صورة مفتوحة المصدر لساحة الأمويين في دمشق - ويكيميديا

السوريون مروا من هنا: ياسمين دمشق يزهر في القاهرة

شوارع دمشق التي لا تُمكّن الاغتراب من التسلل إلى من يسير فيها مهما بدا غريبًا، يستحق أبناؤها أن يحلّوا أينما شاؤوا، فتكون كل الأبواب مفتوحة لهم، يطيلون البقاء كما أحبّوا دون أن يكترثوا بطنين الذباب.

دمشق، نوفمبر/ تشرين الثاني 2011

انطلقت السيارة من أمام الباب الرئيسي للفندق نحو مطار دمشق الدولي. كانت هي المرة الأولى التي أسكن فندقًا في مدينتي. لم أستسغ دلال موظفي الفندق وهم يعاملونني كغريب، فأنا لست غريبًا. الغريب حقًا أن ينزل المرء فندقًا في مدينته، وأن يتوجه إلى المطار في سيارة أجرة.

انتهت رحلة العمل التي بدأت قبل عشرة أيام، رحلة كان لزامًا أن تظل محاطة بستار من السرية حاولنا الحفاظ عليه باستخدام كل الحيل التكنولوجية التي نعرف، ولكن وحتى اللحظات الأخيرة والسيارة في طريقها إلى المطار، كانت هواجس الانكشاف تطفو على السطح في ظل رقابة تحيط بكل شيء.

أغادر إذن مدينتي كغريب في سيارة أجرة مع رجل لا أعرفه. نتواطأ على الصمت الذي يقطعه من حين لآخر صوت إشعال سيجارة وحكايات مفتعلة عن اللا شيء، قبل أن يتمنّى السائق انتهاء "الأحداث" -التي كانت في بدايتها- سريعًا. ينشد الهدوء ويترحم على أحد أقاربه، ثم يتمتم بكلام غير مفهوم، لم أميز فيه سوى ذلك المزيج من الحزن والغضب.

أغادر مدينتي كغريب كما عدت إليها كغريب قبل عشرة أيام من أجل عمل كان عليَّ أن أتحرك بحذر ودون إثارة المشاكل لأنجزه وأعود سالمًا. لا سهرات مع الأصدقاء القدامى ولا تجول عشوائي في الشوارع التي قضيت فيها أكثر من 11 سنةً، لن ألاحق ذكريات لحظات التكوّن حيث بدأ كل شيء؛ اكتشاف العالم، الصداقات الأولى في المدرسة، المباراة الأولى في كرة القدم، قصة الحب الأولى، والمحاولات الأولى للتحايل على الأهل بعد ارتكاب حماقات الطفولة.

يتواصل الصمت في السيارة التي اقتربت من طريق المطار السريع وهي تغادر المدينة التي أشعر بالألفة في كل أركانها. ألفة لا مثيل لها، نحو رائحة هوائها المخلوط بالياسمين الذي يزهر في الشوارع، وبرودة وصفاء مياه عين الفيجة، طرقاتها الهادئة المرحبّة الوديعة المنظمة النظيفة بلا تكلّف، وجوه أهلها البشوشة وعاداتهم اليومية والموسمية في الطعام والشراب، السهرات الصيفية في المطاعم المتناثرة على طريق الربوة، البيوت ذات الحدائق الصغيرة التي يسميها أصحابها "أرض الديار" والنافورة التي يطلق عليها "بَحْرَة"، ورائحة القهوة المغلية.

سنوات وسنوات كنت هنا، وسنوات وسنوات كانت مُرحّبةً حتى نسيت أن جذوري لا تمتد في هذا المكان.

فقط في دمشق، لن تشعر بالغربة أبدًا.


فاصل إخباري

في الأيام الأولى لعام 2011، كانت الأحداث مشتعلة.

أزمة حكومية خانقة في لبنان بعد تعثر التوافق على اسم رئيس الوزراء ودول الخليج تعلن فشل محاولاتها للوساطة. وثائق مسربة تكشف أن مسؤولين بالسلطة الفلسطينية تحدثوا مع نظرائهم الإسرائيليين عن استعدادهم للتنازل عن مساحات كبيرة من القدس الشرقية. انسداد سياسي واجتماعي في مصر بعد انتخابات برلمانية زوّرت علنًا وشرطة تزداد توحشًا وانفجار طائفي في الإسكندرية ورئيس مصاب بالخرف، احتجاجات شعبية في الأردن ضد ارتفاع الأسعار وفي اليمن ضد علي عبد الله صالح؛ وثورة في تونس.

ثم؛ خبر عاجل تبثه الفضائيات. "بن علي هرب!" هذه المظاهرات التي تنامت وتوسعت وتضخمت كتلها أصبحت في أقل من شهر ثورة كبيرة تمكنت من إسقاط رئيس.

أحجار الدومينو ستسقط الآن.


دمشق، يناير/ كانون الثاني 2011

الناس في شوارع دمشق يتحدثون عن ذلك الرئيس الذي أسقطه شعبه.

أحاديث السياسة بشكل عام، خاصة عندما يتعلق الأمر بإسقاط الأنظمة، ليست الأحاديث المعتادة في شوارع هذه المدينة.

ثلاثة أيام بعد هروب بن علي، وبالقرب من شارع بورسعيد في وسط دمشق، وقف رجل يحمل بيدٍ ورقة مطبوعة يبدو أنه التقطها من رزمة أوراق يضعها في حقيبة كتف بالية، وبيده الأخرى يمسك ميكرفونًا صغيرًا جعل صوته مسموعًا من على مسافة عشرة أمتار، وهو يخبر الناس عن مرسوم جديد أصدره الأسد بإقرار خطة لدعم وقود التدفئة، ويدعو، من يريد، إلى تسلّم نسخة رسمية من القرار.

مرسوم الدعم هذا، وطريقة الإعلان عنه بإرسال موظفي الحكومة للصياح في الشوارع، شجعا الناس على الحديث علنًا عن "قلق النظام".

لم تعد هذه الأحاديث مخيفة في دمشق، مثلما لم تعد مخيفة في البلاد التي عصفت بها رياح الربيع، خاصة مصر التي ستنفجر فيها ثورة حاشدة بعد 11 يومًا من سقوط بن علي.


القاهرة، صيف 2012

اللهجة السورية تكاد تصبح اللهجة المألوفة في شوارع 6 أكتوبر.

بعض من الملايين الذين هربوا من جحيم بلد أنهكته الحرب ومزقته الطائفية استقروا في القاهرة، بعد أن قتل النظام في سوريا من استطاع من المعارضين، وتكفل الجهاديون القادمون من أصقاع الأرض لدحر "العلويين والروافض" بالبقية.

الغالبية لجأت إلى دول الطوق السوري، لبنان والأردن وتركيا بل وحتى العراق، آخرون ألقوا بأنفسهم في قوارب متهالكة تحاول الإبحار إلى أوروبا، والأوفر حظًا ربما استقروا في القاهرة، وجميعهم كانوا يبحثون عن استعادة حياتهم، عن استعادتها بكرامة.

ولأن الكرامة يكفلها العمل، تناثرت في الضاحية الهادئة دكاكين التجار السوريين؛ عطارون وتجار عطور وصيانة هواتف محمولة، وانتشر سائقو تاكسي في الشوارع. الحلاقون أيضًا كان لهم نصيب ووجدوا هنا رزقًا.

"صنايعية" أبهروا عملاءهم بجودة عملهم والتزامهم ووجوههم البشوشة. الجدران في شوارع الضاحية الهادئة امتلأت بإعلانات عن سباكين وفنيي كهرباء تنتهي أسماؤهم بـ "السوري". أصبح هذا لقبًا يمنح صاحبه ميزة تنافسية في سوقٍ واسع للعمل.

وكأن جزءًا من دمشق انتقل إلى القاهرة. مطاعم شاورما ومناقيش و"بروستد" ودجاج مشوي، ومحال حلويات تصطف على فتارينها الكنافة المبرومة حتى تظن لوهلة أنك في ساحة المرجة، وبسطات في الشوارع يبيع أصحابها الزعتر والمتّة والمخللات وزيت الزيتون والحلويات والقهوة.

أخيرًا؛ قهوةٌ سوريّةٌ في القاهرة!


دمشق، نوفمبر/ تشرين الثاني 2011

تتواصل الرحلة إلى المطار.

على الطريق، تناقصت أعداد البنايات إلى أن غادرت السيارة المدينة، وها هم الغرباء يقفون بزيهم العسكري على الحواجز يحملون أسلحتهم ويطلبون المبررات.

في مدينتي أنا كغريب. أؤلف القصص وأسوق مبررات وجودي وأخصص لكلٍّ حكايته. حكاية للأمن وحكاية لموظفي الفندق وحكاية ثالثة للجنود على الحواجز. هل ينبغي حقًا أن أقدم مبررات لتواجدي في مدينتي؟

في النهاية حصل الغرباء على مبرراتهم، وأقلعت الطائرة من المطار.

بعد ثوانٍ من إقلاعها كنت أعرف أنني أودّع دمشق إلى أجل غير معلوم. نظرات متوسلة إلى محيطها، بناياتها، أشجارها، والسائرين في شوارعها. شوارع دمشق التي لا تُمكّن الاغتراب من التسلل إلى من يسير فيها مهما بدا غريبًا، يستحق أبناؤها أن يحلّوا أينما شاؤوا، فتكون كل الأبواب مفتوحة لهم، يطيلون البقاء كما أحبّوا دون أن يكترثوا بطنين الذباب.