رجال ما وراء الشمس

تمكن الرجلان اللذان كانا مجهولين في عام 1987 من سحب قميص بارتيزان الشهير الأبيض والأسود كأول أجنبيين في تاريخ النادي مرات عديدة في عام 1988 قبل الانزواء مجددا وراء الشمس.

عام 1989، انطلقت نسخة منقحة من فيلم صيني بعنوان رجال وراء الشمس، فيلم جاب العالم كله عدا اليابان، لإنه ببساطة يتحدث عن جرائم الحرب التي ارتكبتها الفرقة 731 التابعة للجيش الياباني إبان الحرب العالمية الثانية من خلال تجربة الأسلحة الكيميائية والجرثومية التي تسببت في إبادة الآلاف من الصينيين.

في نفس العام كان موعد إجلاء الطلاب والمفكرين الذين دخل اعتصامهم في ساحة تايننمان الشهيرة سنته الثانية، دهسا تحت جنازير الدبابات، لتنتهي أكبر موجة احتجاجية في تاريخ الحديث، الموجة التي بدأت ضد الفساد بتكريم لهو ياوبانج باعتباره أحد المطالبين بالديمقراطية، وانتهت إلى المطالبة بإنهاء حكم الحزب الشيوعي للصين.


في الصورة الجماعية لفريق بارتيزان بلجراد، الغريم التقليدي لفريق تشزفينا زفيزدا (النجم الأحمر اليوغوسلافي) في موسم 1988-1989، يظهر عدة رجال يبتسمون للكاميرا وأعينهم تنظر شزرا بسبب أشعة الشمس، من بينهم داليان شيوي تشيوان وشنجهاي ليو هيوانج، وهما رجلان من الصين عبرا المحيط الأطلنطي لا لتنال منهما عدسات الكاميرات لأفلام الأكشن الشهيرة، بل للعب كرة القدم في أكثر بلاد كرة القدم شيوعية وغضبًا، يوغوسلافيا.


حتى عام 1987، لم يلعب أي لاعب صيني في أي دوري خارج الصين. كان اللاعب شيه يوشين أول من انتقل إلى أوروبا عندما ذهب إلى ناد هولندي للهواة اسمه PEC Zwolle'82 في عقد تدريب بعد أن شوهد في مباراة ودية للشباب، أما يو يوانجمينج فكان موجودًا بالفعل في ألمانيا في هذه المرحلة عام 1987، لكنه لم يوقع على عقود لنادي دارمشتات الألماني حتى أواخر هذا العام بعد إتمام صفقة الثنائي لبارتيزان بلجراد.

ظهر جيا في مركز الوسط، وكان قائد الفريق الوطني منذ خسارة نهائي كأس آسيا عام 1984 أمام السعودية التي شارك بها أيضًا زميله ليو هيجوانج. كان السماح للاعب باللعب في الخارج قرارًا مثيرًا للجدل في ذلك الوقت ولم يكن من السهل على اتحاد الكرة في الصين.


سيصبح جيا وليو أول لاعبين غير أوروبيين يلعبان مع بارتيزان، كان هذا التحرك جزءًا من اتفاقية تبادل ثقافي بين الصين ويوغوسلافيا، في الوقت الذي يخوض فيه بارتيزان يخوض معركة مع غريم المدينة الأحمر تشزفينا زفيزدا في الدوري الممتاز اليوغوسلافي عام 1988/89 ولم يكن مضطرا لعقد تلك الصفقة لولا الضغط عليه لأسباب دبلوماسية وسياسية بحتة.

وبما أن كرة القدم الصينية لم تكن معروفة تماماً، فقد أراد بارتيزان على نحو مفهوم الاطمئنان على معدن اللاعبين اللذين سيضمهما إلى صفوفه، ويا لحسن الحظ، كانت الصين تلعب في التصفيات المؤهلة لكأس آسيا عام 1988 في فبراير/ شباط من ذلك العام. وصل كشاف بارتيزان إلى الإمارات العربية المتحدة لمشاهدة الثنائي، حيث قاد جيا الدفاع الذي لم يدخل مرماه سوى هدف واحد في خمس مباريات، بينما سجل ليو شنجهاي ثلاثة أهداف في النهاية أعجب الكشافة حاضري ملاعب زايد.

كان يوم 29 فبراير يوما كالعادة لا يتكرر كل عام، فقرر جيا وليو أن يغادرا إلى بلجراد. رحلة اكتشاف الغامض وماذا يعني العالم بعيدا عن النظر كل يوم لقنوات محلية صينية لا تعرض سوى تقارير عن ساحة تاينمان، أو بعض مساحات الحرية التي يحصل عليها الصينيون في ساحات مطاعم ماكدونالدز، إحدى مساحات الحرية القليلة المتصلة بالولايات المتحدة داخل قطعة أرضٍ حمراء خالصة أكثر من من السوفيت نفسهم.

متنفس من الحرية داخل ماكدونالدز بالصين.

بينما ظل فريق تشزفينا زفيزدا في الصدارة لا يطغى عليه شيء، كان بارتيزان بلجراد يضم لاعبين لا يستهان بهم مثل فهرودين أوميرفيتش والمدافع اليوغسلافي الدولي بريدراج سباسيتش، بالإضافة إلى المهاجمين نيبيوشا فوسيشيفيتش وسلايان سيبوفيتش.

في بلجراد كان على الصديقين مواجهة الصدمة الثقافية والحواجز اللغوية. على سبيل المثال، انتقل جيا من تنظيم دفاعه وتوجيه زملائه أو سماع التعليمات بلغة الماندرين إلى أن يتم تلقينه لغة جديدة تمامًا. في الواقع، كان هناك عدد قليل جدا من المتحدثين بلغة الماندرين في بلجراد لدرجة أن جيا وليو اضطروا للذهاب إلى السفارة الصينية للعثور على صينيين للتحدث معهم، حالة من حالات الـ Homesickness، هناك هواء بارد على صدورنا غير هواء الوطن، هذا اضطراب يصيب مواطني البلاد المنغلقة وليس للصين منافس في ذاك.

على الرغم من هذا، يبدو أن جيا استقر بسرعة ولعب 16 مباراة في الدوري بين مارس/ آذار وديسمبر/ كانون الثاني عام 1988، على العكس من ليو الذي شارك في ست مباريات فقط في الدوري ولكنه أحرز ثلاث مرات. كانت نسبة تسجيله أكثر إثارة للإعجاب في المباريات الودية. 15 هدفًا في 12 مباراة فقط. واحد من أهدافه في الدوري أيضا صنع التاريخ، عندما واجه المرمى بعد 45 ثانية فقط، أصبح أسرع هدف في تاريخ الدوري اليوغوسلافي. رقم سيصمد للأبد لأن الدوري اليوغوسلافي انتهى عام 2000 مع تفكك البلاد.

جيا تشيوان.. عرف طريق المرمى سريعا.

الملاعب هنا في بارتيزان لم تكن متعددة الأغراض كمثيلتها في الصين، فعلى الرغم من كم الحكايات المرسومة بالرشاش ذي اللون الأحمر على حائط الممر الواصل بين غرف خلع الملابس والملعب، إلا أن الصديقين ألفا شيئا فشيئا معاناة اليوغسلاف داخل وخارج الملعب مثل أصدقاء الوطن.

كانت رموز الصليب المعقوف والجماجم ذات العظمتين المرسومة على الممر المؤدي لملعب بارتيزان، إضافة إلى الكلمات التي تعبر عن نزف لن ينتهي، مألوفة للصديقين إذ شاهدوا مثلها في ممر الملعب الوطني ببكين. في أحد أيام التدريبات عام 1987، خرج الصديقان مع المنتخب من ممر الملعب الأوليمبي ببكين إلى الملعب ليجدوا أن الدبابات الصينية منتصبة بداخله لنقل لاعبي الفريق عبورا لساحة تاينمان إلى مقر تدريب مختلف بعد أن نما لعلمهم أن المحتجين ينوون احتلال الملعب الأوليمبي.

أما في بارتيزان فقد ظن الصديقان أن لا محل للخلافات تلك التي ألفوها في الصين، حتى مزقت الانقسامات بين بلجراد الصربية وزغرب الكرواتية أبناء الوطن الواحد يوغوسلافيا آنذاك.

يركل زيفونير بوبان ابن زغرب شرطيًا من بلجراد حين بدأت الشرطة تهم بالهجوم على جماهير دينامو زغرب في مواجهتها الشهيرة أمام تشزفينا زفيزدا، كم كان مثيرا أن تتعرض للإيقاف بعد تلك الواقعة مثل بوبان لمدة تسعة أشهر ولا تذهب لكأس العالم مقابل أن تصبح بطلا قوميا ورمزا للانفصال في كرواتيا بعد التحرر من قبضة الوطن المزعوم يوغوسلافيا.

ركلة أشعلت الحرب.

تابع الصديقان تلك القصة عام 1990 معا في أحد ملاهى بكين الشهيرة لاحقا وهما يتحسران على حرمانهم من كأس العالم بعد الخسارة من الإمارات في تصفيات لن ينساها أبناء زايد حين أقصوا المنتخب الصيني وحرموه من التأهل لمونديال إيطاليا 1990.


كان منظر المنزل الجديد باعثًا على الاطئمنان بالنسبة للثنائي الذي ما زال ينعم بصخب الأطفال أثناء لعبهم الكرة أو ضوضاء الجماهير المتوجهة إلى الاستاد، غير أن ضجيج مشجعي بارتيزان في الملعب المسمى "JNA" (جيش الشعب اليوغوسلافي) سيظل مختلفًا عن أي شيء واجهه جيا وليو في السابق من تصرفات حضارية بملعب بكين الوطني.

على الرغم من أن الحشود الصينية كانت أكثر صخبًا في أواخر الثمانينيات عما كانت عليه في أول جولة غربية تنهي انغلاق الصين في أواخر السبعينيات، تضمنت لعب مباريات ودية مع فرق من ألمانيا الغربية. لم تكن الشماريخ والصواريخ بندا شائعا في المدرجات الصينية لتطير حتى في السماء، على عكس بارتيزان حيث كان الجزء الأقل من الشماريخ يصوب إلى السماء أما البقية فتتوجه صوب جمهور الفريق المنافس.

ساعد جيا شيو تشيوان وليو هايجوانج بارتيزان في تحقيق المركز الثاني في موسم 1987/88 بفارق نقطة واحدة فقط عن غريمه تشزفينا زفيزدا. من الواضح أن الصديقين تركا انطباعًا جيدًا حيث تم مكافأتهم بتمديد العقد.

سمح أحد شروط العقد لجيا وليو بالعودة إلى المنتخب الصيني الذي تأهل إلى الأولمبياد للمرة الأولى في تاريخه عام 1988 في سيول. ومع انطلاق موسم الدوري اليوغسلافي بالفعل، سافر الثنائي إلى سيول في سبتمبر/ أيلول. وانضم إليهما زملائهما ببارتيزان بريدراج سباسيتش، ودراجولوب برانوفيتش وفلاديسلاف ديوكتيش الذين كانوا جميعا في الفريق اليوغسلافي.

بدأ جيا وليو مباريات الصين الثلاث كلها، لكنهما لم يستطعا مساعدة الصين على التأهل من مجموعتهما. خسروا أمام ألمانيا الغربية والسويد، قبل التعادل مع تونس في المباراة الأخيرة. لم يكن الفريق اليوغوسلافي أفضل بكثير لأنهم خرجوا أيضا من مرحلة المجموعات. كانوا جميعًا يعودون إلى بلجراد في وقت أقرب مما كانوا يأملون.

26 أكتوبر/ تشرين الأول 1987. سجل ليو هايجوانج وجيا شيو تشيوان، حيث قادا الصين للفوز على اليابان 2-0 في طوكيو لتتأهل لدورة الألعاب الأولمبية في سيول. بعد سنة واحد بالضبط في 26 أكتوبر عام 1988، كان ليو وجيا على مقاعد البدلاء في الدور الأول لكأس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم ضد روما. بعد 46 دقيقة، نزل جيا إلى أرض الملعب ليصبح أول صيني يلعب في المسابقة الأوروبية القارية. وأمام حشد صاخب، فاز بارتيزان 4-2.


ومع ذلك، لم يكن جيا ولا ليو في التشكيلة في مباراة الإياب في ملعب الأولمبيكو بالعودة. فاز روما بهذه المباراة 2-0 وواصل أهدافه، انتهت مغامرة بارتيزان الأوروبية لهذا العام، وكانت إقامة الثنائي الصيني في بلغراد تقترب أيضًا من نهايتها.

كانت مباريات بارتيزان في موسم 88/89 مخيبة للآمال على عكس الموسم السابق، حيث انتهى به الحال في المركز السادس. لم يحقق الفوز بكأس يوغوسلافيا أي عزاء، ظهر كل من جيا وليو في الجولات الأولى من هذه الكأس، لكنهما حرما من المباراة النهائية عندما عادا إلى الصين في ذلك الوقت.

في الواقع، عندما ضرب بارتيزان فيلي موستار 6-1 في المباراة النهائية لكأس يوغوسلافيا يوم 10 مايو/ أيار ورفع الكأس بعد غياب، عاد في نفس اليوم جيا وليو إلى اللعب فيما وراء الشمس مجددا مع منتخب بلادهم الصين في مباراة ودية ضد اليابان انتهت بتعادل بهدفين لكل فريق.

استدعاء الصديقين قبل نهائي الكأس بأربعة أيام وحرمانهما من مشاركة التتويج مع فريقهما اليوغسلافي حدث بالقوة إذ هدد مسؤولون صينيون بإنه إذا لم يحضر جيا وليو تلك المباراة الودية فعليهما التعامل مع يوغوسلافيا كمنفى أبدي.

سمح بارتيزان للصديقين بالعودة إلى الصين مبكراً في يناير/ كانون الثاني 1989 بعد الاستغناء عن خدماتهما. هذا لا يعني أن نادي بارتيزان بلجراد لم يقدّر إمكانيات لاعبيه الصينيين كعادة أغلب نهايات التعاقدات المؤسفة كما عهدنا كرة القدم، بل على العكس، فقد كان النادي يقدرهما لدرجة أنه لم يفرج عنهما للعب في كأس آسيا في ديسمبر 1988.

مع تصفيات كأس العالم لقارة آسيا عام 1989 ودورة الألعاب الأسيوية نظرا لأنها تجري على جدول وتوقيت مختلف لنظيرتها في أوروبا، أراد الاتحاد الصيني لكرة القدم إثبات وجهة نظره بعدم صلاحية اللاعبين الصينيين للاحتراف نظرا لأن الشرق يدور عكس الغرب ووجه الأرض الأخر كئيب سريع، عكس ما ألف رجال تربوا وراء الشمس.

لذلك، بعد تجربة بيئة كرة قدم مختلفة جدًا -داخل الملعب وخارجه- كان اللاعبان يلعبان مباريات ودية الصين ضد مقاطعة بوتان وفيتنام وخلافه من الأصدقاء المألوفين بنهاية يناير 1989، بعيدة كل البعد عن ملعب جيش الشعب اليوغسلافي، وأمام جمهور منافس يلوح لهم بكل ترحاب بديلا عن أن يضيق حدقة عينيه تهكما.

منذ الأيام الأولى لكرة القدم المحترفة في الصين، كان اللاعبون من البلدان الشيوعية السابقة وعلى رأسها يوغوسلافيا من بين أكبر موردي اللاعبين للاحتراف في الدوري الصيني. ومن بين اللاعبين الذين قضوا فترة طويلة ألكسندر شيفكوفيتش الذي كان يلعب سابقًا لناديي شاندونج وشنتشن، وكذلك ميودراج بانتيلي نجم نادي بكين جوان.

لاحقا كان اللاعب السابق لبارتيزان بورا ميلوتينوفيتش يقود الصين إلى نهائيات كأس العالم 2002 لأول مرة في تاريخها. على الصعيد المحلي، كان المدراء اليوغوسلافيين يحتكرون تقريباً الفوز بالدوري الصيني بين عامي 1999 و 2008. أولاً كان مهاجم بارتيزان السابق سلوبودان سانتراو مع شاندونج لونينج مديرا فنيا عام 1999، ثم فاز ميلوراد كوسانوفيتش بألقاب الدوري الثلاث التالية مع نادي داليان شايد، وكذلك حقق فلاديمير بتروفيتش الدوري والكأس مرتين في عام 2005 مع داليان مجددا، قبل أن يفوز لاعب بارتيزان السابق ومديره ليوبيشا تومباكوفيتش بالدوري الصيني الممتاز مرتين في ثلاث سنوات مع شاندونغ.

خلال إقامتهما في بلجراد ، لم يلعب جيا وليو في دربي الأبدية ضد تشزفينا زفيزدا في الدوري. لم يكن من الممكن أن يكونا غير مدركين لأجواء الغضب في المدرجات بين الناديين، ربما كان من الغريب أن نرى أن العدد الكبير نسبياً من اللاعبين والمديرين من الدول اليوغسلافية السابقة في الصين غير مرتبط كلياً باتفاقيات كرة القدم الدبلوماسية مثلما حدث في بلجراد عام 1988.

أبرز شيء في هذه القصة هو أن ما حدث لأول مرة في تاريخ الصين وبارتيزان على الإطلاق. تمكن الرجلان اللذان كانا مجهولين في عام 1987 من سحب قميص بارتيزان الشهير الأبيض والأسود كأول أجنبيين في تاريخ النادي مرات عديدة في عام 1988 قبل الانزواء مجددا وراء الشمس.