- تصميم: أحمد بلال- المنصة

الحرفيون في مصر .. كيف تدهورت أحوالهم ولماذا؟

منشور السبت 10 سبتمبر 2022

قبل قرنين من الزمن كانت كل طائفة حرفية في مصر تقيم حفلة لتخريج كل عضو جديد فيها، تدعو إليها شيوخ المهن، ويقف من شهد له معلمه بالتمكن من حرفته، ليلقي قسمًا أمام الجميع بأنه سيتقن عمله، ويخلص له، ويؤدي دوره على أكمل وجه، ويصبح رجلًا نافعًا لمجتمعه، الذي ينتظر منه المساعدة.

كان هؤلاء الشيوخ يحافظون على هذا التقليد، ويبنون جسرًا من التواصل مع علية القوم، وأصحاب القرار، ويتدخلون لحل أي مشكلات يتعرض لها صبيانهم أثناء العمل، أو وهم يسعون في مختلف دروب الحياة.

استطاعت مصر بفضل هذا التقليد أن تعوض النقص التاريخي الذي تعرضت له مختلف الحرف والمهن، إثر قيام العثمانيين بعد احتلالهم مصر سنة 1517 بأخذ المهَرة منهم عنوة، ليساهموا في إعمار مدن السلطنة، التي كانت تعتمد في تمددها على القوة العسكرية وليس على أي عطاء حضاري أو عمراني.

وساح العمال المصريون في بلاد كانت واقعة تحت سلطان العثمانيين، ومنها تلك التي تنتمي الآن إلى أوروبا الشرقية.

وظلت الحِرف تحافظ على هذه المهارة عقودًا طويلة، لكنها لم تلبث أن مسّها الضرر، فانتقلنا من مشهد إلى آخر، يمكن أن نجلب حكايتين متداولتين للدلالة عليهما، الأولى في ثوب واقعة، والثانية في ثوب نكتة أنتجها واقع مؤلم.

والواقعة هي لمواطن قطري ظل مؤرقًا طوال الليل، وهو يتأهب لاستقبال سباك مصري صُبحًا، في بداية هجرة أهل الحرف إلى الخليج. كان الرجل يريد أن يرى كيف يعمل هذا الماهر القادم من أرض النيل، التي سمع كثيرًا عن تمكُّن حرفييها، بل عن ناسها أجمعين، وقت أن كانت جامعات مصر مفتوحة الأذرع لاستقبال طلاب بلدان الخليج العربية.

أما النكتة فحكاها لي أستاذ اقتصاد عراقي، "معروف عن الأكراد أنهم يتمتعون بقوة الجسد، فكان عمالهم يأتون إلى بغداد يجلسون على قارعات الطرق مع نظرائهم المصريين، لينتظروا جميعًا من يشير إليهم من طرف اصبعه ليأخذهم إلى أعمال في البيوت أو المزارع.

وفي يوم جاء رجل عراقي يرتاد سيارته، ووقف عن تجمعهم، فهرع كثيرون إليه، لكنه قال: أريد كرديًا. فما كان من المصري إلا أن قال له بسرعة خاطفة: أنا أعمل كرديًا من عشرين سنة". كان العامل المصري يظن أن "الكردي" ليست قومية إنما حرفة ما، ورغم أنه لا يعلم عنها شيئًا إلا أنه أراد القيام بها.

بين هذين المشهدين تبدل حال أهل الحرف في بلدنا من التمكن إلى الضعف، ومن الإحكام إلى التسيب.

هذا التبدل صنعته عوامل عدة تراكمت على مدار عقود من الزمن:

1. ضَعف المؤسسات التي تقوم على تدريب الحرفيين وتأهيلهم، سواء كانت رسمية مثل الجامعة العمالية، ومدارس التعليم الفني، أو غير رسمية ممثلة في الطوائف الحرفية، التي تميعت وذابت قواها مع الزمن.

كما أن أصحاب المصانع الحديثة لا يخصصون النفقات الكافية على التدريب والتأهيل. وهذا الداء أصاب أيضًا أصحاب الورش الصغيرة والمتوسطة، الذين لم يعتنوا بالحفاظ على ميلاد صنايعية مهرة، يسدون ما تطلبه السوق، رغم افتراض توسعها بفعل الزيادة السكانية التي تعني ارتفاع الطلب على أهل الحرف.

2. غلبة المظهرية على التحديث، بشقيه الاقتصادي والاجتماعي، ووقوع الناس في غواية إدراك خاطئ ينظر إلى الحرف نظرة متدنية، ويظن أن التعليم الجامعي المتعارف عليه بيننا، هو وحده السبيل إلى تحقيق التطور والتنمية.

3 ـ ما أحدثه الانفتاح الاقتصادي، الذي وصفه الكاتب أحمد بهاء الدين بسياسة "السداح مداح"، التي وإن فتحت باب رزق واسع لأصحاب الحرف، وعززت فرص صعودهم الاجتماعي، فهي لم تعتن برسوخهم المهني، فانضم إليهم سريعًا كل باحث عن مال.

وحاز هؤلاء بالفعل، في بداية الانفتاح، مالًا وفيرًا، قياسًا إلى أصحاب المهن من المدرسين والمهندسين والأطباء والمحاسبين وغيرهم. لكن تحصيل المال هنا لم يتناسب أبدًا مع تنمية المهارات والقدرات، بل اعتمد، في الغالب الأعم، على "الفهلوة".

وكان أثر الانفتاح واضحًا، فلفت انتباه المختصين في علم الاجتماع فأعدوا دراسات، وانعكس على الأدب، فرأيناه ماثلًا بقوة في قصة نجيب محفوظ "الحب فوق هضبة الهرم" التي عرضت فارق القوة المادية بين خريج الجامعة المفلس، والسباك المقتدر ماليًا، الذي قبلته الأسرة خطيبًا لابنتها الجامعية.

كما انعكس على السينما متجسدًا في فيلم "انتبهوا أيها السادة" الذي انتصر فيه جامع القمامة على أستاذ الفلسفة، فظفر الأول بخطيبة الثاني.

4 ـ فتح باب الهجرة إلى الخليج مع ضيق فرص العمل في مصر، وكان كثير من هؤلاء المهاجرين من الحرفيين المهرة، الذين جذبتهم السوق الخليجة الناشئة في سبعينيات القرن العشرين، وأغدقت عليهم بقدر ما لديها من وفورات مالية خلقها النفط.

لكن هؤلاء لا يمثلون القوة الغالبة، أو الأكثرية القادرة على النهوض بالاقتصاد المادي أو الحقيقي

5 ـ فتح باب الاستيراد بلا ضوابط، مما أدى إلى خروج حرف مصرية أصيلة من سوق المنافسة، مع جلب المستوردين لسلع بديلة بأسعار رخيصة، سرعان ما جذبت أنظار المستهلكين، واعتادوا عليها، وأداروا ظهورهم لمنتجات محلية، ظلت تتمتع لسنوات طويلة بصيت كبير.

وحين ضُيّق هذا الباب بغية توفير الدولار مع حاجة الدولة إلى تسديد ديونها المتراكمة، لم يفد الصناعات الحرفية المحلية، التي كانت تعتمد على جزء ليس بالهين من خط إنتاجها على الاستيراد.

6 ـ استيلاء الاقتصاد المركزي، الذي تهيمن عليه السلطة السياسية وتديره، في السنوات الأخيرة على الكثير من الحرف، ودمج أهلها في خطوط إنتاج جديدة حولتهم من أصحاب ورش، إلى مجرد عنصر إنتاج لغيرهم، بما قتل الحافز الفردي لديهم.

لا يعني هذا أن الحِرف انهارت كلية، إذ لا يزال بعض أرباب الصناعة وأصحاب الورش يدركون، من منطلق مصالحهم الخاصة، أهمية أن يخرجوا حرفيين مهرة، ويقدموهم للسوق كل يوم، لكن هؤلاء لا يمثلون القوة الغالبة، أو الأكثرية القادرة على النهوض بالاقتصاد المادي أو الحقيقي، من زاوية ما يوفره "الصنايعية" للدولة من مكنة على طريق التطور الصناعي من الورشة الصغيرة إلى المصنع الكبير.

وسأضرب في هذا مثلًا أعرفه جيدًا، يدل على أهمية أرباب الحرف في تلبية احتياجات المجتمع وتوفير المال للناس والدولة. ففي عام 2018 أصيبت سيارتي بعطب شديد، إذ كان محركها يلتهب كلما سارت مسافة قصيرة، فأخذتها إلى "التوكيل"، بعد أن قطعنا المسافة التي تبلغ ثلاثين كيلومترًا في ساعات، حتى لا تشب النار في المحرك.

وبعد أن دفعت ألفي وخمسمائة جنيه للكشف على السيارة، أبلغني المهندس أنها تحتاج إلى قطع غيار، وسألته عن تقديره المبدئي لأسعارها، فقال: تتراوح بين أربعين وستين ألف جنيه.

كدت أقبل، لولا إبلاغي أنه سيفك المحرك، ثم يحدد السعر النهائي ويخطرني به، وحال رفضي، لن يعيد تركيبه. أدركت أنه يضعني أمام أمر واقع، فأخذت سيارتي، وهاتفت أصدقاء فاقترحوا عليَّ ورشة بعيدة يمكن أن تحل المشكلة مقابل خمسة آلاف جنيه.

لكن بُعد المسافة، التي تشق على سيارة توشك أن تضطرم فيها النار، جعلني أهاتف سائق تاكسي من معارفي، فاقترح عليَّ ورشة لإصلاح "الرادياتير" كائنة تحت محطة مترو السيدة زينب، فذهبت على الفور.

أزاح الميكانيكي الغطاء، وغمس يده بين أجزاء المحرك، ثم أبلغني بشرخ في غطاء علبة ماء التبريد، ودائرته تحتاج إلى بعض التنظيف، وتكلفته أربعمائة جنيه. بعد أن انتهى الرجل من عمله، قلت له وأنا أشد على يده في امتنان: أنت وأمثالك ثروة قومية، لقد وفرت عليّ، بالتالي على بلادنا، أكثر من خمسة آلاف دولار (وفق سعر تلك الأيام)، كنا سنجلب بها قطع غيار من اليابان.

آتي دومًا على ذكر ما جرى لي، إن كنت في معرض الحديث عما يوفره لنا أهل الحرف المهرة، من مال وجهد وسكينة، لأرى، مع هذا وغيره، أن الحرف في مصر باتت في حاجة ماسة إلى خطة متكاملة ومدروسة جيدًا للنهوض بها، وهذا لن يتم بالطبع إلا إذا التفتت الدولة إلى الإنتاج، وقللت من سطوة الاقتصاد الورقي والريعي، الذي لم يأت لنا إلا بكل ما هو ضار ومفزع ومؤلم.

لا نريد أن نعود بالطبع إلى زمن الطوائف الحرفية، بعد أن تعقدت الحياة ومعها الصناعات والحرف، لكن على من يقومون على أمر اقتصادنا المكلوم أن يهتموا بالتعليم الفني، ويضعوا قانونًا نافذًا يفرض على أصحاب المصانع تخصيص جزء مناسب من أرباحهم للتدريب والتأهيل، ونطور إمكانيات الجامعة العمالية، وأمام الشباب العاطل نفتح الباب واسعًا.