لقطات أثناء تصوير الفيلم، مرسلة من المخرج.

محمود بن محمود: "فتوى" يستدعي أكبر مخاوف المتطرفين ممثلًا في المسلم المعتدل

التساؤل الذي يطرحه محمود بن محمود في فيلمه الإنساني السياسي هو ماذا تفعل لو علمت أن ابنك انضم لجماعة إسلامية مسلحة وقتل في إحدى عملياتها؟

قال المخرج التونسي محمود بن محمود إنه تعمّد أن تكون نهاية فيلمه الأخير فتوى الذي فاز بعدة جوائز في القاهرة وقرطاج، صادمةً لأنه يعتبر فتاوى التكفير هي "الخطر المحدق" الذي يهدد المسلم المعتدل إذا ما حاول الاجتهاد في الدين أو ممارسته بحسب تقاليده وموروثاته، مثلما يشكل هذا المسلم المعتدل أكبر مخاوف المتطرفين.

فتوى حصد عدة جوائز منها جائزة سعد الدين وهبة لأفضل فيلم عربي بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الأربعين وجائزة التانيت الذهبي لمسابقة الأفلام الروائيّة في أيّام قرطاج السينمائيّة بدورته 29.

تدور قصّة الفيلم حول إبراهيم ناظور (أحمد الحفيان) الذي يتوفى ابنه طالب الفنون الجميلة الغامض مروان ليعود من فرنسا حيث يقيم، إلى تونس، من أجل مراسم الدفن، ليكتشف أن الابن كان منخرطًا في جماعة إسلامية متطرفة، ليبدأ الأب تحقيقه الخاص لاكتشاف ما إذا كان ابنه متطرفًا، ومعرفة من قاده إلى طريق التطرف.

مشهد من الفيلم. 

وهذا هو الفيلم الروائي الطويل السادس للمخرج محمود بن محمود (71 سنة)، صاحب التجربة السينمائيّة الثريّة والمتنوّعة، حيث أخرج ثلاثة أفلام قصيرة في بداياته في سبعينيّات القرن الماضي، وهو من أبرز مخرجي الأفلام الوثائقية في تونس إذ أخرج سبعة أفلام، ما جعل تجربته الفنّية إحدى أهمّ التجارب في تونس، وكانت أغلبها في نقد بنية العلاقات الاقتصاديّة والثقافيّة والتاريخيّة بين المواطن التونسي أو الشمال/إفريقي، والمواطن الغربي.

ويوضح ابن محمود في مقابلة مع المنصة جرت في القاهرة أن "فتاوى التكفير ستظل خطرًا محدقًا، هي المعنى الرمزي لنهاية الفيلم الذي قصدت أن يكون صادمًا، الفتوى ستظل مشكلة قائمة، فالمسلمين قرروا إغلاق باب الاجتهاد منذ ثماني قرون"،

ويتابع "من ثَم إذا حاولت الاجتهاد في الدين أو أن تمارسه حسب تقاليدك وموروثك، سوف يظهر لك دائمًا شخص يُكفرَك ويسألك من أين تستمد شرعيتك لتُعيد النظر في نص قرآني، ليظل هذا الشخص الذي يعتبر نفسه مبعوثًا من الله يُعاقب الناس في الأرض قبل الآخرة؟!".

فيلم.. لا نزوة آيديولوجية

يحكي ابن محمود أن الفيلم كان مزمعًا تصويره في بلجيكا حيث يقيم منذ خمسين سنة، قبل اندلاع الثورة التونسية في أواخر 2010 "ولدت فكرته من قراءتي لمجموعة مقالات منشورة في عامي 2005 و2006 بالصحافة البلجيكية، تكشف عن معسكر تدريب جهادي في إحدى الغابات البلجيكية، وعن استيلاء جماعة سلفية تابعة لإحدى فروع الكشافة المسلمين، وتحويل نشاطهم ورؤيتهم إلى فرع عنصري يُنادي بالعنف والكراهية ..إلخ".

يُكمل "تخمرت هذه المقالات في ذهني، وتصورت قصة تدور أحداثها في هذا الوسط الكشفي، حيث الابن ينخرط في إحدى هذه الجماعات، وكتبت السيناريو، ولجأت للأخوين داردان/ بلجيكا، (إحدى أكبر شركات الإنتاج بالعالم وحصَلا على السعفة الذهبية بكان) وكان سبق لي التعاون معهما في أفلامي السابقة، ولكن انسحب الطرف الفرنسي من إنتاج الفيلم، ومن ثم توَقف المشروع، عندما لم يتوفر التمويل المطلوب".

"وفي هذه الأثناء أنجزت مشروعين؛ روائي اسمه الأستاذ في عام 2012، وهوآخر فيلم تم تصويره في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي قبل سقوطه بثلاثة أسابيع، وآخر وثائقي هو ألحان الغربة".

يعتقد ابن محمود أن الفرنسيين شعروا بالقلق من استفزاز مشاعر المسلمين إذا ما ساهموا في إنتاج هذا الفيلم "الفرنسيون لديهم علاقة معقدة بالإسلام؛ خمسة ملايين مسلم وماضٍ استعماري طويل، ولديهم لوبيات ناشطة، وشعروا أن الفيلم يُمثل نوعًا من الاستفزاز للمسلمين، ويحمل لغه صريحة جدًا، خاصة طرحه لمسألة العصيان في الدين، وأن يصبح المسلم المعتدل محور أحدث الفيلم !"، يضحك محمود بن محمود وهو يفسر أسباب رفض الجانب الفرنسي إنتاج الفيلم.

ويضيف أن "الأوساط النخبوية في فرنسا تمشي بالآيديولوجيا، طلبوا مني للموافقة على إنتاج الفيلم أن يُصبح الصراع بين طرفين متناحرين، هما امرأة تونسية علمانية كنموذج تقليدي، والظلاميين. فعندما تحكي عن بلد إسلامي مُهدد بخطر التطرف وصعود الإسلاميين للحكم وتغيير هوية المجتمع، فيجب أن تكون المرأة فى الصدارة".

وتابع "هنا تساءلت من سيمثل إذًا المسلم العادي بالفيلم، ومع من سيتعاطف الجمهور، فكلا الطرفين المتناقضين لا يمثلون المتفرج العادي سواء في تونس أو البلدان الإسلامية، لذا رفضت مطلبهم، وقلت لهم مش بعمل فيلم لتلبية نزواتكم الإيدوليوجية".

الاعتدال سببَّ المعاناة

يرى محمود بن محمود أن إصراره على أن يكون بطل فيلمه نموذج للمسلم المعتدل تسبب له ببعض المعاناة، خاصة مع إصرار المنتجين على أن تكون بطلة فيلمه امرأة متمردة "فكرة أن تكون المرأة محور الفيلم وتعاني من الاضطهاد والقمع فى بلد عربي لا تهمني ولا الجمهور في تونس يحب ذلك، خاصة أن أوضاع النساء في تونس مختلفة وحققت مكاسب كبيرة، وعملنا عشرات أفلام عن المرأة ، ليس لإن عندي عقدة مع النساء، ولكن تقديمها في الأفلام استهلك وأصبح اكليشيه" .

بعد الثورة، شعرت أن المناخ في تونس أصبح ملائمًا لإمكانية تحويل قصة فيلم فتوى من بلجيكا إلى تونس، لعدة أسباب أولها أنه لم يعد هناك رقابة أو ممنوعات، كتلك التي كُنا نواجهها أيام الديكتاتور

ويضيف أن "كل ما أردت كمؤلف ومخرج الفيلم، تسليط الضوء على معاناة رجل مسلم معتدل أمام بروز هذين التياريين السلفي/ العلماني، في تونس بعد الثورة، وكيفاش هو (وكيف أنه) كمسلم عادى يمارس إسلامًا تقليديًا وسطيًا ورثه عن آبائه وأجداده، يتعامل مع الناس هاذوما (هؤلاء الناس) في ظل مآساته وفقدان ابنه".

سقط الديكتاتور فجاء فتوى

"بعد الثورة، شعرت أن المناخ في تونس أصبح ملائمًا لإمكانية تحويل قصة فيلم فتوى من بلجيكا إلى تونس، لعدة أسباب أولها أنه لم يعد هناك رقابة أو ممنوعات، كتلك التي كُنا نواجهها أيام الديكتاتور (في إشارة إلى الرئيس زين العابدين بن علي)، وهو المكسب الوحيد الذي حصلنا عليه من الثورة، التي خلفت فاتورة كبيرة من المشكلات" . يحكي المخرج عن رحلة خروج فيلم " فتوي" للنور.

أما عن ثاني الأسباب التي شجعته هو ظهور الجماعات السلفية في تونس بعد الثورة وممارسة نشاطها في العلن، إذ يوضح "كانت هذه الجماعات موجودة في عهد ابن علي، ولكن في المنافي والسجون أو في العمل السياسي السري، وظهرت بالتوازي معها الجماعات العلمانية أيضًا في النخب والأحزاب السياسية والمجتمع المدني، وقدم الجميع مواقفهم وأفكارهم التي كانت تُمارَس في الخفاء ليكتشفها عامة الشعب بعد الثورة".

ويتابع "هنا بدأت رحلة إجراء بعض التعديلات على السيناريو، وتقدمنا للحصول على دعم من وزارة الثقافة التونسية في عام 2014، حصلنا عليه بعد ثلاث سنوات بجانب الإنتاج البلجيكي، ليبدأ التصوير عام 2017".

التحضير للفيلم "استغرق عامًا، شهران لتدريب الممثلين والتصوير لمدة 5 أسابيع، وكان عرضه الأول في مهرجان جانت في بليجكا يونيو 2018، ثم أيام قرطاج السينمائية وصوًلا لمهرجان القاهرة السينمائي".

ماذا لو أنه ابنك؟

التساؤل الذي يطرحه محمود بن محمود في فيلمه الإنساني السياسي هو ماذا تفعل لو علمت أن ابنك انضم لجماعة إسلامية مسلحة وقتل في إحدى عملياتها؟ إبراهيم ناظور يمثل كل أب وأخ في تونس أو مصر أو أي بلد عربي اكتشف انخراط ابنه أو أخيه في إحدى الجماعات الإسلامية المسلحة.

ويرصد معهد كويليام البريطاني لمكافحة التطرف عدد المنضمين إلى تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014 من كل دول العالم، بناء على معلومات قدمها مسؤولون غربيون، وبلغت هذه الحصيلة 16337 شخصا، بينهم 2500 سعودي و900 لبناني و360 مصريًا و3000 تونسي.

يرى محمود "إنها ظاهر غريبة، ليس طالب الفنون الجميلة فقط بل كان منهم أطباء ومهندسين، ينتظرهم مستقبل جيد"، مضيفا "لا أتصور أن هناك تفسيرًا تونسيًا محضًا لهذه الظاهرة، ولكن ربما الانعتاق من الديكتاتور فتح الباب على مصراعيه لنفاذ كل الافكار، واستغلت هذه الجماعات هشاشة بعض الفئات سواء كانت عمرية أو اجتماعية" .

ويعتبر المخرج التونسي أن "الغاية لي هي الجمهور، الجوائز ولجان التحكيم هامة بالطبع، ولكن الجمهور الأهم. كنت قلقًا للغاية عند العرض الأول للفيلم بقرطاج، فالجمهور التونسي نقده لاذع، ولكن ماحدث بالقاعة الكبرى والتي تضم 1600 مقعد، من جمهور عادي ليس نخبويًا، ونساء حاضرات بالحجاب، كانت ردود الفعل جيدة، جعلتني اطمأن بأن الرسالة وصلتهم، ولأول مرة يحظى الفيلم بانسجام بين الجمهور والنقاد" . يحكى محمود عن ردود فعل الجمهور بعد عرض الفيلم .

ولكن هل الوفاق الذي شهدته القاعة يعني أن الشعب التونسي تعلم الدرس جيدًا وأدرك حقيقية الإسلاميين؟ يجيب محمود "الجمهور رحب بالفيلم وشكرني على كوني وثقت هذه الفترة الدموية من تاريخ تونس خاصة عام 2013، من خلال فيلم روائي سيظل مرجعًا يحكي عن الاغتيالات السياسية من مقتل شكري بلعيد، والحاج محمد البراهمي، حيث شهدت هذه الفترة عمليات ارهابية عنيفة سقط على إثرها عشرات الضحايا، وهجوم متحف باردو، وتفجير حافلة وفندق سياحي" .

"تظل الحريات والانتصار على الارهاب من اهم مكتسبات الثورة، وإن كان لم يتم القضاء نهائيا عليه، والخطر مازال مستمرًا، ولكن على الأقل عادت السياحة، وثمة شعور بالآمان، ولن تعود تونس لمرحلة الاغتيالات، بينما تظل فاتورة الثورة سلبية من ناحية الظروف الاقتصادية، حيث عمقت الجراح من غلاء المعيشة والفقر، والهجرة غير الشرعية والتلوث" بحسب محمود.

ورغم حديث محمود عن مكافحة الدولة للارهاب، يشهد شارع الحبيب بورقيبة في قلب العاصمة يوم 29 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وعلى بعد 100 متر من المسرح البلدي الذي يقام فيه فاعليات أيام قرطاج السينمائية، يقع حادث انتحاري بالقرب من دورية شرطة.

ولكن المخرج التونسي يعتبر أن هذه "عمليات يائسة ترتكبها مجموعة من الذئاب المنفردة التي ما زالت حائرة وتائهة، لاتعرف ماذا تفعل، بعد مطاردة السلطات لجماعتهم السلفية المسلحة والقضاء عليهم في تونس وليبيا والجزائر".

المتطرف يكره المعتدل أكثر من الكافر

على عكس طبيعتها الغنائية تظهر المغنية التونسية غالية بن علي في شخصية لبنى، والدة مروان الناشطة اليسارية وعضو مجلس النواب، وهو دور مركب وصعب على ممثلة غير محترفة.

مشهد من الفيلم.

ويحكي محمود بن محمود كيف أنه اقتنع بها عندما شاهد دورها في فيلم على حلة عيني "لذا قررت التعاون معها، فهي وجه غير مستهلك، والجمهور يحب أن تفاجئه، وتُقدم له شخصية معروفة ولديها شعبية كمغنية وأن تُغامر بها في ميدان آخر كالتمثيل".

ويضيف أن "غالية تتمتع بكاريزما في أداء الشخصية، وتأقلمت مع ظروف التدريبات تبعي، وكانت تُنفذها بحماس وشغف كبير، وأجرَينا جلسات تدريب عديدة بين بروكسل وتونس، حيث أنتمي لمدرسة تمرين الممثل قبل التصوير النهائي".

وعن شخصية لبنى فيعتقد المخرج التونسي أن "مشكلة المتزمتين هي مع المسلم المعتدل أثر من مشكلتهم مع اللي كفر، شخصية لبنى فى الفيلم أمرها محسوم لهذه الجماعات، فهي تقدم نفسها كعلمانية، فالكافر لن يزيدو عليه شيئًا، ولكن أن تكون مسلمًا وتنازعهم على رؤية مختلفة، باسم قراءات واجتهادات وقعت في الدين، هذا لا تقبله هذه الجماعات المتطرفة، لأنك آنذاك تدخل معهم في منافسة، على نص قرآني" .