فتيات يدرسن في إحدى القرى المصرية - Community Eye Health- فليكر برخصة المشاع الإبداعي

في سيرة التعليم النسوي المفقود في المدارس المصرية

منشور الأحد 28 أغسطس 2022

في بداية المرحلة الثانوية، كنتُ حالمةً "زيادة عن اللزوم". أدرس بإخلاص، لا من أجل الدرجات، بل كنتُ أشعر باللذة وأنا أتنقل بين فروع المعرفة التي تتخذ هيئة مواد الدراسة: فلسفة ومنطق، لغة إنجليزية، عربية، فرنسية، تاريخ. ومواد أخرى كنتُ أخشاها وأجد نفسي فيها بصورة أقل، كالإحصاء والجيولوجيا والحساب والجبر.

في بيتنا، لم تكن ثمة مكتبة، سوى واحدة للكتب الدينية تملكها أمي. حفظتُ ما فيها، وأنا بعد طفلة. في الثانوية زرتُ بيوت زميلاتي، من بنات الطبقة المتوسطة، من أجل الدروس، ونادرًا ما رأيتُ في بيوتهنَّ مكتبة. قبلتُ العالم على هذا النحو، تواسيني أحيانًا بعض كُتيبات أحمد خالد توفيق ونبيل فاروق، التي تُباع في المكتبة نفسها التي نشتري منها الكُتب والكراريس والأقلام المطلوبة للدراسة. في مرحلة متأخرة، أدخلَ صاحب المكتبة بضعة كتب مُغايرة، فكان منها عناوين لنوال السعداوي، لم أكن أجرؤ حتى أن أمسها أمام أمي، مثل المرأة والجنس، الرجل والجنس.

هكذا كنتُ مضطرةً للغوص أعمق فيما يكرهه الطلبة الآخرون: كتب الدراسة، لأنها الوحيدة التي تصل إليها يدي. أسميتُ العِلم "اللي في الكراس" علمًا، وانتظرتُ أن يفتح العالم ذراعيه لي عندما أكبر.

وصية أم لابنتها

رغم كل الإخلاص، لم يبق معي من دروس التعليم، على مدار الأعوام، سوى أقل القليل. في الإعدادية، لم أحب مثلًا قصة الصقر الجريح، التي كانت تتحدث عن مقاومة المصريين للاستعمار، لأني ولدت في نهايات القرن ولم أرَ الاستعمار سوى في التلفزيون. ولم تكن وا إسلاماه، خفيفة على قلبي؛ مشاهد القتل والأسر وبيع النساء والتهديد باغتصابهن، ثم اضطرارهن إلى الانتحار هربًا من احتمالات السبي، أصابتني بنوبات من الفزع والذعر، لم أكن أعرف كيف أتعامل معها.

ما فائدة تدريس الطالبات والطلبة مثل هذه القصص؟ لا أدري. وإن كان الهدف منها زيادة الحس الإسلامي، فلماذا لا تنتقل بطبيعة الحال إلى مادة الدين، علمًا بأن كتاب نصوص العربية يُدرس للمسلمين وغير المسلمين؟

في الصف الثالث الثانوي، أتاني التعويض على صورة مقاطع من كتاب الأيام، مذكرات طه حسين، أحببتُه بفضلها، ومازلتُ إلى الآن أذكر سطورًا ومشاهد منها.

صورة متداولة للوصية من أحد الكتب المدرسية

لكني أذكر أيضًا ارتباكي أمام أحد دروس اللغة العربية، كان عنوانه وصية أم لابنتها، لا أدري إن كان ما يزال يُدرّس في المدارس، (كنتُ في الثانوية العامة عامي 2005- 2006).

 كتبت النص أمامة بنت الحارث الشيباني التغلبية، وهي امرأة اشتهرت برجاحة رأيها وكانت موضع تقدير معاصريها، لما تزوجت ابنتها، أم إياس  من الحارث بن عمرو ملك كندة ابنتها أم إياس بنت عوف، كوصية "قيمة" لإرشاد ابنتها في معاملتها زوجها.

لكن ما القيّم الذي يمكن أن تتضمنه هذه الوصية؟ بمعنى آخر ما الأشياء التي ينبغي على الأم تقدميها لابنتها، في مناسبة مثل تلك؟ وماذا ينبغي نقله إلينا نحن فتيات وفتيان هذا العصر، من تلك الوصية، أي ما الذي يستدعي اختيارها من بين كل النصوص الأخرى؟

يتضح النص كله في الصورة لمن يريد الاطلاع عليه.

إن كانت الثانوية العامة، مرحلة التأهيل للجامعة والحياة العملية، فلا يمكن النظر إلى ذلك النص إلا باعتباره تمهيدًا لدور الفتيات والنساء الأسمى. وهو هنا ليس الزواج فحسب، بل الخضوع التام فيه. لم تتحدث الوصية عن حقوق الزوجة، في ذلك السياق التاريخي، وكأنها بلا حقوق، إنها خادمة أو ما شابه، وإلا فلماذا تلك النبرة التهديدية التخويفية في الوصية كلها؟ أكانت وزارة التربية والتعليم ترغب في تحويلنا إلى خادمات؟ ربما يُذكرنا النص بالكثير مما يردده داعية حديث كعبد الله رشدي، الذي لا يخرج في تصريحاته عن ذلك الخط.

وإن وضعنا في الاعتبار، مرة ثانية، أن الوصية تدرّس للجنسين، فلا داعي للكلام عن دور البنات كما سيفهمه رجال المستقبل، وكما سيطالبونهنَّ به "الخضوع له بالطاعة". المشكلة الكُبرى أن مُقرري الدراسة، لم يعطفوا النص على نصوص أخرى. لم يستعينوا بأي كتابة يمكن أن تقول شيئًا معاصرًا عن الحياة لكاتبة مصرية كانت أو عربية في كتاب الدرس العربي.

إن المؤلفين في الأغلب ذكور. الكاتبة الأخرى التي جاء الكتاب على ذكرها هي ولادة بنت المستكفي، أميرة وشاعرة من بيت الدولة الأموية في الأندلس، ابنة الخليفة المستكفي بالله. وكان لها مجلس مشهود في قرطبة يؤمه الأعيان والشعراء.

كنتُ أحب ولادة، بسبب بيتيها الشهيرين، كانت تُعجبني ثوريتهما، قبل أن أتمكن من استخدام هذه الكلمة المُحددة كوصف، هي التي قالت "أنا والله أصلح للمعالي/ وأمشي مشيتي وأتيه تيهًا/ أمكّن عاشقي من صحن خدي/ وأعطي قبلتي من يشتهيها".

لكني أتساءل اليوم، هل كانت ولادة لتحظى بهذه المكانة، في كتاب النصوص، إن لم تكن ابنة خليفة؟

مذكرات طبيبة

في الجامعة فقط، اكتسبتُ بعض حرية الحركة، فاكتشفتُ مكتبات الإعارة وشراء الكتب، في محيط وسط البلد. تعرّفتُ على ميّ زيادة، وكانت أول صديقة ثورية أحظى بها، سوانح فتاة، الكتاب الذي يُمكن أن تُدرّس منه مقاطع في الثانوية، بسبب سلاسة أسلوب ميّ وجماله وخفة الظل التي كانت تتحلى بها. ثم امتدت يدي للمرة الأولى، إلى كتاب لنوال السعداوي، فاشتريتُ من مكتبة مدبولي مذكرات طبيبة، الذي لم يكن يحمل في عنوانه كلمة جنس، كي لا تعترض أمي على دخوله البيت.

قرأتُ الصفحات الأولى، وأنا تحت تأثير عذوبة أسلوب نوال، صدقها، ومهارتها وهي تُعبر عن نفسها، عن أحلامها في الحُب والحياة. شعرتُ أني بدأتُ أجد الطريق المعكوس، من الغابة المُخيفة إلى البيت. شعرتُ أنه يُمكن أن يكون لي بيت، من هكذا كُتب رقيقة وتُعبر عني.

حين عرضتُ الكتاب على زميلتي آنذاك، وكانت من مُريدات عمرو خالد، رفضت القراءة. كانت تقول لي، كما سيقول لي دائمًا آخرون من النساء والرجال، إنها لا تُحب النسوية، ولا تستلطف خصوصًا نوال السعداوي. غير أنها رضخت لضغطي في النهاية، وقرأت الكتاب. كُنا في أيام امتحانات، منشغلات، ونحن طالبات كلية القمة، بالدرس الزائد عن "اللزوم"، هذه المرة من أجل الحفاظ على مكانتنا الاجتماعية والدراسية، وتحصيل التقديرات الأعلى، لكن هذه قصة أخرى.

المُهم أننا، هي وأنا، كُنا نتنقل بين تحصيل مناهج الكلية التي لا تمسّنا تمامًا استعدادًا للامتحانات، وكلمات نوال الحيّة، التي تسافر بين العقل والقلب. كُنا بدأنا نتعود هذا الازدواج، ونحاول أن نُحسِن استخدامه.

أحبت زميلتي الكتاب. وبعد سنوات طويلة من انقطاع علاقتنا، عندما تحدثنا، علّقت على شيء من المسألة، دون أن أطلب رأيها "بس أنا اكتشفت إن كان عندك حق، في حاجة غريبة في المجتمع ده فعلًا". فاجأني تصريحها، لأنها كانت من المُخلصات للأدوار التقليدية التي تحدثت عنها وصية بنت الحارث، لكن بتعديلات طفيفة، تسمح لها بهامش صغير ربما تُحقق فيه نفسها، ولا أظن اليوم أنها نجحت في تحقيق المعادلة.

أصدقاؤنا المثقفون

حصلتُ على دفعة ثانية في اتجاه النصوص النسوية، بالتحاقي بدبلومة النقد الفني والأدبي بأكاديمية الفنون، ليس لأن المعهد نفسه يُخصص مادةً مثلًا لدراسة تلك النصوص، بل فقط لأني التقيتُ هناك الكاتبة والمُترجمة الدكتورة سمية رمضان، التي ترجمت كتاب فرجينيا وولف الأشهر غرفة تخص المرء وحده، الكتاب الذكي الذي يسخر من طريقة تفكير الرجال في النساء عبر السنوات، ويشرح ضمنيًا كيف تم نزع الإنسانية عن النساء، بالتركيز على أدوارهن المنزلية، وإلغاء عواطفهن وأفكارهن كأنهن فعلًا أدوات لا بشر حقيقيين.

حرّضت فرجينيا النساء على الكتابة للتعبير عن أفكارهن وهواجسهن، فصار عملها مرجعًا يُدرّس في العالم كله. حرّضتنا بالمثل الدكتورة سمية على قراءة نصوص لكاتبات، لن أقول مجهولات لكنهن أقل حظًا في الشهرة، منهن أليفة رفعت التي قلبت كياني بقصتين قصيرتين.

مع الوقت، والقراءة، والبحث المُنظم والعشوائي عن نصوص مشابهة، تمكنتُ من وضع تعريف شخصي للنصوص النسوية، إنها تلك التي تستعيد فيها النساء أصواتهن، تلك التي يتحدثن فيها، ولا يتحدث أحدُ نيابة عنهن.

سوى أن فكرة النصوص النسوية كانت/ ما زالت تُغضِب الكثيرين، لا فقط من الذكوريين من محدودي التعليم، بل أيضًا المُثقفين.

عرفتُ على طول الأعوام، أن النصوص النسوية تُثير نقدًا شرسًا حتى في دوائر الوسط الثقافي. تعرّفت على كاتبات، أردن أن يتخلصن من هويتهن كنساء قبل الكتابة، كأنها عار، كي يُنتجن أعمالًا لا يمكن للقارئ أن يشك أن من كتبها امرأة، وبالتالي اتبعن طريقة الكتاب الرجال في وصف النساء وأجسادهن، وحاولن أن يتخذن المسافة الباردة نفسها التي يتخذها مُجبرين الكثير من الكُتّاب الرجال، عندما يتحدثون عن شخصياتهم النسائية، ذلك لأنهم ببساطة يجهلون النساء.

صورة لواجهة أحد متاجر الكتب في فرنسا

طريق طويل يمرّ بفرنسا

منذ فترة سافرت إلى فرنسا، وعندما دخلتُ المكتبات لأول مرة هناك، فتنني قسم الكتب النسوية. الكثير من تلك الكتب كان زهيد الثمن، صادر في طبعة جيب، يوازي ثمنها تقريبًا سعر سندويتش الكباب، أرخص الوجبات وأكثرها شعبية في فرنسا.

من المُعتاد أن تصدر الكتب الناجحة والمُهمة في طبعات الجيب هذه، وتُباع في كل مكان. أي أنها تبقى مُتاحة، ولا تُخفيها أو تمتنع عن بيعها المكتبات بسبب انخفاض سعرها مقارنة بالكُتب الأخرى، كما يحدث في المكتبات الكبيرة في القاهرة مثلًا.

عندما عبرت عن افتتاني بقسم الكتب النسوية في المكتبات الفرنسية أمام صديقتي الكاتبة أحلام الطاهر، التي كبرت وتعلمت هناك، أخبرتني أنه ليس في الأمر ما يُثيرها، وأنها درست معظم هذه النصوص (التي أعتبر أنا العثور عليها فتحًا مُبينًا) في مراحل التعليم المختلفة.

تتحدث أحلام "في الثانوية مثلًا، درسنا أعمال الكاتبة الشهيرة سيمون دو بوفوار، وماري دو جورناي، وجابرييل سيشون. في حصص اللغة الفرنسية درسنا أدوار الفرنسيات المنسيّات عبر التاريخ، وليس فقط الكاتبات بل أيضًا من الممرضات، والرسامات والمهندسات، ذهبنا لزيارات الأماكن التي عاشت فيها أولئك النساء". تواصل أحلام مُفاجأتي "في حصص التاريخ درسنا حقوق النساء، وحضورهن المتزايد في الحياة السياسية". درست أحلام أيضًا أعمال الكاتبة المُتمردة جورج صاند ذات التوجه النسوي، مع سيرة حياتها وسياقها التاريخي. هذه فقط بضع أمثلة، مما تكلمت عنه معي أحلام الطاهر.

هنا تذكرتُ وصية أم لابنتها، وبدأت أستعيد ما درسته طوال الأعوام، وكنتُ من قبل أعتقد بسبب تجربتي، أن التعليم ينبغي أن يكون رجعيًا فيما يتعلق بالنساء في كل مكان على وجه الأرض. عليّ أن أشير هنا، إلى أن المجتمع الفرنسي هو مجتمع رأسمالي وبطريركي، تتعرض فيه النساء للظلم كذلك، وما زلن يناضلن فيه لاكتساب المزيد من الحقوق.

أعرف أن الكثير من البيوت المصرية، تفتقد إلى وجود مكتبة، وأن ما يُدرّس في المدارس والفصول، يمكن أن يكون كل الكُتب التي يقرأها شخص ما، خلال عمره طال أم قصر. فما الذي تزرعه فينا مناهج التعليم؟ وما الذي يجب أن تقودنا إليه؟ الحرمان من المعرفة مسؤولية مَنْ؟ هل هناك طريق آخر غير الخضوع للزوج والصبر الذي لا ينتهي على الإهانة، أو رفض الرجل ومحاولة الهروب منه فالتعرض للقتل؟

 لا أدري، ولكن أرجو ألا تظل كلها أسئلة من دون إجابة.