"تحب أقول لك يا إيه؟".. ورطة اسمها ألقاب النداء

بالطبع كان الإقدام على نداء أنثى لا يُعرَف ظرفُها الأُسَرِيُّ بنظام (آنسة/ سيّدة) ينطوي على مخاطرةٍ بسيطةٍ قبل تصاعد الخطاب النسوي، لاحتمال أن يُخطئ الناشنكاه ويتّضح أن المدام آنسة، أو العكس. لكن محض اللجوء إلى هذا النظام الآن ينطوي على مخاطرةٍ أكبر.

"يا باشمهندس"، "يا بْرِنس"، "يا كابتن"، "يا بيه"، "يا أستاذ"، "يا أستاذة"، "يا حاجّة"، "يا آنسة"، "يا أبلة"، ماذا أختارُ من هذه الألقاب لأناديك به؟ وكيف أختار؟ وهل لاختياري أي معنى؟ وهل سيكونُ له وَقعٌ عليك في النهاية؟

مسألة ألقاب النداء Terms of Address في مصر تبدو معقَّدةً للغاية، لدرجةٍ دفعَت الپروفيسور ديلوِرث ب.پاركنسون Dilworth B.Parkinson الأستاذ بقسم لغات الشرق الأدني بجامعة Brigham Young University (BYU) إلى تصنيف كتابٍ بعنوان "بناء السياق الاجتماعي للاتصال: ألقاب النداء في العربية المصرية" Constructing the Social Context of Communication: Terms of Address in Egyptian Arabic.

للوهلةِ الأولى قد يبدو أحد هذه الألقاب محايدًا من وجهة نظر أحدِنا، لدرجةٍ تُغري باستخدامه مع الجميع. فمن اعتاد أن ينادي الرجال بلقب "يا باشا" مثلاً والنساء "يا أبلة"، قد يخطر له أنّ هذين الاختيارين مُرضِيان للجميع. إلاّ أنّ الأمر أعقد من ذلك التصوُّر بالفعل!

بشكلٍ شخصيٍّ لا أرتاح تمامًا لأَن أُنادَى "يا باشمهندس". ليس ذلك لمشكلةٍ بيني وبين المهندسين والهندسة، ولكن لأنّ هذا اللقب يُلغي شطرًا كبيرًا من حياتي قضيتُه في الحصول على بكالوريوس الطب ثم ماچستير الجراحة العامة، لحساب مسارٍ أكاديميٍّ مهنِيٍّ مختلفٍ تماما! ويتضاعف إحساسي بغرابة اللقب وضغطه حين أُنادَى به من جرسونات نادي الأطبّاء حين أُقيمُ حفل عيد ميلاد ابنتي هناك! لكن ربّما كنتُ مستعينًا بأحد أعضاء النادي من الأطبّاء لإقامة الحفل، فقد يجوز في النهاية أن أكون مهندسًا، أمّا ما يثيرُ لديَّ مزيجًا هائلاً من السخط والرغبة في الضحك الهستيري فهو أن يناديني أحد المرضى في العيادة الخارجية بالمستشفى الحكومي الذي أعملُ به – وأنا أمامه بصفتي الطبيب الذي يستمعُ إلى شكواه ويفحصُه – بنفس اللقب: "يا باشمهندس"!

مطالب نسوية

لترضى عن اللقب الذي تُنادَى به هناك مُحَدِّدات تنتمي إلى الهُوِيّة الجِندَرية، والعقيدة الدينية، والمهنة، والطبقة الاجتماعية، والسّنّ، وربما غير ذلك!

كانت أوضحُ هذه المحددات حتى وقتٍ قريبٍ بالتأكيد هي الهوية الجنسية. فالذكَر لا يمكن أن تلحَقَ لقبَه تاءٌ مربوطة، والعكس يصدق بالتأكيد على الأنثى. لكنّ تغيُّرين مهمَّين في الأفكار والممارسات المجتمعية في مصر عقّدا هذا المُحَدِّدَ الواضح. أولُهما – وهو أقلُّهما أهميةً من الزاوية الإحصائيّة – هو ظهور الذكور الذين قرروا اعتناق ملابس الإناث Cross-dressers وطرقن في التعبير، وصولاً إلى الهوية الجنسية شبه الكاملة للإناث. تستطيعُ أن تراهم في شوارع وسط القاهرة، قريبًا من ميدان التحرير، وربما سيكونُ مربكًا بالنسبة لك أيَّ الألقاب تختار لتناديهم به إذا اضطرّك السياق الاجتماعي لذلك!

أمّا التغيُّر الأهَمّ – الذي يندرجُ في الأفكار أكثر مما يندرج في الممارسات الواقعية – فهو سيطرة الفكر النسويّ بظلاله المختلفة على قطاعاتٍ من الإناث. إلى وقتٍ قريبٍ كان تواصلي مع زميلة العمل باعتبارِها "آنسة/مِس/مدموازيل" أو "السيّدة/مدام" فلانة، كان هذا النمط من التواصل لا يُتَوَقَّع أن يثير حفيظة الزميلة. لكننا نواجِه الآن بشكلٍ متزايدٍ تغلغل فكرة المجتمع الذكوري Androcentric Society الذي أفرز اللغة الذكورية، التي بدورها أفرزَت ألقابًا للإناث تتحدد وفقًا لطبيعة علاقتها بذكرٍ ما عبر مؤسسة الزواج.

بالطبع كان الإقدام على نداء أنثى لا يُعرَف ظرفُها الأُسَرِيُّ بنظام (آنسة/ سيّدة) ينطوي على مخاطرةٍ بسيطةٍ قبل تصاعد الخطاب النسوي، لاحتمال أن يُخطئ الناشنكاه ويتّضح أن المدام آنسة، أو العكس. لكن محض اللجوء إلى هذا النظام الآن ينطوي على مخاطرةٍ أكبر.

الحاج والمقدّس

أما فيما يتعلق بمُحَدِّد العقيدة الدينية، فالأمر مُعَقَّدٌ كما في الهوية الجِندَرية، خاصّةً أنه يتقاطع بوضوحٍ مع محدِّدَي السّن والطبقة الاجتماعية، وذلك حين يُقدِم أحدُنا على استخدام لقب (حاجّ/ حاجّة) مع رجلٍ أو امرأةٍ يبدو عليهما أثر التقدم في العُمر، ابتداءً من قليلٍ من الشَّيب أو الصَّلَع لدى الرِّجال ووصولاً إلى ظهور تجاعيد البشرة والكيلوجرامات الزائدة وتزايد الترهُّلات لدى النساء.

تنطلِق هذه الممارسة المجتمعية من افتراض أنَّ كلَّ من تتقدم به السِّن في مجتمعنا يُفتَرَض أن تصبُو نفسُه على الأقلّ لأداء فريضة الحج الإسلامية، فهو إن لم يكن قد حَجَ بالفعل سيتفاءل كثيرًا بهذا النداء. لكنّ هذا الافتراض يُغفِل عددًا من الاعتبارات، أهمُّها أنَّ هناك غير مسلمين بالطبع.

كثيرٌ من المسلمين والمسيحيين الذين تصادف أن يقعوا أمامي في هذا الإشكال كانوا يتسامحون في النهاية بابتسامةٍ ودودةٍ مع الخطأ، على اعتبار أنَّ هناك حجًّا مسيحيًّا إلى بيت المقدس، ارتبط به لقب (مِقَدِّس)، الذي اختفى من الاستعمال العامّ أو كاد. لكن من وِجهة نظري، ربما تتزايد مخاطرة استخدام هذا اللقب مع تحوُّل تيارات اللاإلهية واللاأدرية -وغيرهما ممّا يُشارُ إليه في الاستعمال الدارج تحت مظلّة مصطلح الإلحاد- إلى هويّةٍ عقَدِيِّةٍ واضحة، وفي هذه الحالة يُتوَقَّع أن يمُرّ أصحاب هذه الهُوِيّة بمرحلة التأهّب المتّصِل للدفاع عن هويتِهم أمام الاجتياح اللغوي للأغلبية التي تنمِّط كل متقدمٍ في السنّ باعتباره حاجًّا!

يُغفِلُ هذا الافتراض المشار إليه في بداية الفقرة كذلك اعتبارًا يتعلّق برؤية الشخص لِذاتِه، فليس معنى أنني أراك متقدمًا في السّن أنك تبدو لنفسِكَ كذلك! وتبدو الإناث –بنظرةٍ عابرةٍ لا تعتمدُ على إحصاءٍ دقيقٍ- أقلَّ تسامُحًا بشكلٍ عامٍّ مع هذا الافتراض، ربّما لأنه يتناقض مع صورة المرأة التي ترسَّخَت عبر عصورٍ طويلةٍ من الاجتماع البشريِّ باعتبارِها الطرَف الذي يسعى دائمًا لأن يصبح جميلاً وجذّابًا وبالتالي أصغر سِنًّا ممّا هو عليه في الواقع. أخيرًا، يُغفِل نفسُ الافتراضِ اعتبارَ الطبقة الاجتماعية.

نظرةٌ سريعةٌ إلى أفلام الأبيض والأسود المصرية تُخبِرُنا بأنَّ لقب (حاجّ/ حاجّة) لم يكن مستخدمًا حتى سبعينيات القرن الماضي على هذا النِّطاق الواسع الذي نراهُ الآن. والواضحُ أنه كان مقصورًا على شرطَين: التقدم في السن، مع الانتماء الواضح إلى طبقةٍ اجتماعيةٍ دُنيا. ويبدو أنَّ صُعود البرجوازيّة الرِّيعيّة وترقّي أصحاب الحِرَف اليدويّة المَهَرة في السلم الاجتماعي في الحِقبة الساداتية- بما حملَه أصحاب هذه الحِرَف والمنتمون إلى هذه البرجوازية من قِيَمِهم- كان عنصرًا فاصلاً في انتشار استخدام هذا اللَّقَب خارج دائرتِه الشَّرطِيّة القديمة، فأصبح لقب (الحاجّ/ الحاجّة) إشارةً إلى الرجُل الثريّ المتقدم في السن، بدلاً من الفقير قبل السبعينيات المصرية. لكن يتعمّق الإشكال ببقاء أفرادٍ ينتمون إلى النظام الاجتماعيّ الأقدم، حيث يظلّ بالنسبة لهم لقبُ الحاجّ والحاجّة مرتبطَين ذهنيًّا بالأفقر والأقلّ في الهرَم الطبَقيّ.

بلد شهادات

أمّا مُحَدِّدُ المهنة فربما لم يتّضح حجمُ مشكلته مع الشهادة الشخصيّة التي سقتُها في البداية. لكن يبدو أنه ليس أقلَّ تعقيدًا مِن سابِقَيه، فهو يتقاطع مثلاً مع الهوية الجِندَرية والسّن في شهادةٍ شخصيةٍ أخرى من الحقل الطبّي، تعودُ إلى سنة الامتياز في كليّة الطبّ بقصر العيني. في طوارئ قسم (5) القديمة الشهيرة بمستشفى قصر العيني القديم عام 2006، كان المرضى يُنادُون زميلتي طبيبة الامتياز إذا مرّت بهم لتعطيَهم حُقَن الهيپارين المضادّةَ للتجلُّط "أبْلَة فلانة".

أصبح لقب برِنس يُقال لكلِّ مَن يُبدي خصلةً عمليةً أو خلُقيّةً تميِّزه في مجتمعه الصغير، فالسائق الذي يستطيع أن يقطع الطريق الطويلة في زمنٍ قليلٍ برِنس، والمذيع الذي يتعرض لمشكلاتٍ تهم الناس وإن هددت علاقتَه بالكِبار ظاهريًّا برِنس.

لهذا علاقةٌ واضحةٌ بتصوُّرٍ راسخٍ لديهم أنَّ الطبيبَ ذَكَر، وأنَّ الأنثى التي تعمل في الحقل الطبّي بالضرورة مُمَرِّضة! أمّا زميلي الذي يبدو أصغرَ من سِنِّه كثيرًا فكانوا ينادونه (أستاذ فُلان)، باعتباره ينتمي غالبًا إلى فئة الفنّيّين، لأنه يصعُبُ أن يبدو الطبيبُ صغيرًا هكذا! باقي طاقم أطبّاء الامتياز كانوا (دكاترة)، وهذا هو المثير للتأمُّل!

كذلك فإنّ مهنًا معيَّنةً تبدو مفتقرةً بذاتِها إلى الألقابِ المُمَيِّزة، فيجد الناس أنفسهم مُجبَرين لاستعارة لقَبٍ لأصحابِها من حَيِّزٍ آخر ينتمي إلى الطبقة الاجتماعية. يبدو هذا جَلِيًّا في ضُبّاط الشُّرطة، حين يتّفق الجمهور في الشارع وفي قسم الشرطة على إلصاق لقب (باشا) بأسمائهم إن عُرِفَت، أو جعلِه في مكان العَلَم إن لم تُعرَف أسماؤهم!

لمُحَدِّد السن استعار المصريون للسنّ الصغيرة ألقابًا من حَيِّزاتٍ أخرى كما فعلوا مع مهنة ضابط الشرطة، فاستعاروا من حيِّز المهنة مثَلاً لقب (كابتن) للمراهقين الذكور ومن هم على أعتاب المراهقة. وهذا اللقب انتقل من مجال المِلاحة -بمعنى قبطان- والحياة العسكرية في أشكالها المختلفة إلى مجال الرياضة فأصبح إشارةً إلى قائد الفريق الرياضي كما هو معروف، وفي الغالب فإنّ الاستخدام الرياضي يكون أقرب إلى ذهن من ينادي مراهقًا بهذا اللقب. وكما يحدث مع استعارة (حاجّ) لأصحاب السنّ المتقدمة من حيّز الممارسة الدينية، يحدثُ مع استعارة (كابتن) للسن الصغيرة، فليس معنى أنك تراني صبيًّا بفانلّة رياضية وشورت أنني كذلك!

أمّا محدد الطبقة الاجتماعية فهو أكثر المحددات عرضةً للانتهاك في استخدام الألقاب. عمد المصريون في سبعينيات القرن الماضي كذلك إلى إحياء لقبَي بيه وباشا بعد إلغائهما مِن قِبَل الضباط الأحرار في حكومة علي ماهر باشا بعد يوليو 1952. حدث هذا الإحياء في البداية على نطاقٍ ضيّقٍ، حيث ارتبط اللقبان بالأثرياء الذين استعادوا ثراءهم الملَكيّ أو كوّنوا أرستقراطيّةً جديدةً بدأت تترسّخ مع الانفتاح، وتدريجيًّا اتسَع نطاقُ استخدام اللقبَين إلى درجة معادلة لقب باشا وظيفيًّا بلقب (السيّد) الذي كرَّسَه نظامُ يوليو ليكون إشارةً إلى كلِّ مواطنٍ مصريٍّ، فنرى الآن راكب الميكروباص ينادي الشحاذ ليُعطيَه جنيهًا قائلاً "تعالى يا باشا".

كذلك أحيا المصريون لقب (برِنس) القادم من العهد الملَكِي، وانحازوا فيه إلى نُطقٍ مصريٍّ يستخدم الباء العربية الخفيفة مكانَ الـ P اللاتينية الثقيلة. وشهد هذا الإحياءُ انتهاكًا مماثلاً لانتهاك (باشا)، إلاّ أن الجمهور احتفظ له باستخدامٍ خاصٍّ مقابلٍ لاستخدام (باشا) الضروري مع ضباط الشرطة، فأصبح لقب برِنس يُقال لكلِّ مَن يُبدي خصلةً عمليةً أو خلُقيّةً تميِّزه في مجتمعه الصغير، فالسائق الذي يستطيع أن يقطع الطريق الطويلة في زمنٍ قليلٍ برِنس، والمذيع الذي يتعرض لمشكلاتٍ تهم الناس وإن هددت علاقتَه بالكِبار ظاهريًّا برِنس، والمذيع الآخَر الذي يحاول إرضاء الجميع ويبتعد عن مواطن إثارة غضب الكِبار هو الآخَر برِنس، وهكذا، في انتقائيّةٍ تخضَع كُلِّيَّةً لمِزاج المتكلم.

هذا الانتهاك يُفسِح المجال لنمطٍ آخر من التمييز غير اللُّغَوِيّ للطبقات. راكب الميكروباص الذي تحدثنا عنه منذ قليلٍ ينادي الشحاذ "تعالى يا باشا"، وحين يقابل لجنةً تشتبهُ في ملامحِه على الطريق فتطلب منه النزول وتفحص بطاقته وربما تفتش ملابسَه، فإنه يقول للضابط أيضًا: "يا باشا"، ولا يبقى له خِيارٌ إلا اللجوء الواعي أو غير الواعي إلى مفردات الاتّصال غير اللفظي Non-Verbal Communication فينظر إلى الشحاذ أو البائع الجائل نظرةً فوقيّةً لا تخطئها عين، بينما يتشبّع موقفُه أمام ضابط الشرطة بالدُّونِيّة في نبرة الصوت والوقفة وغير ذلك.

أخيرًا هناك الألقاب التي تبدو محايدة والتي بدأ نطاقُ استخدامها يتّسِع في الآونةِ الأخيرة لتفادي السخط والتبرُّم من ناحيةِ المُنادَين. ربما أهم هذه الألقاب "أستاذ/ أستاذة". يمكننا أن نسمعه بكثرةٍ أثناء انتظار الدور في أحد فروع معملٍ أو مركز أشعّةٍ تشخيصيّةٍ كبير، أو مركز خدمة عملاءٍ لأي شركةٍ كبيرة، وفي الحقيقة يوجد كُود واضح لنداء العملاء يَتِمّ تلقينُه للمتدربين في مراكز خدمة العملاء ومراكز تلقّي اتّصالات الشكاوى Call Centers، يضمن حسَبَ رؤية المدرِّبين أكبر قدرٍ من رضا العملاء عن الاتّصال.

لكنّ المتأمِّل عن قُربٍ لوقائع الانتظار في فروع مثل هذه المعامل والمراكز الكبيرة يجد أنَّ بعض العملاء قد يعتبرون استخدام لقب (أستاذ) معهم – وهو اللقب المرتبط أصلاً بالمُعَلِّمين وأصحاب العلاقة القوية بالكتابة – فيه شيءٌ من الاستهزاء بهم، خاصةً إذا كانوا لا يُجيدُون القراءة والكتابة.

والحكاية القديمة الآتية من قرية عائلتي تتحدثُ عن الفلاّح الذي غضب غضبًا شديدًا من الرجُل الذي يناديه (يا أستاذ)، حيث ردَّ ساخطًا: "أستاذ؟! شايفني لابس عِمَّة وكاكولِة؟". كان يعني أنه ليس أستاذًا فقيهًا أزهريًّا واضح الانتماء إلى هذه المؤسسة بزيِّها التقليديِّ لكي يسلُكَه الآخَرُ في زُمرَة الأساتذة! رغم ضعف قابلية مثل هذه الحكاية للتكرار في عصرِنا نظرًا لانتشار اللقب، إلاّ أنها تشيرُ إلى أنَّ لقبًا يُتَوَهّمُ حِيادُه كـ(أستاذ/ أستاذة) ليس محايدًا تمامًا كما نظُنّ.

في المنطقة العربية عامةً وفي مصر خاصّةً تقفُ الكُنيةُ علامةً مهمَّةً في طرُق التواصل اللفظي بين المتعارِفين. ومِن أعلامِ العرب القدامى مَن اشتُهِروا بكُناهم أكثر من أسمائهم. لدينا أبو الوليد ابنُ رُشد وابنُ سِينا وأبو جعفر المنصور وأبو العباس السفّاح، وحتى الخليفةُ الأول أبو بكرٍ نفسُه! وقريبًا من الكُنى تقفُ ألقابُ النسَب بدائلَ مهمّةً عن أسماء الأعلام، كالمسعودي مثلاً، وهناك خليطٌ من العنصرين كأبي العلاء المعرّيّ، الذي رغم شهرتِه ينبغي على المرء أن يجتهد ليعرفَ اسمَه العلَم، ثُمّ لا يلبثَ أن ينساهُ لغلبة الكنية واللقب.

في تقديري أنَّ هذه الغلبَة للكنية واللقب كانت تمثّلُ بنيةً لغويةً تعكسُ بنيةً اجتماعيّةً متماسكةً تحتفي بقِيَم الأسرة والانتماء القُطرِيّ، وهو ما لم يعُد مقبولاً في الحال العربية الراهنة حيثُ الرسميُّ والمعترَف به والمشهور هو اسمُ العلَم، والأمرُ يتعدّى مجرَّدَ وراثةِ النسَق الأوروبّي في التسمية بحُكم الاستعمار إلى التأثُّر بقِيَم الفردية المتجذرة في الوعي الغربي الحديث حتى مِن قبل مُنَظِّرِها الأكبر الفيلسوف الأمريكي چون ديوي.

رغم هذه الحال العامّة، يُصِرُّ كثيرٌ من المصريين على نداء المرأة المتزوجة التي أنجبَت باسم أكبر أبنائها "أمّ فُلان"، خاصةً في الطبقات الأدنى في الهرم المجتمعي، ويربطون بشكلٍ أقربَ إلى اللاوعي بين هذا الحرص على إخفاء اسم الأُمّ وبين الإسلام. حقيقةُ الأمرِ أنَّ الأدبيات الإسلامية الأولى لا تذكرُ هذا الأمر ولا تحُضُّ عليه ولا تعرِفُه من الأساس، بينما أصلُ الموضوع مصريٌّ قديمٌ يربطُ بين معرفةِ اسمِ الأُمِّ وبين تعرُّضِ أبنائها لأعمال السِّحر، لكنَّ الارتباط الشائع بين تقاليد الإسلام وإخفاء اسم الأُمِّ يجدُ ما يغذِّيه في الصورة العامّة للإسلام باعتبارِه دينًا للذُّكور يهتمُّ بإبقاء النساء حريمًا في تابو مجتمعيٍّ جنسيٍّ أبديّ.

وكما هو متوقَّع، فإنَّ ترحيبَ رجُلٍ مصريٍّ مثقَّفٍ بأن يُنادَى بكُنيتِه في دوائره الاجتماعية الحميمة (أبو فلان أو فلانة)، يُقابَلُ برفضٍ أو قبولٍ على مضضٍ من امرأةٍ مصريةٍ مثقفةٍ لأن تُنادَى (أم فلان أوفلانة)، بالطبع لأن هذا يثيرُ الهاجس النسويَّ ويستقدمُ إلى الخبرةِ حالة الحريم كما تصورُها الأدبيات النسوية.

ختامًا، يبدو الموضوع أكثر تشعُّبًا ممّا يمكن أن تُحيطَه هذه الإلمامة السريعة. لكنَّ الخلاصة هي أنَّ ألقاب النّداء ستبقى غالبًا في تطوُّرٍ مستمِرّ، وسيبقى مستوى الرِّضا عنها متأرجِحًا حسب الكثير من المحددات، ويبدو أنَّ إلحاح النظام التربوي التعليمي على أسلوب الاتصال اللفظي مع الآخَرين مهمٌّ لخَفض مستوى التوترات المجتمعية التي يمكن أن تنجُم عن التبرُّم ببعض هذه الألقاب.

أمّا التحدياتُ التي تبدو الآن فانتازيّةً بالنسبة لمجتمعنا – لكن لا يستحيلُ أن نواجهها في أزمنةٍ قادمة – فتتعلقُ أوّلاً بما يمكن أن تناديَ به النسوية من تحييد لغة الحِوار اليومي، على غِرار ما يحدث في أمريكا وأوربا. فعلى غِرار العُدول الحديث عن استخدام مفردةٍ مثل Actress بمعنى ممثِّلة، لصالح مفردةٍ موحدةٍ لمحترفي التمثيل بغض النظر عن الهوية الچندرية Actor، لا يَبعُدُ أن ترتفع أصواتٌ مصريةُ تنادي بتغييراتٍ جذريّةٍ في علامات التذكير والتأنيث في منظومتينا اللغويتين الفصيحة والعامّيّة، وسينعكس هذا بالطبع على الجالسين في انتظار الدور في مركز الأشعّة، لأنّ التاء المربوطة في (أستاذة) ستكونُ محلَّ خلافٍ كبيرٍ ينذر بتوتُّراتٍ مجتمعيّةٍ ذاتِ بال.