هوس الشهرة على السوشيال ميديا. - تصميم: أحمد بلال - المنصة

هوس الشهرة.. جرعة زائدة في مجتمعنا

منشور السبت 17 سبتمبر 2022

في مجتمع الفرجة صار هوس الشهرة طافحًا؛ يرمي ثقله على حياتنا، ويملؤها بالوجوه العابرة، والثرثرة الفارغة، والأفكار المعلبة، والترديد الذي لا يؤدي إلى تراكم معرفة، والنقل الفاضح الذي لا يحتاج إلا إلى جهد يسير لاكتشافه، وكل هذا يتم في حالة من الاستعراض الفج، الذي ينفر منه كل ذي فطرة سليمة، وذوق جميل.

في السابق كان حائزو الشهرة في مجتمعنا عليهم أن يجتهدوا كثيرًا في سبيل تحصيل الذيوع، وكان أغلب هذا مستساغًا، والناس أجمعين يدركون أن بلوغ ذلك لا يعتمد على الترخص، ولا الابتذال، حتى لو كان من قبيل الرقص الشرقي، أو الألعاب الشعبية.

 أما الآن، ومع ثورة الاتصال، وظهور السوشيال ميديا، فقد انفتحت الفرص على مصراعيها لكل من هبَّ ودبَّ، وصار هؤلاء يربطون الفحش في القول والفضح في الفعل، بتحقيق شهرة في زمن يسير جدًا.

وما زاد الطين بلةً أن المعايير اختلطت كثيرًا بين ما يجب على كاتب أو باحث أو مفكر أو عالم أو فقيه أن يقوم به من جهد في التحصيل، وإتقان في العمل، وتجويد وتجديد وإجادة، وما يفعله معلق كرة قدم، أو فنانة مغمورة، أو خائض في الأمور العامة؛ سياسية واقتصادية واجتماعية، بغير علم رصين، يؤهل صاحبه ليطل على الناس بوجهه، وينطق لهم بلسانه.

رأينا في السنوات الأخيرة محسوبين على النخبة الأدبية والفنية والفكرية والسياسية يميلون إلى تناول قضايا هامشية لكنها مثيرة للجدل، كي تسري في أوصال السوشيال ميديا، فتقتحم العيون اقتحامًا، وتملأ الآذان ضجيجًا، دون أن يقفوا على العناية بصورتهم العامة. فالمهم لديهم أن يتداول الناس سريعًا ما قالوه أو كتبوه أو صوروه، فيركبون "الترند".

ويحضرني للتفرقة بين ما كان يدركه السابقون وما وقع في حبائله اللاحقون ما جرى ذات يوم بين الأديب عباس محمود العقاد والفنان الاستعراضي محمود شكوكو. سأل أحد الصحفيين العقاد عن شكوكو فأجاب أنه لا يعرفه. وصل الأمر إلى شكوكو، فصرح "سأقف في الجهة اليمنى من شارع سليمان باشا، ويقف العقاد في الناحية اليسرى، ولنرى على من سيتجمع الناس". رد العقاد ضاحكًا "ليقف شكوكو مكانه، وتقف في الجهة اليسرى امرأة عارية، ولنرى على من سيتسابق الناس".

انتقل الاثنان إلى رحاب الله، والآن يمكن أن نقوم باختبار بسيط لنعرف من بقي أكثر، فنكتب اسم العقاد في جوجل ثم نحصي المواد الموجودة عنه: كتب ورسائل جامعية ودراسات ومقالات وأخبار عن فعاليات أو إتيان على ذكر الاسم في مختلف الأدبيات والتصريحات. ونفعل الأمر نفسه مع شكوكو، ووقتها سندرك أن العقاد أبقى وأمضى كثيرًا.

لم تعد بصيرة العقاد سائدة وقائدة الآن، فرأينا كذلك كتابًا يتسابقون على "الأكثر مبيعًا" حتى لو كان هذا على حساب المهمة أو الرسالة الجمالية أو الفنية أو القيمية أو الفكرية التي على الكاتب أن يقوم بأدائها حيال جمهوره، يجب عليه أن يأخذ بيده من الجهل إلى العلم، ومن الظلام إلى النور، ومن الخمود إلى الحركة، ومن رد الفعل إلى الفعل، ومن الفرجة إلى المشاركة، ومن الاستلاب إلى الاقتدار.

ورأينا علماء يخطفون من علومهم قشورًا ويسارعون بها إلى الجمهور ليعرضوها أمامه، ولا يكون هذا من قبيل تبسيط العلوم كما كان يحدث في السابق، إنما ابتذالها وتسطيحها، عبر البحث عن الغريب والزاعق واللافت وما يمكن أن يجد الناس سهولة في التناطح الأعمى حوله، وليس النقاش الإيجابي والعميق أو حتى المطلوب والمقبول.

ورأينا مختصين في العلوم الدينية يبحثون عن الشاذ والمثير في بطون كتب الفقه والتفسير القديمة، أو يسارعون إلى إقحام الدين في القضايا متناهية الصغر، والأمور الخاصة جدًا، والمسائل التي لا ينفع العلم بها، ولا يضر الجهل فيها، والتي يقود الانشغال الشديد بها إلى تغييب عقل الجماعة أو تسطيحه أو تدميره.

ورأينا ساسةً يعتقدون أن ما يقربهم من الجمهور هو سبك العبارات العابرة والساذجة المتداولة على ألسنة الفئات الأقل معرفةً، والأدنى أخلاقًا، متوهمين أن هذا هو الخطاب الذي يجب أن يقدم للناس، فلا يشعرون معه بهوة بينهم وبين النخبة السياسية، فيتقربون من علية القوم، أو يلتفون حولهم، ويرونهم منهم، وهم منهم.

السلطة المستبدة تعرف هذا وتستغله جيدًا. ورأينا في السنوات الأخيرة كم من إعلامي وسياسي وقع في هذه المصيدة

ورأينا إعلاميين يخصصون برامج للقضايا الضيقة، ويحاولون إيهام الناس بأن بعض الأمور الفردية، ولا سيما الجرائم، هي ظواهر اجتماعية تستحق التناول. كما يفرطون في تناول الجدل في الحياة الفنية والرياضية، دون أن يعنيهم الارتقاء بالفن، ولا النهوض بالرياضة، ولا تعميق تذوق الناس وفهمها للاثنين، إنما تأجيج الخلاف، وتوسيع الشجار، وصب مزيد من الزيت عليه، ليصبح مشتعلًا أطول فترة ممكنة.

وفضلًا عن الأهداف السياسية لمن يعملون على تغييب الناس، أو لفت انتباههم بعيدًا عن القضايا الحياتية الأساسية والحقيقية، فإن ما يجمع هؤلاء هو "هوس الشهرة"، التي يرون تحقيقها في توافه الأمور، وبعيون وألسنة الأغلبية الكاسحة، التي تميل غرائزها إلى ترديد المثير، وحب النميمة، والتصلص على الحياة الخاصة للمشاهير.

وهنا نجد أن بعض الفقهاء والحكماء اعتبروا شهوة الشهرة أشد سعارًا من شهوة الجنس، لهذا لا يستطيع المبتلون بها أن يتجنبوها إلا بجهاد النفس. وأغلبهم يقدمون تنازلات بارحةً وجارحةً كي يبقوا في دائرة الضوء بأي ثمن، حتى لو كلفهم الأمر التخلي عن كرامتهم وحريتهم، بل وإنسانيتهم. والسلطة المستبدة تعرف هذا تمامًا، وتستغله جيدًا. ورأينا في السنوات الأخيرة كم من إعلامي وسياسي وقع في هذه المصيدة.

وهوس الشهرة هذا أفسح المجال لآليات السوق المتوحشة التي تطرد العملة الرديئة فيها العملة الجيدة، فالكلام الطيب أو الرصين أو العميق أو النافع لا يجد سوى قلةً من الناس تستمع إليه، وتحرص عليه، وتعمل به، وتدافع عنه. أما غثاء القول أو الزبد فيخطف الأبصار، ويجذب الأسماع، ويصنع زبائنه دون انقطاع.

ولا يعني كل ما سبق أننا نقّبح أو نحرّم أو نجرّم السعي إلى الشهرة، فهذا حق لكل من يرومها وفق قواعدها السليمة، في أي مكان أو زمان. وهذا أيضًا أمر طيب وطبيعي، ويساعد على تقدم العيش. لأن هؤلاء يبذلون جهدًا فائقًا في سبيل أن يعرفهم الناس، إن كانت طبيعة أعمالهم تتصل بالجمهور، ويقدمون بهذا قدوات صالحة لكل صغير يريد أن يكبر، وكل قادم من الخلف يسعى لبلوغ الصفوف الأمامية.

ورأينا هذا في سيرة حياة كتاب وعلماء وفنانين ورياضيين كبار، واصلوا طريقهم إلى القمة بالعمل والعرق والإجادة والتجديد والجودة والإفادة، وأدرك كل فريق منهم أن طبيعة شهرته تختلف عما لفريق آخر. فالكاتب يفهم أن نجوميته من نوع خاص، تختلف عن نجومية المطرب أو الممثل أو لاعب كرة القدم، والعالم يدرك أنه يختلف عن الاثنين.

والأديب والمفكر والعالم يقدّرون أن اتصال الناس بهم يجب أن يمتد بعد رحيلهم عن الدنيا، وأن هذا الاتصال سيظل في دوائر اجتماعية معينة، حتى لو عرف كل الناس أسماءهم دون أن يطلعوا على أعمالهم، مثلما يحدث الآن مع طه حسين أو العقاد أو نجيب محفوظ. 

ويدرك هؤلاء أن الابتذال بحثًا عن ذيوع سريع، لا يلبث أن يتحول إلى أمر سلبي مع الزمن، ولذا لا يتلهفون على الجمهور الكاسح، ولا ينزلون على رغبته، ولا يمتهنون أنفسهم بغية إرضاء غرائزه، ولا يتملقونه فيقفون به عند حال راكدة جامدة، بل يساهمون في تدهورها، وتتدهور معه إمكانيات منتجي الرسائل والمعاني والجماليات، ويهبط المجتمع كله إلى أسفل سافلين.

ويفهم هؤلاء أيضا أن كثيرًا مما يطرحه المسطحون، ومن ليس لديهم ما ينفع الناس، ابتغاء شهرة، سرعان ما يتبدد، ويذهب جفاء، ليمكث في الأرض فقط ما ينفع الناس.