو إلزام شركات الإنتاج بكوتة سنوية من إنتاجها يقدم للأطفال، والاهتمام بالمسابقات والفعاليات لأعمال الطفل، من مهرجانات سينما وقراءة وعلوم، تحفزهم على الإبداع".

ويصف السيد المحتوى المصري المقدم للأطفال، إن وجد، بالفقر الشديد، كما أن المحتوى القديم رغم متعته، لا يمكن الاعتماد عليه منفردًا بسبب اختلاف العصر ومفرداته ومشكلاته، لذا لم يجد الطفل المصري أو الأسرة خيارًا آخر "سوى التوجه لقنوات عربية وأجنبية ربما بعضها غير مناسب ويؤثر بالسلب على هوية أطفالنا وثقافتهم" على حد قوله.

صاحب السيارة التي تتنقل بين الأقاليم المختلفة وتوزع قصصًا مصورة على الأطفال وتنظم لهم ورشًا مختلفة الأنشطة، يرى أن مشكلة المحتوى الذي تنتجه كيانات غير عربية في أنه يقدم محتوى "ربما لا يناسب ثقافة الطفل العربي ومكونه الفكري والعقائدي والاجتماعي"، بخلاف أن تعرض الطفل للغة غير لغته "يؤثر في قدرته على التعبير والتواصل بلغته الأم مع محيطه، وعلى المدى البعيد يؤدي ذلك إلى انفصالية وعزلة للطفل عن مجتمعه ومحيطه"، حسب قوله.

العزلة عن المجتمع هي ما جعلت عمرو عبد الرحمن (47 سنة)، الذي يعمل في التجارة، خائفًا على ابنه عبد الرحمن (6 سنوات)، لتعوده حتى هذه السن التحدث بمفردات غير الدارجة معه ووالدته في البيت، يحكي عمرو للمنصة عما اكتشفه "بدأ الأمر باستخدام كلمات مثل (السيارة) و(هيا بنا) و(انظر يا أبي) وكنا نضحك أنا ووالدته في البداية ونجاريه في الأمر، لكن لمن نكن نتوقع أن يستمر الأمر حتى سن وصوله للمدرسة، ما دفعني لاستخدام وسائل أخرى للتواصل والتعليم واختيار المحتوى الذي يشاهده، لا سيما وهو لم يذهب إلى حضانة بسبب كورونا، ولا يتعامل مع أطفال في سنه لسكننا في مدينة جديدة، والأهل والأقارب في الصعيد، فحتى أطفال العائلة محروم من التعامل معهم".

عاد عمرو لمشاهدة المحتوى القديم من أغاني ومسلسلات وأوبريت من إنتاج التلفزيون المصري قبل ربع قرن وأكثر، وبدأ في الدخول لعالم أفلام الكرتون على الإنترنت، الذي يفضله عن قنوات التلفزيون، لاختيار ما يناسب طفله، فاكتشف أن ما تعرض له ابنه أقل ما يمكن التعرض له وسط كم المحتوى الغريب و"الخطير" على الإنترنت، الذي يمكن أن يصل إليه الطفل عن طريق مقترحات المواقع والمنصات. يقول"وجدت بعض المحتوى أفلام ومسلسلات كرتون دموية جدًا، والبعض الأخر أعمال كلاسيكية أعيد دبلجتها بلهجات وطريقة كلام مبتذلة جدًا، ولم أجد أمامي سوى القنوات التعليمية وقنوات العلوم، حتى عثرت بالصدفة على قناة مدرستنا، على موقع يوتيوب، التي وجدتها تناسب ابني مع بداية دخوله للمدرسة، لكنها قناة تعليمية لا تفي بالغرض كله، فعدت لاستخدام القصص المصورة والحكايات وأفلام ومسلسلات الكرتون المدبلجة بلهجة مصرية".

مع الشارع ذلك أفضل

"يبدو أنه كتب على مواليد الثمانينات والتسعينيات من القرن الماضي، ضمن ما كتب عليهم، أن يكونوا أخر الأجيال التي تربت وكبرت على مشاهدة الأعمال المصرية الدرامية والفنية الموجهة للأطفال في التلفزيون المصري"، تعلق إلهام الجمَّال الكاتبة والصحفية على ندرة الأعمال الموجهة للأطفال اليوم، وهي أم لطفلتين تبلغان من العمر أربع وست سنوات.

تقول للمنصة "كنا محظوظون بمستوى وكم الأعمال من مسلسلات وأغان وبرامج راقية وعصرية، ظلت تذاع وتعرض على القناتين الرئيسيتين الأولى والثانية، بانتظام واهتمام مستمرين، بالإضافة لعرض أعمال ديزني من أفلام الكرتون الكلاسيكية التي تربت عليها أجيال سبقتنا طوال قرن كامل مضى، قبل أن يتحول كل ذلك إلى نوستالجيا طفولة أجيال كبرت وصارت اليوم آباء وأمهات يقع عليهم عبء تربية طفل واختيار ما يشاهده في القرن الواحد والعشرين".

الجمَّال تختار لطفلتيها ما تشاهدانه بشكل شبه كامل، ولا تثق في محتوى أغلب القنوات الفضائية، لحرصها على أن تكون قنوات معرفة طفلتيها مصرية، وعادت لمشاهدة أغلب المواد القديمة من أغاني وأوبريت ومسرح عرائس قدمها التلفزيون المصري في الثمانينات والتسعينات، وتولي اهتمامًا خاصًا بقراءة القصص المصورة لبناتها. ترى أنهما ما زالتا صغيرتين على استخدام الإنترنت واليوتيوب بمفردهما.

خبيرة التربية المصرية مروة رخا، كان لها رأي آخر في مسألة ما نقدمه لأطفالنا من محتوى، حيث تميل لترك الطفل يتعامل مع الطبيعة أكثر ومع الناس في الشارع، ويعرف قيمة النباتات والأشجار والرفق بالحيوانات، أكثر من الاهتمام بحشو عقولهم بالمواد التعليمية والترفيهية عبر المشاهدة عبر شاشة. وتقول للمنصة "لا أؤمن بما يسمونه قنوات أطفال، فعالم الأطفال لا ينفصل عن عالمنا، ويشاهدون ما نشاهده ويقلدوننا، فيجب مراعاة ما نشاهده معهم واختيار المناسب لنا جميعًا. ولا يجب الضغط على الطفل لمشاهدة ما يناسب ميولنا وأفكارنا، فالطفل ينفر من تلك الأساليب ولا تأتي معه بنتيجة".

وتشير رخا إلى أن التربية الحديثة تهتم أكثر بالمشاركة وتفاعل مع الطفل مع محيطه، وعلينا تهيئة ذلك العالم له، "هذا هو دورنا، وليس تشكيله كما نريد. وعلينا احترام عقله ورغباته. تربية طفل سوي لا تحتاج البرامج والترفيه فقط، علينا الاهتمام بالحدائق والمتنزهات، وترك الأطفال للاسكتشاف والتعلم بالتجربة، هذا ما يجعله متفوقًا ومستمتعا في نفس الوقت"، حسب قولها.

وتجد خبيرة التربية مفارقة من تخوف الآباء والأمهات على أطفالهم من عدم مشاهدتهم أفلام كرتون مثل أقرانهم، خشية أن يكون طفلهم مختلفًا، ويحرصون في الوقت نفسه أن يفعل مثلما يفعل أطفال العائلة أو الأصدقاء. قائلة "يجب أن نشجع الاختلاف في ميول أطفالنا، واعتبار هذا ما يميزهم، لا أن يكونوا نسخًا من الآخرين".

 

اللقاء الأول بين باظ يطير وودي من فيلم حكاية لعبة


كذلك يؤكد الكاتب الصحفي، وأستاذ الإعلام، محمد فتحي، صعوبة تحديد نوع المحتوى "دون تحديد الشريحة التي سأحدثها من الأطفال، فكل شريحة لها موضوعاتها ومعارفها وسماتها النفسية، ومرحلة قبل المدرسة مثلًا تميل للتعليم الترفيهي أو الـ edutainment ومع مرور الوقت ومع التقدم في العمر تتغير الاهتمامات والأساليب وفق كل مرحلة عمرية".

ويضيف فتحي للمنصة "إن مسألة وجود قناة مصرية للأطفال قضية أمن قومي، فالاستثمار في عقول الأطفال هو الأهم والأخطر"، ويضيف"الطفل المصري مجبر على الارتباط بالقنوات الأجنبية، أو العربية المدبلجة، وبعض القنوات تقدم محتوى غير تربوي، مثل قناة نيكلوديان بالعربية مثلًا. أضف إلى ذلك أن بعض التيارات فطنت لأهمية لأمر، فوجدنا قنوات أطفال تابعة لحزب الله، تزرع مفاهيمه، وكذلك قنوات الأناشيد، التي ظاهرها تعليم الحروف والأرقام وباطنها الاستخدام السياسي. ناهيك أيضًا عن أهمية تقديم منظومة القيم المصرية بالواقع والتراث المصري في قناة لها خصوصيتها تعيد تشكل هوية جيل مُتشظ يجب أن يعرف جذوره وهويته".

مشيرًا إلى أن "بعض المحتوى القديم لا زال يصلح، فنحن جيل يشاهد حتى الآن توم وجيري ويقرأ قصصًا كتبت قبل عشرات السنوات، والفكرة الجيدة لا تشيخ أبدًا، لكن الوسيط والطريقة يجب أن تتغير لتلائم طفلًا أصبح عالمه في كف يده يديره كما يريد ويختار ما يتعرض له من خلال هاتفه المحمول، هنا يجب أن يتدخل أحد بمعايير العصر".

بضاعة أتلفها "التجاهل والفقر"

كل ذلك يؤكد صعوبة صناعة محتوى للطفل المصري، حسب أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، لكنه يشير إلى وجود كوادر إعلامية وتربوية وفنية قادرة على تنفيذ المشروع "أولئك الذين يرونه حلمًا حقيقيًا يجب عليهم المشاركة فيه، يشاركون فيه بعيدًا عن الاستغلال السياسي لقنوات الأطفال. ويجب الاعتراف أننا لدينا مشكلة أخرى في تقديم برامج الأطفال، وهي عدم وجود الكادر المؤهل بحق للتعامل معهم، وعدم وجود الرعاية الإعلامية من الدولة لهذه البرامج التي أصبح الحديث عنها لمجرد ذر الرماد في الأعين دون نتيجة حقيقية، ودون استمرارية تجعلنا نؤكد أن هناك مشروعًا يحدث".

من ناحية أخرى، يرى فتحي، أن هناك إهمال حقيقي، ربما بعدم وعي حسب وصفه، من الإدارة الإعلامية في مصر فيما يتعلق بمشروع الطفل، ويقول "مهما كانت هناك إرادة يصرحون بها بين الحين والآخر، لم يرق الأمر حتى الآن أن نصفه بالمشروع قيد التنفيذ حتى، فقط يتم اختزال المحتوى في برنامج رمضاني لا أكثر ولا أقل، ولا يعطى الإمكانات اللازمة لنجاحه، بحجة عدم وجود إعلانات، وهذه حجة ساذجة".

رغم إيمانه بضرورة وجود قناة مصرية خالصة موجهة للطفل المصري، يقول سيد خليل إبراهيم، مخرج بقطاع قنوات النيل المختصصة - قناة العائلة، التابعة للهيئة الوطنية للإعلام، للمنصة "بالتأكيد هناك فقر في تقديم محتوى خاص بالطفل المصري، أحد أسباب ذلك ارتفاع تكلفة الإنتاج دون عائد من الإعلانات يتناسب مع هذه الكلفة، لذلك يعزف المنتجون عن هذا المنتج".

ويضيف "ليس عيبًا أن يتعرف أولادنا على العالم من حولنا، لكن الخطر في التعرض لهذا المحتوى دون وجود محتوى مصري في المقابل يحميهم من أخطار التعرض لأفكار غريبة عنهم". ويعطي مثالًا بحجم التأثير الذي أحدثته الأعمال المصرية القديمة على أجيال كاملة في مصر والدول العربية، "زمن القوة الناعمة للتلفزيون والسينما المصرية، لكن اليوم أطفالنا يتحدثون بلهجات عربية خليجية أو شامية لتأثرهم بما يشاهدونه".

 ويأسف المخرج بقناة أطفال مصرية "أننا تركنا أولادنا عُرضة لعوالم مختلفة سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة أو قنوات تلفزيونية تقدم محتوى يتماشى مع هوياتها وأهدافها المستقبلية، تاركين الساحة كاملة واعتزلنا هذا المجال، رغم ريادتنا لسنوات طويلة وسيطرتنا الكاملة فيه".

المستهلك الأكبر في العائلة

لكن الكاتب الصحفي والإعلامي محمد عبد الرحمن، يختلف مع سيد خليل فيما ذهب إليه من أن قنوات الأطفال لا تدر أرباحًا لملاكها، ولا تجذب الإعلانات، ويقول للمنصة "اعتبار قنوات الأطفال لا تدر أرباحًا حق يراد به باطل كما يقولون، فالأطفال أكثر فئة مستهلكة ولا يوجد بيت مصري يخلو من الأطفال واحتياجاتهم التي تعرض باستمرار".

مضيفًا "بالنظر إلى تأثير الأعمال القديمة على مختلف الأجيال ستتأكد من نجاح محتوى الأطفال، لكن الأمر يحتاج إلى تقديم محتوى ضخم ومتنوع ومبهر، و الإنتاج الضخم بسخاء للاستثمار طويل الأجل في قناة أطفال حقيقية وعصرية، وليس مجرد عرض أفلام الكرتون والبرامج التقليدية. وقتها ستبدأ القناة جذب المعلنين والرعاة، فحتى المؤسسات الدولية اليوم ترعى بعض برامج القنوات الموجهة للأطفال في الدول العربية، مثل اليونسيف التي ترعى برامج وقنوات أطفال عالمية".

حسب الخبير الإعلامي، كانت أخر تجربة للدولة في قنوات الأطفال عن طريق قناة العائلة، التي لم تصمد طويلا أمام الإنتاج الضخم لقنوات إن بي سي وسبيس تون وبراعم، على سبيل المثال. مقترحًا أن تبدأ الدولة أو الشركات الراغبة في الإنتاج للأطفال الاتجاه للمنصات الإلكترونية التي تجذب الأجيال الجديدة، ويمكن تقديم محتوى راق بتكلفة أقل من القنوات الفضائية، والتعاون مع المدارس لتعريف الأطفال بالمنصات والتعود عليها، مثلما تفعل قناة مدرستنا التابعة لوزارة التربية والتعليم.

 

إعلان على شبكة أون لموقع فارو لاند


قناتا مدرستنا، هي منصة مصرية تابعة لوزارة التربية والتعليم، تقدم برامج تعليمية متطورة للمناهج، للمرحلتين الابتدائية والإعدادية، بالإضافة إلى البرامج الترفيهية والعلمية مع الأطفال والأسرة، بين مختبرات العلوم والمتاحف والحدائق العامة والمدارس، وقد لاقت المنصة إعجاب ومتابعة الكثيرين، بسبب بعض البرامج التي شارك فيها تقديمها فنانين مصريين، مثل أحمد أمين في برنامج الفاميليا.

لكن منصة أخرى إلكترونية تهتم بالطفل لم تجد الفرصة الكافية لنشر خدماتها، ففي عام 2017، الذي هو للمفارقة عام حجب ميكي، استبشر البعض خيرًا بالإعلان عن ظهور قناة على يوتيوب بعنوان فارو لاند، كأول قناة أطفال مصرية خاصة تقدم محتوى مصري مائة بالمائة، كما صرح المسئولون عنها آنذاك، لكن اختفى المشروع تمامًا، ولم يظهر للنور، بل تم حذف القناة من يوتيوب، ولم يتبق من الحلم سوى أخبار إعلان تدشين القناة.