رشيد على أحد مسارح بروكسل 2010. الصورة: كيمرون. فليكر- مفتوحة المصدر

غربة في بلاد الناس: رشيد أو وحش الركح الذي تعب فعاد إلى "سيق"

يا رشيد: إن كان يمكن اختصار تراثك في جملة فيكفي أنك تمردت على الطبوع الموسيقية العربية لتقول إنها أقوى وأهم من أن تبقى فولكلورًا محليًا يفرح به الغرب في المناسبات.

كثيرون سيفتقدون رشيد الذي غادر ليلة الأربعاء الماضي، لكن أكثر من سيفتقده هم المغاربيون في فرنسا. كان يغني لهم، ملتزما منذ بداياته الأولى بالعمل على تقديم ثقافته الجزائرية للعالم بمزج عديد طبوعها الموسيقية وعصرنة تراثها.. يُغذيه ويتغذى منه، صانعا لنفسه أسلوبا جعل منه نجمًا حقيقيًا.

رشيد الذي غادر إثر سكتة قلبية خلال النوم وعمره 59 سنة لم يمازج فقط بين مقطوعات موسيقى الراي التي تجد جذورها في الغرب الجزائري وهي المنطقة التي ينحدر منها رشيد، أو "قصائد الشعبي" التي سرّع من إيقاعها كأغنية "يا الرايح" لدحمان الحراشي؛ وإنما جعل الجمهور يكتشف أغاني عربية عديدة وطبوع جزائرية كثيرة في حُلة غربية أعطت موسيقى الروك العالمية، التي تصنف معظم أعماله منها، لمسة فريدة.

أحد وحوش الركح (خشبة المسرح)، الذي لا ينازعه في خلق الحميمية مع الجمهور إلا القليل. هكذا هو رشيد مدمّر كل الأنماط التقليدية. غريب الأطوار البارع جدًا، الذي يصنع البهجة بحضوره وجنونه على الركح تماما كما تطرب موسيقاه محبي الروك.

جمع ألبومه " ديوان" الصادر عام 1998 بالإضافة إلى "يا الرايح" أغنية "بنت الصحراء" لصاحبها خليفي أحمد عميد الأغنية البدوية في الجزائر، وكذلك "حبينا" لأمير الطرب العربي فريد الأطرش. أحيت موسيقى الكهرباء هذه القصائد المنتقاة بعناية من التراث الموسيقي العربي وزعزعت رتابة الأشكال الكلاسيكية المستمدة منها، لم تزعج النتيجة ذوي النزعة الصفائية، السمّيعة، لكنها أضافت متذوقين موسيقيين جدد.

فمثلًا، لا يخيل لأحد أن يرقص على أنغام قصيدة "الحمام" الحزينة والتي تحكي لوعة فراق الأحباب كما أن أداء مغنيها الأول، عميد الأغنية الشعبية الحاج محمد العنقة، بعمق حنجرته لا يسهل تقليده وإن تقطعت الحبال الصوتية لبعض من يحاول ذلك، إلا أن آداء رشيد لها على الخشبة أدخل الأغنية الأصلية في مساحة جديدة رغم أنها ليست أفضل أغاني "ديوان" المقتبسَة.


رشيد يمثل ما يغنيه، تارة يرتجل طرفة مخاطبًا الجمهور، وتارة يمازح أحد الموسيقيين أو يهرج راقصا، بطريقة تُورّط المستمع معه ومع الأغنية. لا تشبه عروض رشيد بعضها البعض ولو غنى نفس الأغنيات.

الاحترام الواجب للشيخة ريميتي

ما فعله رشيد في توزيع "الحمام" كرره مع باقي أغانيه المقتبسة تقريبًا، إلا ما تعلق بأغاني الشيخة ريميتي أو العرّابة التي يطلب أمومتها مغنو الراي ورشيد بالذات، فهو لم يُدخل تعديلات حقيقية على ما أعاده من أعمالها وهو الذي كرّمها بإعادة أغنيتها "روطار" (جاء متأخرًا) التي لا تظهر لها نسخة إليكترونية على ساوندكلاود أو يوتيوب حتى الآن.

تأثير الريميتي على رشيد يظهر في جرأة الكلمات على مجتمع محافظ. فهذه واحدة من أشهر أغنيات الريميتي بعنوان خليني، والتي تقول في أحد مقاطعها "شا جاب الريق السامط للحلو، سقّيني وروّيني"، الريميتي هنا تسمي الأشياء بمسمياتها مهما كانت درجة محافظة المجتمع.


ما فعله المهاجر بـ "فرنسا الحلوة"

ولد رشيد طه في مدينة سيق بولاية معسكر (320 كيلومترًا غربي العاصمة الجزائر) حيث عاش طفولته قبل هجرته فرنسا رفقة والديه عام 1968 وعمره عشر سنوات. استقرت عائلته بإقليم الألزاس وكبر هناك أوساط المهاجرين المغاربة.

كان لظروف المهاجرين تأثيرها على شخصية رشيد المتمردة على أوضاعهم الاجتماعية الصعبة بسبب العنصرية والتهميش، كما طبعت مشاكل الإدماج الكثير من أعماله الفنية. وهو ما يظهر بقوة في بداياته الأولى عندما أعاد تقديم أغنية فرنسية كتبت وغنيّت عام 1943 من أجل الفرنسيين الذين رحلّتهم ألمانيا النازية بالقوة خلال الحرب العالمية الثانية للعمل الاجباري. عنوان الأغنية "Douce France" (فرنسا الحلوة) لصاحبها شارل ترينيت وهي إهداء فيه الكثير من الحنين للوطن ومكان الطفولة.


اقتبس رشيد هذه الأغنية عام 1986 بعد 6 سنوات من إنشاء فرقته الموسيقية "Carte de séjour" (بطاقة إقامة) مع إريك فاكر، وجيروم صافي، وجمال ضيف، ومختار، ومحمد أميني، والتي يوحي اسمها بمضمون خطابها عن مشاكل المهاجرين.

أحدث إطلاق الأغنية المحملة بتاريخ سياسي ثقيل، ضجة إعلامية وجدلًا كبيرين بسبب النغمات العربية التي تخللتها الأغنية في طبعتها الجديدة. اعتبر البعض المقايسة مستفزة. رواج "فرنسا الحلوة" طمس باقي أغاني الألبوم الثاني للفرقة بعنوان "اثنان ونصف" وسجله المنتج ستيف هيلاج الذي رافق رشيد لبقية مشواره الفني.

من أجل مناهضة قوانين ضبط الهجرة لمدبرها الوزير شارل باسكوا؛ وزّعت الفرقة هذه الأغنية على نواب البرلمان وأصبحت نشيدًا لتجمعات الحملة الانتخابية لفرانسوا ميتيران، مرشح الحزب الاشتراكي واليسار الفرنسي عام 1988.


لم تعمر فرقة "بطاقة إقامة" طويلًا رغم الصخب الذي أحدثته في فرنسا بتناولها لمشاكل المهاجرين من الجيل الثاني، وصعوبات اندماجهم والعنصرية ضدهم بفعل انتشار حزب "الجبهة الوطنية" لجون ماري لوبان. تفكك الفرقة دفع برشيد لمزاولة مسيرته الفردية التي كانت أنجح من الفرقة.

هل أنا عربي؟ أوروبي؟ أسود؟

حافظ رشيد على الغموض بشأن جنسيته. طرحت عليه الصحافة السؤال مرارا وأثار تكاسله في طلب الجنسية الفرنسية اهتمام الأوساط الفنية و الإعلامية. كان يقول أن "كل من حولي فرنسيون ولم أحس يوما بالحاجة للقيام بالإجراءات الإدارية".

ارتبط اسم رشيد بمحاربة العنصرية عبر السخرية من ألوان البشرة باختلافها. كان اقتباسه عام 2006 لأغنية "أجاثا" لصاحبها فرانسيس بيبي بمثابة إعلان قوي لإفريقيته بعد أن ناضل دفاعًا عن أصوله المغاربية. هو الذي كان يقول "أنا فرنسي كل يوم وجزائري إلى الأبد". هنا بعض من كلمات هذه الأغنية "زوجتي أجاثا لمَ كذبت علي، ليس ابني رغم أنه ابنك، من يصدق أن ابنك الأبيض هذا مني أنا.. لقد صدقت أمي عندما قالت إن زوجتك هذه ستريك كل ألوان العذاب وها أنت تمنحيني ابنا أبيض.. هاهاها.. أتعتقدين أنني مجنون بقولك أنه ابني؟ هذا الطفل لم يقرر بعد أن يصبح أبيضا محليا.. أبيض أو أسود، هو طفل جاء من السماء، قالها لي الملك سليمان وبذلك أنت محظوظة. لكن لا تقولي مرة أخرى أنه ابني".


اندماج المهاجرين؟ لا

رشيد لم يكن "اندماجيًا" بل كان مدافعًا عن الاختلاف عندما ظهر في الصفوف الأولى للمظاهرات من أجل المساواة في 1998 التي نظمها مهاجرون ممن ولدوا على التراب الفرنسي يعانون الإقصاء بسبب أصول آبائهم وأجدادهم في سياق فوز فرنسا بكأس العالم لكرة القدم في ذلك العام، والنقاش الذي أثاره هذا الفوز.

كانت مواقفه وخرجاته صاخبة يعتبرها البعض لا تخدم قضيتهم بشأن اندماج أبناء الجيل الثاني من المهاجرين في المجتمع الفرنسي وإنما تضفي على خطابهم شيئا من الضبابية. وهو ما اتضح بشدة في ألبومه "Tékitoi " (من أنت؟) الصادر في 2004، والذي جعل منه رمزًا ضد العنصرية. يقول في هذه الأغنية "من تكون، ماذا تكون؟ لا تنس أن هناك من سبقوك و هناك من سيأتي بعدك لا محالة".


في كل الأحوال كان عام 1998 الأكثر نجاحا في مسيرة رشيد طه فبالإضافة إلى ألبوم "ديوان"، شكّل مع الشاب خالد وفوضيل ثلاثيًا سمي " 1,2,3 Soleil" وغنى معهما على الخشبة رائعة الراي "عبد القادر". بجانب تأليفه موسيقى الكثير من الأفلام أشهرها "Morituri" للمخرج عكاشة تويتة، والمقتبس من الرواية التي تحمل نفس العنوان للكاتب الجزائري الأكثر مقروئية في العالم ياسمينة خضراء، والتي تروي جانبا من مأساة الشعب الجزائري في سنوات التسعينات وويلات الإرهاب الإسلاموي.

بوستر فيلم موريتوري الذي ألف موسيقاه رشيد طه

النهاية أيضًا دون رسميات

شُيع رشيد أمس الجمعة في مسقط رأسه في سيق، ولاية معسكر غربي الجزائر بحضور الأصدقاء و العائلة، من دون رسميات، راح كما كان يعيش بتواضع. رشيد الذي كان يغني للبسطاء أحيا الكثير من أغاني البسطاء، فمن بين أغنيات كثيرة عن الهجرة والحنين للوطن اختار "يا الرايح" لدحمان الحراشي لتصبح فيما بعد من أشهر أغانيه، ذلك أنها أحدثت ثورة داخل الثورة.

بمثل تواضعه حيًا، كانت جنازته. وكأن القدر سايره في ذلك عندما جعل وزير الثقافة الجزائري يعتذر عن حضور جنازته بتغريدة على تويتر معللًا ذلك بمهمة خارج البلاد. كما أن حضور سفير الجزائر بفرنسا مراسيم توديع جثمانه قبل نقله إلى الجزائر لم يكن بارزًا، مقارنة بحضور أصدقائه من الفنانين ومَن كان يغني لهم في الحفلات. تغرّب رشيد في فرنسا وعمره 10 سنوات، وأبى إلا أن يعود و يدفن في مسقط رأسه الذي كان يزوره دوما.. وعلى رأي أغنية "يالرايح": يا مهاجر ، ستتعب وتعود يومًا.


اقرأ أيضًا: هنا وهران.. أهازيج الكرة والراي والثورة