من وقفة للمسرحيين في دار الأوبرا - 2013- لإحياء ذكرى ضحايا حريق بني سويف والمطالبة بمحاكمة حقيقية للجناة - المصدر: ولاد البلد تصوير سارة السعيد

13 عامًا على المأساة.. المسرحيون مستمرون في دفع فاتورة حريق بني سويف

أعلن يوم الخامس من سبتمبر يومًا للمسرح المصري، تُفتَح فيه المسارح مجانًا للجمهور في محافظات ليس منها بني سويف، التي لا تزال تنتظر موافقة الحماية المدنية على فتح مسرحها.

يمر الأهالي بالمبنى الفخم، فيبسملون ويحوقلون سرًا، خشية أن تطالهم لعنته التي طالما سمعوا عنها من شيوخ الزوايا والمساجد الصغيرة. هذا مكان تُرتَكَب فيه معاصٍ كالرقص والغناء والرسم والتمثيل، يجتمع فيه من يقولون عن أنفسهم مثقفين، فيتناولون الكثير من القضايا وينادون بالحرية وحق المعرفة والتفكير النقدي، ومساءلة كافة الأفكار والمسلمات، دون اعتداد بأي قدسية أو أعراف. هذا والعياذ بالله قصر ثقافة، عاقب الله رواده بالحريق في 5 سبتمبر / أيلول 2005، والآن تأتي الحكومة لإغلاقه كي تمنع تكرار المأساة.

هذه الأقاويل هي ما حكمت الحديث في بني سويف خلال الأيام الماضية، عندما أقدمت قوات الشرطة والحماية المدنية على إغلاق القصر، قبل أيام معدودة على موعد الذكرى الـ13 للحريق الذي أودى بحياة 50 من شباب ونقاد المسرح المصري، وخلَّف ندوبًا لن تزول في أرواح وأجساد من كانوا حاضرين في ذاك اليوم البعيد حين كانت تُقدم عروض مهرجان نوادي المسرح الذي تقيمه الهيئة العامة لقصور الثقافة.

في الذكرى 13 للحريق، وقفت القيادات الأمنية للمحافظة بملابسهم الرسمية، يصافحون مسؤولين بوزارة الثقافة بدبلوماسية، ويلتقطون الصور التذكارية للتأكيد على "تسوية الخلاف" بعد المشادات التي وصلت للعنف الجسدي والإهانة اللفظية، التي وجهها عناصر شرطية لموظفين رسميين بقصر الثقافة، بينما تدور مفاوضات لإعادة تشغيل القصر الذي أغلق بقرار مفاجئ مساء الجمعة الماضية، تزامنًا مع بداية أنشطة كرنفال الشباب به؛ بدعوى عدم الالتزام باشتراطات الحماية المدنية.


أي شيء لمنع تكرار الحريق

عندما اشتعلت قاعة المعارض بالقصر لتلتهم نيران "شمعة" حيوات 50 من الممثلين والمخرجين والفنيين والنقاد المسرحيين؛ كان القصر يشهد عروضًَا مسرحية مشاركة في مهرجان نوادي المسرح، الذي يقام سنويًا لعروض الهواة التي لا تتجاوز ميزانيتها قانونًا "ألف جنيه"، هي كل قيمة تكلفة المسرحية الواحدة. تدفَع هذه الميزانية القليلة مخرجي العروض والفنيين للإبداع لتقديم عروض جيدة بأقل تكاليف ممكنة، ربما لهذا اختار مخرج مسرحية "حكاية حديقة الحيوانات" المعروضة في ذلك الوقت، الاعتماد على شموع لإضاءة عرضه. فسقطت إحداها لتشتعل النيران في القاعة غير المجهزة بمخارج أمان أو إنذار أو أية معدات إطفاء ذاتي أو يدوي للحرائق.

يتذكر المسرحيون الذين شاركوا في الحدث زملاءهم كل عام. ويشهد فيسبوك موجة من كتابات الناجين، ورفاق من لقوا حتفهم في الحريق، ومنهم المخرج السكندري دكتور جمال ياقوت، الذي دوّن شهادته على الحريق في عدة بوستات على مدار السنوات الماضية، منها تدوينة يحكي فيها أنّه لم يتمكن من دخول القاعة التي كانت تشهد يومها عرض "قصة حديقة الحيوان"، بسبب التكدس الشديد لضيق طاقتها الاستيعابية، وأنه احتاج إلى "واسطة" كي يتمكن من مشاهدة العرض. يقول ياقوت؛ "داخل القاعة تشعر برائحة الموت بقوة".

وتنقل لنا تدوينته أجواء مُعبّرة أثناء الحدث المأساوي، الذي بدأ بلهب صغير من أعلى الجانب الأيمن للقاعة، لم يلفت النظر كثيرًا، ثمّ تحوّل إلى "نار مستعرة وكأنّ شيطانًا ينفخ فيها"، وانتهى بها الحال إلى نيران سائلة.

وتجسد في مشهد الحريق ارتباك تعامل إدارات الدولة مع الطوارئ الشبيهة، حيث ذهب بعض الضحايا إلى المستشفى سيرا على الأقدام، بحسب بيان جماعة 5 سبتمبر، الذي اقتبس من تقرير لجنة تقصي الحقائق، وشهود عيان شهدوا "أغلق أهالي الحي شبابيكهم، وهبطوا إلى الشارع للفرجة فقط، ولم يكلفوا أنفسهم حتى لو إحضار أغطية لستر الفتيات، أو لمحاولة إطفاء المشتعلين".

تقول المخرجة المسرحية عبير علي، في تصريح سابق للمصري اليوم "حتى سواقين التاكسي رفضوا أن يركبوا معهم حالات، أما الموظفين في المستشفيات كانوا بيرفضوا يستقبلوا الحالات". وتعلّق "الخوف والإجراءات البيروقراطية انتصرا على حق البشر في الحياة". وصلت أول عربة إطفاء بعد 40 دقيقة، وثاني عربة بعد 50 دقيقة، رغم أن مقر قوات الدفاع المدني (المطافئ) يبعد خمس دقائق عن القصر، ولم يتمكنوا من إطفاء الحريق قبل مرور ساعتين. بحسب تقرير لجنة تقصي الحقائق. أما سيارات الإسعاف؛ فقد وصل أوائل الناجين والمصابين بجثامين زملائهم ليجدوها لا تزال متوقفة أمام بوابات المستشفى.

بدا من الجهد الإعلامي أن الوزارة حريصة على منع تكرار المأساة بأي ثمن. فأي ثمن دفعته الحركة المسرحية لمنع تكرار الحريق؟

وحسب شهادة الروائي بهاء طاهر في بيان باسم حركة "أدباء وفنانون من أجل التغيير" آنذاك، فقد سمع الأديب محافظ بني سويف يتحدث في التلفزيون في ليلة الحريق ذاتها، يصف سرعة وكفاءة أجهزة المحافظة في تعاملها مع النكبة، ولكن الواقع أن -حسب شهادة طاهر- "المصابين لم ينقذهم أحد وتركوا للموت والهلاك قبل أن يتحرك أي جهاز، المحافظ لام الضحايا وتهكم بـ(الباشا المخرج) بأنه سبب الكارثة"، وهنا اتجه المسؤولون وأجهزة الإعلام الرسمية لتحميل الضحايا المسؤولية عن الحادث.

لكن غضب المسرحيين ووجود إعلام مستقل -وقتها- قدم صوت الضحايا؛ دفعا وزير الثقافة فاروق حسني للاستقالة التي رفضها رئيس الدولة "حسني مبارك". وتعهدت الوزارة بتكريس إمكاناتها لتجديد قصور الثقافة وتزويدها بأحدث وسائل مكافحة الحرائق.

وقتها تولى الفنان التشكيلي دكتور أحمد نوار رئاسة هيئة قصور الثقافة، وكان يحرص في كل افتتاح على التأكيد بأن المسرح والقصر الجديد، أو الذي تم تجديده، زُوِّد بستائر وخشب مقاوم للحريق بالإضافة لأحدث أنظمة الإطفاء والإنذار المبكر. بدا من الجهد الإعلامي أن الوزارة حريصة على منع تكرار المأساة بأي ثمن. فأي ثمن دفعته الحركة المسرحية لمنع تكرار الحريق؟


موات

يقول المسرحي أحمد عباس، المخرج بقصر ثقافة شبين الكوم "بعد المحرقة تآكلت طبقة المبدعين المسرحيين، من ممثلين ومخرجين ونقاد". يضيف "أساتذة ماتوا، ونقاد ماتوا، وكتاب ماتوا، ومخرجين شباب، وممثلين شباب ماتوا، الحركة المسرحية انضربت في مقتل".

أوقفت الدولة نشاط معظم مسارح الأقاليم بعدها بحجة عدم مطابقتها لمعايير السلامة، يقول الشاعر والكاتب المسرحي يوسف مسلم لـ"المنصة" إن تحركات الدولة أضرت بالحركة المسرحية أكثر، فقد أغلقت المسارح في المحافظات دون توفير ميزانية لازمة لتزويدها حتى بـ "طفايات حريق يدوية وهو كل ما طلبه المسرحيون"، ورغم أن هذه المسارح في قصور وبيوت الثقافة تبقى هي دور العرض المسرحي الوحيدة في المحافظات خارج القاهرة وال|اسكندرية. فكانت النتيجة شلل شبه تام للإبداع المسرحي.

أما جهود الدولة الحقيقية وميزانياتها الموجودة، فقد توجهت لمجرد احنواء غضب المسرحيين؛ يقول يوسف مسلم "قامت الدولة بإنشاء جريدة مسرحية متخصصة (مسرحنا) لاحتواء غضب المسرحيين تجاه وزارة الثقافة. وبمرور الوقت، تم تصفية الغضب الذي دفع المسرحيين وقتها لعمل وقفات احتجاجية تطالب بجدية التحقيق ومحاسبة المسؤولين بوزارتي الثقافة والداخلية، واقتحم المسرحيون مكتب فاروق حسني وقتها بعد محاولات رسمية لاحتواء الحادث وتمريره، وبعدها وقعت حادثة رفض استقالة حسني كالصاعقة على المسرحيين. كل هذا انتهى تدريجيًا بصدور الجريدة ثم تصعيد المصابين بشكل لافت للنظر بداخل البيت الفني للمسرح وأروقة وزارة الثقافة. بات هناك مراكز قوى داخل المشهد المسرحي ترفض دخول أي جديد".

صدر الحكم القضائي في 2006 بسجن عدد من الموظفين، أهمهم كان مصطفى علوي الرئيس المُقال لهيئة قصور الثقافة ومعه رئيس قصر الثقافة. حكم عليهما وسبعة آخرين بالحبس 10 سنوات مع الشغل، وكفالة 10 آلاف جنيه لكل متهم. وألزمت المحكمة وزير الثقافة آنذاك فاروق حسني بتعويض أهالي الضحايا بصفته مسؤولا عن الحقوق المدنية المترتبة على أعمال تابعيه. وأعلن يوم الخامس من سبتمبر يومًا للمسرح المصري تفتح فيه المسارح مجانًا للجمهور، في محافظات ليس من بينها سويف التي لا تزال تنتظر موافقة الحماية المدنية على فتح مسرحها.

الآن، بعد مرور 13 عاما على المحرقة لم يتغير الوضع كثيرا، ووقعت مشادة بين محمد عبد الوهاب، مدير القصر، وضابط تابع للحماية المدنية، واعترض بعض المثقفين بعد مشاجرة الضابط، وصدر قرار بمنع إقامة الأنشطة داخل القصر "لمخالفة اشتراطات الحمياة المدنية"، وتعدى أفراد القوة الشرطية لفظيًا على الموظفين وأهانوهم.


المخرج والصحفي عادل حسان، أحد المصابين الناجين من المحرقة ومدير الإدارة العامة للمسرح بهيئة قصور الثقافة ومدير فرقة مسرح الشباب بالبيت الفني للمسرح، شكر لوزيرة الثقافة إيناس عبد الدايم موقفها في الأزمة الأخيرة لقصر ثقافة بني سويف، والتي قادت لتقديم مدير أمن المحافظة وقياداتها الأمنية اعتذارا للمسؤولين بهيئة قصور الثقافة على ما وقع أثناء تنفيذ قرار إغلاق القصر. كتب عادل حسان، وهو مدير تحرير سابق لصحيفة "مسرحنا" على حسابه في فيسبوك؛ "أخيرا عندنا وزير بيدافع عننا ويرد لنا الحق".

يقول المخرج والكاتب المسرحي يوسف مسلم إن "المسرحيين الشهداء ضاع حقهم والموضوع انتهى. لو كنا في دولة محترمة لتمت محاكمة فاروق حسني ومبارك، ولكننا كنا ولا نزال في ظل نظام يرانا حثالة ويرمي لنا الفتات"، ولا يرى حل لأزمة تداعي الحركة المسرحية، إلا بوجود "نظام سياسي عايز يشتغل عند الشعب، وإلا فنحن في انتظار مزيد من المآسي والكوارث لا نعلم كيف يكون شكلها".