أحد الأطفال يتجول بين أجنحة الشركات المصرية أثناء معرض إيديكس 2018. تصوير: سيد تركي

الحرب هي السلام: جولة في "مول السلاح" 

عائلات بأطفالها ومئات من طلاب الجامعات المدنية يرتدون أوشحة حمراء وخضراء، بجانب مئات العسكريين بملابسهم السوداء أو الزيتية أو البيضاء أو الزرقاء كل حسب لون يونيفورم جيش دولته، هذا هو الفارق الوحيد بين أن تكون في معرض للسلاح أو في مول للملابس.

أسلحة في فاترينات زجاجية، أو تقف على الأرض. نساء بمكياج كامل في قاعات السلاح الإسباني والروسي والإيطالي والأوكراني والتشيكي، ليس تنميطًا، أو سيدات محجبات في أجنحة عدد من الشركات السعودية والمصرية. بعض النماذج مصغرة لا تسمح قاعات العروض المكيفة بوجودها، مع طائرة كا- 52 روسية بجوار القاعة رقم 1 للترحيب بالزائرين، ونماذج كاوتشوك لدبابات M1A1 الأمريكية وعدد من نماذج ناقلات الجند من الكاوتشوك أيضًا.

سلام.. سلاح

"السلاح من أجل السلام" بدت كجملة شاعرية من يونجيل هونج، مساعد مدير شركة بونجسان الكورية الجنوبية لتصنيع الذخيرة، وأحد المشاركين في معرض إيديكس الأول في مصر الذي عقد في أرض المعارض الجديدة من 3 إلى 5 ديسمبر.

حاول يونجيل استدراك وقع الجملة الغريب شارحًا "في نهايات القرن التاسع عشر اجتاحنا اليابانيون ببنادقهم، ونحن دافعنا عن أرضنا بالسكاكين والفؤوس. والنتيجة معروفة بالطبع. شركتنا أنشئت عام 1968، نضع نصب أعيننا أن امتلاك القوة العسكرية لا يعني الهجوم على الآخرين وإنما ردعهم عن غزونا".

نفس الشركة الكورية عُرفت بسخائها على عائلة بوش عندما حصلت على عقود توريد بمليار دولار من إدارة جورج بوش الابن. قبل 3 أعوام كشفت صحيفة بوليتكو في تحقيق عن توجيه 10 دعوات لجيب بوش، الشقيق الأصغر للرئيس السابق، لإلقاء محاضرات مدفوعة الأجر لصالح الشركة بملايين الدولارات في الفترة من 2007 لـ 2013، بجانب تبرعات أخرى لمكتبة تذكارية للرئيس الأب.

"هو مجال عملي، وتعودت على رؤية السلاح. أنا كشخص، ضد السلاح بين قوسين. لكن شركتنا بالأساس شركة مدرعات" يقولها بلكنة لبنانية بشار ياغي أحد ممثلي مبيعات شركة سترايت الإماراتية لتصنيع العربات المدرعة.

كرجل مبيعات وفيّ لعمله يقول "نحن الشركة الوحيدة في مجالنا بالعالم التي تحتفظ بـ 400 سيارة جاهزة للطلب الفوري. لا ننتظر الطلبيات بالشهور مثل الآخرين".

لكن رجل المبيعات أيضًا ربّ أسرة، حتى وإن كان يعمل في صناعة آلات حربية "شيء كويس إن الناس المدنيين ييجوا المعرض ويشوفوا السيارة بتاعة شركتنا مثلًا وهي بتحمي عساكرهم وأهاليهم وإخوتهم. دا بيخليهم يحسوا بطمأنينة أكثر. الأخت أو الأم أو الزوجة اللي زوجها عسكري أو شرطي يوم ما تيجي هنا؛ هاتطمن على زوجها، إنه بخير وسلام وأمان".

خط أحمر

نشاهد فيديو على شاشة عرض كبيرة يوفرها المعرض للتجار/ الشركات يتوقف عند مشهد لوزراء إماراتيين حضروا عرض شركته وأبدوا إعجابهم بما أنجزوه "مصر أخدت مننا سيارات بعد 2013، كما أن سياراتنا تغطي إفريقيا كلها". لكن مناطق النزاعات بالنسبة لشركتهم خط أحمر "نلتزم بسياسة الدولة ولا نصدر لمناطق النزاعات مثل سوريا أو ليبيا. كله يتم بموافقة الحكومة، نراجع هناك مندوب أمني في الشركة يراجع أوراق الاستخدام الأخير الصادرة من وزارات دفاع الدول التي ترغب في عقد صفقات شراء".

التأكيد لا يتوقف من ممثلي شركات السلاح المختلفة بصيغ مختلفة تتنوع بين "نتبع القواعد المنظمة لعملنا ولسياسات دولنا" و"حريصون على عدم استخدام السلاح في أعمال قمع" و "طبعًا نحن في النهاية شركة تضع الربح و“تارجت المبيعات“ بين عينيها".

وماذا عن سكان منطقة ملتهبة مثل الشرق الأوسط بحكم أن شركة مثل بونجسان الكورية تصدر منتجاتها من الذخائر لمنطقة كهذه، أسأل يونجيل هونج، فيقول "لدينا في كوريا الجنوبية إدارة برنامج الاستحواذ الدفاعي، DAPA، مهمتها هي التحكم في كل عمليات تصدير الأسلحة والذخائر، ويجب الحصول على موافقتهم قبل كل عملية تصدير".

وهل DAPA رفضت أو في طريقها لرفض تصدير السلاح لدولة مثل السعودية بسبب تورطها في حرب اليمن؟.. يرد "كل ما أستطيع قوله أن البلدان الأوروبية على سبيل المثال تغيّر من سياستها وتفرض محاذير على عمليات تصدير السلاح للسعودية. الحكومة الكورية من جانبها تفحص وتدقق الوضع وتراقب التطورات".

التجربة

في أول زيارة لأي "مول" لا يمكنك عزل نفسك عن التجربة، حتى وإن كانت سريعة. دخلت إلى جناح شركة زن الهندية المتخصصة في تصنيع مجالات نماذج المحاكاة لجنود المشاة. جرّبت التصويب بمضاد الدبابات كونكورس (9M113- قيادة نصف أوتوماتيكية للتصويب”ساكلوس“)، وهو أحد مضادات الدبابات الروسية القديمة الذي بدأ انتاجه عام 1974، ويستخدمه عدد من الجيوش، وكذلك جماعات إرهابية في سوريا والعراق.

السلاح حقيقي لكن التصويب على شاشة. أخذت مكاني، كتفي تحت منصة الإطلاق، في الوقت الذي كان الكولونيل متقاعد أبيشيك أجنيهوتري، نائب رئيس قسم التطوير بالشركة، يشغّل جهاز المحاكاة. صوّبت على عربة مدرعة تتحرك بسرعة، وأطلقت. ثم تحكمت بمسار الصاروخ عبر عجلة التوجيه الصغيرة، حتى إصابة الهدف.

بعدها ذهبت إلى غرفة سوداء ذات شاشتين تغطيان حائطًا كاملًا. بندقية كلاشينكوف الشهيرة AK-47، حقيقية وخازنة طلقات معدنية أيضًا على طرف الماسورة جهاز ليزر له ضوء أخضر. يشغّل الكولونيل المتقاعد جهاز المحاكاة: هذه المرة فيديو حقيقي لمشهد تمثيلي فيه شاب يوقف سيارة في إشارة مرور، ربما لبيع شيء ما، لكنه يرفع مسدسه فاجأة في محاولة للسطو.

أنت الشرطي ذو الكلاشنيكوف. والكولونيل يزعق بجوار الشاشة: صوّب واقتله.

عرَقٌ ودمٌ

"العرق في التدريب يوفّر الدم في المعركة" الجملة الكلاسيكية التي تسمعها في البيانات الحماسية للقوات المسلحة المصرية، قالها بنفس الصياغة الكولونيل المتقاعد شارحًا أهمية أجهزة المحاكاة في العموم لتحقيق هذا الشعار.

قبل الخروج من الغرفة لم أقاوم سؤال جوجل عن أصل الجملة التي قالها الكولونيل الهندي المتقاعد. هي منسوبة لضابط مشاة البحرية الأمريكي السابق في حرب فيتنام يدعى ريتشارد ماركينو، حسبما كتب مشاركون في إحدى محادثات موقع ريديت. وكرر نفس الجملة من بعده بتصرّف نورمان شوارسكوف، الاسم الشهير في المنطقة العربية حين كان قائد قوات التحالف لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي.

دفعتني هذه الجملة لسؤال نائب رئيس شركة زن الهندية والمسؤول عن قطاع التصدير، إتش. جيه. كاماث، عن العقليتين العسكريتين الهندية والمصرية، وعن منافسة شركته مع الشركات الأخرى التي تنتج أنظمة محاكاة للتدريب للفوز بعقود مع الجيش المصري.

يقول كاماث "كل شخص موجود في هذا المجال لديه بعض التكنولوجيا، وبالمقابل لديه بعض الزبائن. الفكرة هي أنه كيف يمكنك وضع نفسك وسط هذه المنافسة لتلبي متطلبات الزبون، أو كم أنت قريب من تلبية متطلباته. لا يوجد احتكار في السوق، ولا يجب أن يكون فيه احتكار. الحقيقة أن الجيش المصري سيختار الشركة التي ستمنحهم الدعم الفني المستمر، لا يمكنك تغيير الموردين أو التنقل بين أنظمة مختلفة بشكل دوري".

فهل تبيع شركته للجيش المصري السوفت وير فقط؛ يقول "لا. نبيع المنتج بالكامل للمصريين، نصنع كل هذا. الهند هي الأفضل في العالم في مجال السوفت وير، ربما لسنا الأفضل في مجالات أخرى، لكننا بالتأكيد الأفضل في العالم في هذا المجال. فعندما ندمجه مع الذكاء الاصطناعي سيكون لمنتجنا النهائي قيمة أكبر عند الزبائن. كما أن العقليتين الهندية والمصرية متشابهتان، ولذلك نحن نعرف كيف نعمل مع المصريين. فالخلفية الثقافية متوافقة بيننا أيضًا".

أهلًا بك في الشرق الأوسط

بعيدًا عن الخلفيات الثقافية التي تجمع الشعبين، حسب المسؤول عن قطاع التصدير في الشركة، فإن منطقة الشرق الأوسط تعاني 7 نزاعات مسلحة مفتوحة تتنوع بين حروب أهلية في سوريا واليمن ليبيا والعراق، وأعمال عدائية لجماعات تُصنّف بالإرهابية في مناطق بمصر وتركيا، بجانب الاعتداءات جيش الاحتلال الاسرائيلي والرد بإطلاق الصواريخ من جانب حركة حماس.

المنطقة المليئة بالنزاعات والحروب تأتي 5 دول منها لتتصدر قائمة المشترين للسلاح الرئيسي للجيوش في الفترة من 2013 لـ 2017، حسب آخر تقرير لمعهد ستوكهولم لدراسات السلام، الذي يقّدم قاعدة بيانات مفتوحة يمكن لأي شخص من خلالها معرفة صفقات السلاح المسجلة رسميًا، ومَن يبيع ومَن يشتري.

السعودية تتقدم جميع العرب، بالطبع، بنسبة 10% من إجمالي أموال سوق السلاح في العالم، تليها مصر بنسبة 4.5% في المركز الثاني عربيًا وبنسبة صغيرة تتبعها الإمارات بـ 4.4% التي تسبق دولة كالصين، وفي قائمة المستوردين تأتي الجزائر والعراق. كبّار الباعة على رأسهم بالطبع الولايات المتحدة بنسبة 34%، ثم روسيا بـ 22%.

من آخر تقرير لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام

هذه الأرقام قد تشرح بعض الشيء أسباب عقد مثل هذا المعرض. فهذا السوق المليء بالزبائن يحتاج إلى مكان يجتمع فيه المصنعّون والمستهلكون.

الباحث والمدون في شؤون الدفاع محمود جمال يقدم شرحًا لذلك بالقول "المعرض حقق لمصر عددًا من المكاسب السياسية والعسكرية".

چوليو حاضر

يشرح جمال "عسكريًا؛ أتاح المعرض لمئات الشركات العالمية المتخصصة في الشؤون الدفاعية عرض منتجاتها أمام عدد كبير الوفود العسكرية رفيعة المستوي من دول مختلفة و9 وزراء دفاع. وسياسيًا؛ فالمعرض شهد حضورًا مكثفًا من الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة التي شاركت بأكثر من 42 شركة، ما يؤكد تغيير رؤية الجانب الأمريكي وسياسته بشأن مصر، بالإضافة إلى شركات سلاح روسية وفرنسية وإيطالية".

دلالة الصفقة الإيطالية مع الجيش المصري يشرحها جمال بالقول "شهد المعرض إتمام توقيع عقود سلاح وإتفاقيات مشتركة لتعزيز التعاون العسكري بين البلدين على الرغم من تداعيات ما وصلت إليه التحقيقات في قضية مقتل الطالب (چوليو) ريچيني، كما عرضت شركات السلاح الإيطالية علي مصر تزويدها بقطع بحرية ثقيلة تتضمن الفرقاطة فريم بيرمجيني المخصصة لأغراض الدفاع الجوي".

يخلص الباحث والمدون العسكري إلي أن ذلك "يؤكد أن جميع القيود التي فرضت على مصر في مجال امتلاك السلاح في عام 2013 قد سقطت، علاوة على هذا فإن المعرض يتيح الفرصة لمصر لتسويق منتجاتها الدفاعية والتي تم عرضها لاول مرة على أمل أن يتم التعاقد عليهم من قبل دول عربية أو إفريقية".

الحظر ينتهي

حظر تصدير السلاح لمصر عقب 2013، تداعَى بالتدريج. فحسب التقرير الختامي لعام 2017 لمعهد ستوكهولم فإن مصر اشترت من فرنسا على سبيل المثال فرقاطة جويند للقوات البحرية وطلبت تصنيع 3 آخريات في مصر بين 2017 و2019. بجانب 50 صاروخًا مضادًا للسفن تسلمت منها مصر 10صواريخ تعمل على الفرقاطة جويند. بالإضافة إلى 14 طائرة رافال من إجمالي 24، تعمل عليها صواريخ ميكا BVRAAM، طلبت منها مصر 150 قطعة، وتسلمت 90 حتى نهاية عام الاحصاء، بجانب 30 صاروخ ستورم شادو، SCALP.

قبل تداعي الحظر الأوروبي تدريجيًا تظهر دولة الإمارات في الصدارة، إذ طلبت منها مصر عام 2013 رقمًا ضخمًا من المركبات متعددة المهام، APV، من طراز بانتيرا T6، لصالح قوات الشرطة. وصل الرقم الذي طلبته مصر إلى 2500 مركبة، تسلمت منها مصر 1000 بالفعل مع اشتراط أن يكون التجميع والإنتاج في مصر.

من بين أجنحة الشركات وفي نهاية صالة 2، يتمتع جناح بعينه بشعبية كبيرة بين الزوار، حيث ينتظر العشرات دورهم لتجربة أسلحة شركة "سي زِت CZ" التشيكية (تشيكا زبروجوڤكا).

هنا يستطيع المتجولون في المعرض تجربة البنادق الهجومية والرشاشة من فئتي سكوربيون وبرِن، بجانب مسدسات CZ P وCZ Shadow بأنواعهما المختلفة.

200 ألف مسدس

جناح الشركة يضم أيضًا وكيلها المصري. في البداية التقيت بيتر كالوس، نائب رئيس المبيعات في الشركة ومسؤول التجهيزات العسكرية، الذي قدمني بدوره إلى طارق الجندي رئيس شركة الجندي للتجارة والاستيراد، سمحا لي بتسجيل اللقاء صوتيًا كباقي مَن التقيتهم في أيام المعرض.

سألت بيتر كالوس عن المنافسة بين شركته، وباقي الشركات الكبرى.. الروسية مثلا. فقال "لسنا بنفس ضخامة المنتجين الروس بالطبع، وليس هدفنا تغيير سوق السلاح".

استكمل طارق مهمة الشرح بالإنجليزية "نحن سعداء أن يكون منافس بندقيتنا الآلية سكوربيون شركات مثل هيكلر أند كوخ الألمانية، لكن ألمانيا لا تزال تفرض حظرًا على تصدير مثل هذا النوع من السلاح لمصر، مثلهم في ذلك مثل جلوك النمساوية، و(إف إن هيرستال) البلجيكية التي تنتج البندقية (الهجومية) F2000، وشركة سيج زاور الألمانية.

يضيف الجندي خريج كلية السياسة والاقتصاد "طلبنا من أحد الأشخاص أن يتحدث لرئيس هيكلر أند كوخ عن موقفهم من حظر التصدير لمصر، فأخبره ”حتى لو رفعت الحكومة الألمانية حظر تصدير السلاح (الخفيف) لمصر؛ فإننا سنرفض“، ولهذا فإن هذا الموقف نموذجي بالنسبة لشركتنا (سي زِت)، وها هو واحد من منافسينا الرئيسيين استثنى نفسه من المنافسة". يستكمل باللغة العربية ضاحكًا "مصائب قوم عند قوم فوائد".

يشرح بيتر كالوس طبيعة علاقة شركته بمصر "لدينا شراكة مع شركة الجندي منذ الثمانينيات. وتربطنا شراكة طويلة مع الجيش المصري، ونحن فخورون جدًا لأن الشرطة المصرية تستخدم مسدساتنا. حاليًا في أيدي الشرطة المصرية ما يزيد عن 200 ألف مسدس من إنتاج شركة سي زِت. كما إننا بدأنا التعاون أيضًا مع وزارة الدفاع. فالجيل الجديد من بنادقنا الآن في أيدي القوات الخاصة للجيش المصري، وقوات المظلات، والحرس الجمهوري، ولهذا السبب قررنا حضور هذا العرض. المعرض مفيد بالطبع، للمنطقة كلها وليس فقط لمصر فقط".

فيما يخص مصر من سوق السلاح هذا؛ فإن مقارنة بين أرقام عامي 2016 و2017 تظهر ارتفاعًا مطردًا في الشراء. فعام 2016 استوردت مصر سلاحًا بقيمة مليار و700 مليون دولار، في حين ارتفع الرقم إلى أكثر من مليارين و355 مليون دولار بفضل الزيادات الكبيرة في الاستيراد من روسيا التي ارتفعت من 178 مليون دولار إلي مليار و111 مليون دولار، حسب الأرقام في قاعدة البيانات المفتوحة لمعهد ستوكهولم.

سجلات مصر في التصدير خالية في إحصاءات المعهد إلا من صفقتين "مسجلتين" للتصدير إلى الجيش الوطني الليبي الذي يسيطر على الشطر الشرقي من البلاد والموانئ النفطية؛ الأولى عام 2014 بقيمة 7 ملايين دولار، والثانية بقيمة 22 مليون دولار في العام الذي يليه.

تصدير السلاح المصري "المسجل" حسب احصاء SIPRI

مكرونة

سألت أحد العسكريين المصريين في جناح وزارة الدفاع حيث تقف عربة تمساح 3 المدرعة، المفتوحة أمام الجمهور من الطلاب المدنيين لالتقاط الصور بداخلها كأحدث ما أنتجته القوات المسلحة "نحن هنا لعرض أحدث إنتاج شركتنا التابعة لوزارة الدفاع. الناس (المدنيين) تفاجأوا من المعروضات بسبب الدعاية السلبية التي تتحدث عن مصانع تنتج مكرونة. لكننا هنا نطوّر سلاحنا بأحدث أساليب العلم والتكنولوجيا. العربة المدرعة تمساح 2 (MRAP- مقاومة للألغام) تخدم حاليًا في سيناء، وتعرضت لانفجار لغم كبير في قوة حفظ السلام في دولة مالي ولم يصب إلا جندي أو اثنين بإصابات خفيفة".

الضابط الشاب بدا متحمسًا أثناء الشرح وهو يسرد إمكانيات آخر منتجات شركة الوزارة التي تجاور جناح الهيئة العربية للتصنيع التي استعرضت مجموعة من الذخائر والقذائف، وبجانبها جناح وزارة الإنتاج الحربي بمجموعة أخرى من المنتجات أبرزها الرادار SR 42 ثنائي الأبعاد الذي يصل مداه إلى 250 كيلو متر.

يشرح المدون والباحث في شؤون الدفاع محمود جمال، مجموعة الأسلحة الجديدة التي ظهرت في الأجنحة المصرية المختلفة "شاهدنا تمساح 3 وهي مركبة قتالية خفيفة تم تزويدها بأجهزة مراقبة وعدد من الكاميرات الكهرو- بصرية، ومدفع رشاش يتم التحكم به من بُعد، بالإضافة لمركبات مدرعة مصرية التصميم والتنفيذ بنسبة بلغت 70% تم إنتاجها بشراكة بين القوات المسلحة وشركة IMUT المصرية، مثل المركبة ST-100 المقاومة للألغام والعبوات الناسفة، ونسختها المعدلة لتصبح مركبة مدرعة تستخدم لاغراض الإسعاف والإخلاء الطبي، والمركبة القتالية الخفيفة متعددة الاغراض ST-500".

صوت الكاميرا والزناد

إدارة البحوث العسكرية أيضًا طورت عددًا من الأسلحة بالاشتراك مع الكلية الفنية العسكرية، حسب جمال "ظهرت في المعرض بندقية التشويش علي الطائرات بدون طيار الصغيرة الحجم ويصل مداها العملياتي إلى أكثر من 3 كيلومترات، وجهاز الحماية والتحذير الحراري من الصواريخ الموجهة AWRS- 2000".

الأصوات في هذا العرض لم تقتصر على صوت زناد البنادق والمسدسات، وإنما حضر صوت التقاط الصور، والموبايلات التي يتجول أصحابها بفلاش مفتوح لتصوير فيديوهات للمعروضات ورفعها ربما على حساباتهم الإلكترونية (كُتب على هاشتاج #EDEX2018 في أيام المعرض الثلاث 735 تويت أصلي أُعيد تغريدها عشرات المرات حسب موقع تويتر أركايڤر). صور لم تكن بجوار المدرعات هذه المرة وإنما بداخلها. رجال مدنيون يذخّرون بكل تركيز أسلحة فارغة ويصوبون على بعضهم بابتسامة هادئة. ليس هذا وحسب، وإنما لم يخل الأمر من بعض الفلسفة التي قدمها مسؤولي الشركات في المعرض.

حنان الأم

مسؤول المبيعات الشاب لشركة سي بي سي البرازيلية، الذي طلب اخفاء اسمه، يحكي عن الانسان الأول والعيش المشترك الذي يبدو أننا لم ننجح فيه بشكل كامل، كما أننا لم نفشل فيه أيضا بشكل كامل "التمشية في مكان حيث توجد أسلحة فتاكة معروضة في فترينات زجاجية أمر يبدو غريبًا بعض الشيء، لكن هذا لا ينفصل عن الطبيعة البشرية عمومًا، منذ أن استخدم الانسان الأول الأحجار والقوس والسهم لحماية أراضيه أو ”فتح“ أراضٍ جديدة. الآن لدينا دبابات وصواريخ وذخائر للقيام بنفس الشيء في صراعنا من أجل البقاء. هذا أمر ملتصق بالطبيعة البشرية، وسيكون إنكاره أمرًا ساذجًا. رغم كل الاختلافات عن الماضي لكننا في النهاية نقوم بنفس الفعل الذي قام به أسلافنا".

صفحة الشركة على انستجرام لا تقدم فقط فيديوهات وصور لتصنيع واستخدام ذخائرها التي تعمل على مختلف البنادق الآلية والهجومية بيريتا M125، وعوزي، وهيكلر آند كوخ MP5، والمسدسات مثل بيريتا، وبراوننج، وجلوك، وسيج ساور. الشركة لها أيضًا حضور في المناسبات الاجتماعية الحميمية مثل عيد الأم، مع ربط ما تمثله الأمومة بفلسفة استخدام السلاح قطعًا.

فالأمان الذي يشعر به الطفل في صدر أمه والحماية التي تقدمها له؛ هي رسالة أخرى تخاطب بها الشركة الجمهور الذي يتلقى، عدد منه، ذخائرها في أعضاء جسده.

من حساب إنستجرام لشركة cbc البرازيلية للذخائر

قصة قصيرة حزينة

بماذا يشعر رجل مبيعات السلاح عند استخدام ذخيرة حية ضد أشخاص سلميين؛ أسأله، يقول ردًا كلاسيكيًا من مندوب مبيعات "نبذل جهودا للتحكم في ذلك. نبيع فقط للحكومات الشرعية، لكننا لن نتحكم في وصول بعض الذخائر والأسلحة لأيدي أناس يسيئون استخدامها". أسأله مجددًا "حتى لو أساءت حكومات شرعية استخدامها". يرد بطريقة آلية قليلًا "هذا أمر وارد".. يتراجع قليلًا بعد صمت ويقول "هذه قصة حزينة بالطبع.. لا يمكن أن يقبل شخص حدوث ذلك. ولكنه أمر يحدث في النهاية".

الشاب البرازيلي لم يكن هو الوحيد الذي يقدم فلسفة، فهو نفس حال بشار ياغي، مسؤول مبيعات شركة مدرعات سترايت الإماراتية، ويونجيل هونج الكوري الجنوبي، وزميلهم إتش جيه كاماث الهندي الذي بدأ حديثه عن هذا السؤال برد عملي من مسؤول كبير لشركة هادفة للربح "لا أستطيع تغيير حقيقة أن هناك أناسًا يبيعون السلاح.. يجب أن يبيعوا بضاعتهم. لديهم ما يبرر موقفهم.. فهم يخلقون وظائف، رغم أن شركتي تعمل في المجال الدفاعي وبيع أنظمة المحاكاة التدريبية".

يشرح "بشكل شخصي لا أؤيد بيع السلاح، لأنه لا يمكن التحكم به. لكن صناعات الدفاع جزء لا يتجزأ من عالم البيزنس عمومًا.. هل تصنيع سلاح أمر صائب أم لا.. هذا سؤال آخر".

فاست فود قاتل

يطرح كاماث قضيته النهائية "خذ مثلًا الوجبات السريعة التي ثبت أنها تسبب أمراضًا تتنوع بين السكري والضغط وأحيانًا السرطان، إذا مُنعت لن يجد الأطباء مَن يعالجوه. نفس الأمر بالنسبة للسلاح إذا نظرت له من هذه الزاوية. الوجبات السريعة بمثابة قتل صامت للإنسان وهي نفس النتيجة النهائية التي يقوم بها السلاح لكن بصخب".

"هكذا ببساطة تقارن بينهما" سألته، فأجاب "هذا ما تعتقده أنت، الفارق أنك لا ترى بعينيك ما تفعله هذه الأطعمة.. هي فقط تنفجر داخلك بصمت بعكس السلاح. كل هذا بسبب وسائل الإعلام التي تركز على حادث إطلاق نار هنا أو هناك. هذه الأخبار تجد طريقها للنشر، لكن هل يفعل الإعلام نفس الشيء لأناس يموتون من السكري أو السرطان بسبب الأنماط الغذائية.. لا يحدث. رغم أنه نفس العدد من الضحايا".

"تحاول جعل الأمر رومانسيًا أو فلسفيًا إذن" أسأله مجددًا، فيقول "هذه ليست فلسفة، وإنما حقيقة".

يمكنك مطالعة الصفقات الكاملة على قاعدة بيانات المعهد: https://www.sipri.org/databases

لماذا ننفق كل هذا؟

البحث عن الحقائق، حسب نصيحة نائب الشركة الهندية، يجيب عنه أحد المدونين المهتمين بالشأن العسكري وصناعات الدفاع. في مدونته الإنجليزية Egypt Defence Review، يحاول تفسير ذلك بالقول "هناك 4 أسباب رئيسية لمثل هذا الإنفاق: ارتفاع الطموحات السياسية، ومحاولة استعادة وضع مصر كقوة إقليمية، بجانب إدراك التهديدات المحيطة، والشعور بأن الاعتماد على السلاح الأمريكي وحده، طوال فترة حكم مبارك سبّب نوعًا من الجمود، مع عدم اغفال إن مصر كانت تتجه بالفعل لتنويع مصادر السلاح، لكن عرقلة تسليم المعونات العسكرية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية عقب يونيو 2013؛ ساعد في التسريع من هذه العملية، الفارق أن مصر في هذه الحالة تدفع من جيبها وليس من المعونة".

هذا التكديس يبرره وجهتي نظر؛ حسب رأي المدون العسكري "من المنظور المصري نعم نحتاج هذه الكميات بسبب التهديدات المستجدة بخلاف إدراك أن ترسانة الجيش بحاجة للتحديث".

يضيف "في مقابل وجهة النظر هذه يمكن القول بأن هذه الموارد تتم إدارتها بشكل سيئ، فبدلًا من التركيز على الإصلاح الهيكلي؛ ركز الجيش على شراء أسلحة باهظة الثمن دون استراتيجية عقلانية طويلة الأمد، بينما كان من الممكن شراء أسلحة أكثر تواضعًا كجزء من خطة تحديث متماسكة، لحماية الأهداف الأمنية مثل حقول الغاز على سبيل المثال".

تتداخل الأبعاد السياسية والاقتصادية بشكل كبير مع هذه الصناعة العالمية، والكل هنا مستفيد عدا سكان الشرق الأوسط الذين يخوضون حربهم الشخصية للبقاء أحياء وسط أكداس هذه الأسلحة.

.. والمصانع تدور

موقع "بلقان انسايت" الذي يقدم تحقيقات مطولة في السياسة والاقتصاد لمنطقة البلقان وشرق أوروبا، لكن تحقيقاته عن تجارة الأسلحة تعددت؛ فخصص صفحة تضم عشرات الموضوعات فقط عن هذه التجارة.

في آخر تحليل إخباري لهم بتاريخ 3 ديسمبر الجاري، يحققون في ازدهار صناعة السلاح البلغارية بفضل مشتريات السعوديين، وكيف دخلت الدولة الأوروبية الصغيرة منطقة نزاعات كالشرق الأوسط بسبب الحرب السعودية على اليمن. في حين كشف تحقيق أجراه موقع "ذا ديفينس بوست" في العام 2017 عن سيل الأسلحة البلغارية والرومانية التي اشترتها السعودية والولايات المتحدة لتسليح ما يسمى بـ "المعارضة المعتدلة" وكيف انتهت في أيدي مقاتلي الدولة الإسلامية، داعش ليقتلوا بها موطني العراق وسوريا.

ليست دول شرق أوروبا وحدها، وإنما في الشمال الغربي الألماني ترفض مجموعة راينميتال للأسلحة وقف عمليات التصدير للسعودية التي تستخدم هذه الأسلحة والذخائر في حربها ضد اليمن، حسبما يتهمها هذا التقرير، في حين ترفض الرد أو التعليق.

شركة بي إيه إي سيستمز البريطانية والتي تشغّل أكثر من 83 ألف موظف حول العالم كانت حاضرة في إيديكس هي الأخري، ومن قبله كانت أيضًا حاضرة في فضيحة بيع أنظمة تجسس على مواطني عدد من الدول العربية، حسبما كشف تحقيق لبي بي سي قبل نحو عامين. طلبت الحديث مع أحد مسؤوليها المخوّل لهم بالحديث للإعلام، لكن قيل إنه في المعرض في مكان ما، ذهبت وعدت إلي الجناح في أوقات مختلفة، لكنهم اعتذروا عن غيابه وبالتالي عن اللقاء.

دقت الساعة الخامسة لليوم الثالث والأخير من المعرض بينما كانت ميكروفونات الإذاعة الداخلية للمعرض تطلب من الحضور حضور سحب ما على جوائز مقدّمة من الإدارة، لكنّ الصوت لم يكن واضحًا كفاية لتحديد مكان السحب.


*النصف الأول من العنوان مأخوذ من رواية 1984 لجورج أورويل، وهو المانشيت الرئيسي الذي نشرته بتصرف صحيفة الأهرام في تغطيتها للمعرض بتاريخ 4 ديسمبر