شموع نذرية - Feggy Art فليكر - برخصة المشاع الإبداعي

بعضٌ من مفردات الموت الكوبي

منشور الثلاثاء 6 ديسمبر 2022

في أواخر العقد الأول من الألفية الجديدة، قدّم أحد الطلاب اللاتينيين بالمدرسة الدولية للسينما بكوبا، مشروع فيلمه التسجيلي أمام الطلاب وهيئة التدريس؛ أخرج ورقة كانت في الأصل منزوعة من كراس قديم ممزقة لقطع صغيرة، وبعد إعادة تكوينها باستخدام شريط لاصق شفاف، قرأ ما فيها.

كانت الورقة خطاب وداع من سيدة قررت الانتحار موجهًا لخالتها. حكى الطالب أنه أثناء جلوسه بحديقة في إحدى المدن القريبة، وجد ذلك الخطاب ممزقًا وملقيًا على الأرض، أخذه وجمع قطعه. أراد البحث عن صاحبة الخطاب غير الموقع، وإن كانت انتحرت أم لا، هو الحجة الدرامية لفيلمه، بينما المحور الأساسي للفيلم سؤال "أسباب موت الكوبيين".

شكَّك أغلبنا في صحة الخطاب، توقعنا أنه كتبه ليخلق لنفسه مشروعًا، وانقسمنا بين من رحب بتلك الخدعة، ومن شعر بالنفور منها. تمت الموافقة على مشروعه، وبدأ رحلة العمل، لنكتشف أن الخانة المخصصة لسبب الموت في دفاتر الموتى الكوبية تُترك أحيانا خالية، ولم يجد فريق الفيلم في الملفات أي إشارة لحالات انتحار كسبب للموت. فكان التوقع المنطقي هو أن تلك الخانات الفارغة ربما تكون حالات الانتحار. وكأن الدولة الكوبية لا تعترف بأن هناك منتحرون في عالم الاشتراكية السعيد.

***

كنا أيامها في بدايات زمن الانفتاح الاقتصادي الكوبي. الدولة تجاوزت المرحلة الصعبة، المعروفة بـ"الاستثنائية"، بعد توقف الدعم السوفيتي وانهيار الكتلة الاشتراكية مع مطلع التسعينيات، والممتدة لمنتصف حقبة الألفين، وبدأت مؤشرات ظهور طبقتين؛ وسطى وعليا، في مجتمع من المفترض أنه لا طبقي، وظهرت المشاريع الخاصة، وأنظمة العاملين المستقلين عن الدولة. استمرت عملية الانفتاح التدريجي، وشهدت ذروتها مع زيارة الرئيس الأمريكي أوباما إلى الجزيرة مطلع 2016، كمؤشر لقرب إنهاء الحصار الاقتصادي المفروض على كوبا منذ 1962.

تأخر أوباما في إصدار قانون ينهي الحصار والعزلة الكوبية، وجاء خلفه ترامب ليشدده ويخنق الجزيرة. وجاء وباء كوفيد وكأنه شريك لترامب في خنق البلد الذي يعيش بشكل أساسي بفضل السياحة والأموال التي يرسلها المهاجرون إلى عائلاتهم بالعملة الصعبة. زحف الموت إلى كوبا، مثلما زحف إلى بقية العالم، وزحف أيضًا الجوع والحاجة وانقطاعات الكهرباء وندرة المواصلات وندرة الأدوية، وتدهورت أنظمة التعليم والصحة والغذاء، فخر الثورة الكوبية لأكثر من نصف قرن.

بدأت أزمة أعادت الكوبيين لزمن التسعينيات. هذه المرة من دون قيادة قادرة على طرح سياسات لتجاوزها، بينما تنفق جزءً كبيرًا من ميزانية الدولة في إنشاء فنادق عملاقة وفاخرة، متصورة أنه بعد شهور قليلة سيتدفق طوفان السياحة من جديد على الجزيرة، وسيُعفي الكوبيون من الوقوف في طوابير لساعات طويلة كي يحصلوا على السلع الضرورية، إن وجدت.

***

لم نعرف سابقًا سوى سبب وحيد لموت الكوبيين؛ التقدم في السن وأمراض الشيخوخة. فمتوسط العمر المتوقع للمواطن/ المواطنة الكوبية من الأكثر ارتفاعًا على مستوى العالم، والثاني على مستوي أمريكا اللاتينية بعد تشيلي، بناء على أرقام 2020 يعيش الإنسان الكوبي في المتوسط 79 سنة، بينما كان يعيش في عام 1960، السنة الأولى للثورة الكوبية، أقل من 64 سنة. أي أن الأمل في الحياة ارتفع خمسة عشر سنة خلال نصف قرن.

لا أعرف أرقامًا بديلة لنفي تلك السابقة، والخانات الخالية في دفاتر الموتى المنتحرين، أو غير المنتحرين، لا تغير من مصداقية أرقام منظمة الصحة العالمية. لكننا بدأنا مؤخرًا في معرفة حالات لأطفال، ومراهقين، وأشخاص لم يصلوا للشيخوخة، يموتون لأسباب متنوعة، أهمها نقص الأدوية وفرص العلاج.

***

الموت الذي يظلل الجزيرة لا ينحصر في الغياب الجسدي، فمن المؤكد أن حالة المجتمع الكوبي الصحية أفضل من عشرات الدول الأفريقية واللاتينية والآسيوية؛ الموت أيضًا معنوي، أن تحتل وجبة الطعام وكيفية الحصول عليها حيزًا كبيرًا من ذهن وطاقة ووقت الناس، وأن يخلو البلد تدريجيًا من شبابه ومن قواه العاملة. فيندر حاليًا أن تقابل كوبيًا أو كوبية لا يطمح في المغادرة، أو يسعى إليها عمليًا، حتى وإن كانت على ظهر لوح خشبي مثبت فوق ألواح من الفلين لعبور خليج فلوريدا باتجاه أراضي الولايات المتحدة.

قطاع واسع من الفنانين والمثقفين غادروا فعلًا، تركوا بلدًا كان يصدِّر منتجاته الثقافية والفنية للعالم. فأصبح من العادي أن نسأل، نحن المترددون كثيرًا على الجزيرة، عن فلان أو فلانة، رسامين أو كتاب أو مسرحيين أو سينمائيين، ليخبرنا متلقي السؤال غالبًا أنهم رحلوا.

***

سهرت في مساء 15 نوفمبر/تشرين الثاني لما بعد منتصف الليل مع أصدقاء في لقاء هادئ بشقتي في مدرسة السينما. كان لقاءً من ذلك النوع الذي لا نعرف خلاله إن كنا سنلتقي من جديد أم لا، فالزائرون والعاملون المؤقتون ربما لن يعودوا، ومع كل رحلة جديدة نشعر وكأنها رحلة الوداع. والمقيمون ربما يكونوا غادروا الجزيرة حين نأتي من جديد، إن أتينا. وعادة ما تتضخم تلك الحالة الشعورية بسبب عزلة المدرسة بين الحقول بعيدًا عن العاصمة.

نمت ساعات قليلة بعد اللقاء، لأستيقظ في السادسة صباحًا، فسنبدأ اليوم العمل مبكرًا في ورشة السينما. استيقظت ذلك الصباح، صباح 16 نوفمبر، ولم أنتبه أنه الذكري الخامسة عشر لرحيل أبي. لم أنتبه إلا برسالة قصيرة من أحد أبناء إخوتي.

شعرت بأن هناك سحابة كابوسية تظللني، وإحساسًا بتأنيب الضمير والذنب لعدم تذكري التاريخ.

قال لي صديق مرة إنه يتأمل طفله الصغير وهو يكبر، ويري فيه ليس فقط ملامحه الجسدية، بل كل أوجاعه وإحباطاته وعقده وهشاشته، وكأن الصغير ورث كل ذلك قبل أن يلاقي الحياة الواقعية المعقدة والمؤلمة.

ليس لدي أطفال لأتأملهم يكبرون بهشاشتي وضعفي وعقدي والندوب الموروثة. لكنني غالبًا ورثت عين أبي. أشعر بتلك العين، عيني، تتأملني أحيانًا وكأنها عينه. وأعلم أن الإحساس بالذنب، ومسألة الضمير، من ضمن ميراثي منه، وكنت أتمنى ألا أرث ذلك الجانب.

ذهبت لورشة السينما. النصف الأول من اليوم سيكون جلسة طويلة، تتجاوز عادة الأربع ساعات، كي نحكي تفاصيل شخصية، سنستخدمها في العمل على مشاريع وتدريبات. وكان الفقدان والموت حاضرين عند الجميع، وفي أغلب القصص المروية. الموت عند الكوبيات المشاركات يتجاوز الموت الفيزيائي، يمتد للبحر المحيط بالجزيرة، وهؤلاء الذين يعبرونه ولن يعودوا أبدًا.

حكت إحداهن عن يوم عاشته بعد رحيل أمها بشهور قليلة. كانت تعاني من الاكتئاب والحزن، ودخلت فجأة في حالة من الفزع والضيق الشديدين وانعدام القدرة على التنفس. اختفت من الشوارع المجاورة ومن بيوت الجيران أصوات الموسيقي والصخب الكوبي المعتاد، أو الذي كان معتادًا، وبدأ في التراجع مؤخرًا. خافت أن تخرج للشارع المظلم، ولم تجد ما تفعله سوى أن تشعل شمعة من أجل أمها ومن أجل نفسها، وأن تجلس لتأملها، فتسلل إليها الشعور بالسكينة.

حكت عن ديانتها، عن ذلك الخليط بين الكاثوليكية وأديان إفريقية تقليدية، عن دور الشموع فيها، وكيف أنها تستدعي الغائبين. وعلمتنا ألا نطفئ الشمع بنفخ الهواء من أفواهنا، بل بإصبعين يلمسان الفتيل المشتعل برقة، كي لا نُفزع بالهواء روح الغائب الذي حضر.

بعد الاستراحة، ومع بداية الجزء الثاني من اليوم، أحضرت لقاعة الدرس شمعة خضراء، أشعلتها من أجل أبي، ومن أجل الغائبين الآخرين الذين لا أعرفهم. لا أعتقد في الغيبيات، أتشكك دائمًا نحوها، أتباهى بأنني مادي وعلمي، لكن السَكينة تسللت إليَّ، وأحببت فكرة أن تكون روح أبي قريبة وتتطلع فيَّ، وأن يكون عدم انتباهي لتاريخ رحيله سببًا لأن يبتسم.

***

أخبر الأطباء المصريون الصديق عمرو أسعد قبل وفاته بشهور أن كوبا هي المكان الأفضل لعلاجه من السرطان. لكن عمرو رحل قبل أن تتاح له الفرصة الكوبية.

وبعد حادثة الشمع بيومين، عرفنا ليلًا أن الكوبي بابلو ميلانيس، أحد أهم المغنيين والمؤلفين والملحنين اللاتينيين، مات وحيدًا في مستشفى مدريدي، حيث كان يُعالج من السرطان بعيدًا عن بلده كوبا.

أشعل بعضنا شموعًا في شرفات شققنا التي تطل على وادٍ أخضرَ شديدِ الاتساع. كانت الكهرباء مقطوعة، وبما تبقي من بطارية التليفون أشغلت من أجله أغنيته "إن تركتيني لن أموت.. لو الموت حتمي.. أود أن يكون بصحبتك.. وحدتي تتأنس بصحبتك.. لذلك أعرف أحيانًا أنني بحاجة إلى يديك.. يديك يولاندا.. يولاندا.. يديك للأبد يولاندا". بينما على السوشيال ميديا يتشاجر بعض المثقفين والنشطاء الكوبيين عنه، وعن أغانيه، وعن الثورة التي كانت، ومآلات الدولة.

لكن الشجار لم يمنع السكينة.


***

التآكل، الانهيار، التسوس، الزمن المندفع بسرعة باتجاه موت بطيء أو هاوية.. كلها مفردات تعني أشياء مختلفة، لكنها معًا تشرح لي الحالة الكوبية الحالية.

توقف الزمن في كوبا عند الستينيات مع الإغلاق والحصار الاقتصادي، وبداية الرعاية السوفيتية. لكن ذلك التوقف الزمني كان من عناصر الجذب السياحي الكوبي بأشكال مختلفة، بداية من زيارات معامل تصنيع التبغ البدائية واليدوية، وصولًا لعربات الشيفروليه المكشوفة من زمن الخمسينيات، التي زُودت بمحركات سيارات لادا الروسية، ومازالت تتجول بالسياح على الكورنيش الواسع وفي الشوارع المتهالكة.

لكن التآكل يتمدد، ويصيب حتى وظيفته السياحية بالعطب.

قبل عامين كانت الورقة النقدية الحمراء من فئة ثلاثة بيزوهات، المطبوعة عليها صورة تشي جيفارا، تساوي واحدًا من ثمانية من قيمة الدولار، فقيمة الورقة الخضراء رسميًا تتراوح بين 24 أو 25 بيزو كوبي، وما زالت تحمل نفس القيمة رسميًا، لم تتغير منذ عشرين سنة، لكنها في التداول الحقيقي، خارج الدوائر الرسمية، تحمل قيمة مختلفة تمامًا، انهارت في عامين لتصبح واحدًا من 58 من سعر الدولار، فقيمته الحقيقية للتداول، غير المعترف بها من الدولة، هي 175 بيزو.

أغلقت سلطات مطار هافانا الدولي قبل أعوام غرفة التدخين في صالة السفر، حولتها لاحقًا لبار يبيع بالعملة الأجنبية للسياح المودعين لكوبا كوكتيلات كحولية متنوعة وغالية، لا يشربها عادة الكوبيون. فلجأنا نحن المدخنون لدورة المياه، للتدخين سرًا في رعاية عاملات النظافة، مقابل نقود قليلة ثمن التواطؤ، فالمدخنون كُثرٌ.

قبل أيام، في نفس دورة المياه المتهالكة والقذرة والمعطوبة أغلب صنابيرها، كان معنا سائح فرنسي، اكتشف فجأة أنه خلال أسبوعين قضاهم في الجزيرة، لم ير العملة الورقية للثلاث بيزوهات بصورة التشي. أراد مغادرة الجزيرة ومعه تلك العملة، وأخبر بلغة إسبانية متعثرة عاملة النظافة.

تجمعت حوله ثلاث عاملات، يبحثن معضلة من أين سيوفرنها له، فهن أيضًا لم يرينها منذ وقت طويل، منذ انهيار قيمة العملة الوطنية، ويساومنه على سعر بيعها له إن وجدنها قبل أن تغادر طائرته.

سعرها الرسمي مطبوع عليها، ثلاثة بيزوهات، وسعرها الحقيقي أقل من ذلك سبعة مرات، وسعرها للبيع السياحي عدة دولارات. فهي ما زالت تحمل صورة الحلم الذي كان، الحلم الذي نخره السوس، وأهلكه ملح البحر المحيط بالجزيرة، الذي يلتهم الجدران والناس.