أطفال سودانيون يلعبون الكرة - صورة مفتوحة المصدر من ويكيميديا

ويسألونك عن السودان: أرض السمسم والموسيقى وانتصار الأمل

هنا اندلعت الثورة السودانية التي يراها الثائرون فجر الخلاص، لبناء سودان جديد عادل خالٍ من رائحة الدم، ينعم أبناؤه بالسلام على كل أرضه، في المركز والهامش على حد سواء.

كاد يكمل ثلاثين سنة على عرشه، حتى ظن اليأس أنه انتصر لا محالة. ولكن في السودان، الذي انتفض أهله، كل الظن إثم مثلما كل اليأس إثم. هنا، ينتصر الأمل، وسيقضي الجنرال عمر البشير الذكرى الثلاثين لانقلابه في السجن.

هاتفين "مرقنا مرقنا مرقنا، ضد الناس ال سرقوا حياتنا" خرج الأهل في جنوب الوادي. حالمين بالحرية والسلام والعدالة، مطالبين بسودان واحد يسع الجميع ويجسد الثراء الضخم والتنوع اللافت الذي يصبغ أراضيه.

تراث طويل من الثورات الموءودة والانقلابات الدموية، التي عبثت بثراء السودان الفني والثقافي، وعصفت باستقراره الاجتماعي، وخلقت الفجوات بين أهله الذين تتنوع أعراقهم بدلًا من أن تستوعبهم على اختلافاتهم، حتى أصبحت الصراعات الأهلية هي العنوان العريض في هذا البلد، إلى أن جاءت الثورة جالبة الأمل.

في حالة عجيبة من الإصرار على ملاحقة وطن منشود، لكنه مستعصٍ على التحقق، صاغها بدقة شديدة وصدق أشد محمود عبد العزيز فنان السودان الأبرز خلال العشرين سنة الأخيرة، حين قال في رائعته الغنائية الفات زمان "لمتين وراااك سفر الشقا".


بدأ الحلم مبكرًا مع ثورة أكتوبر/ تشرين الأول 1964، أولى ثورات المنطقة بعد رحيل الاستعمار. عندما تحالف أفراد وممثلو المجتمع السوداني على إسقاط نظام الجنرال عبود، فى ثورة شعبية ملهمة سعت لاستعادة الديمقراطية وإحلال السلام.

سقط عبود وهتف الثائرون خلف محمد وردي "أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باق. أصبح الصبح وها نحن مع النور التقينا".


لكن هل طال التقاء السودانيين بالنور؟

تلاشى نور أكتوبر تدريجيًا بسبب الصراعات السياسية والبنية الطائفية للحزبين الكبيرين -الأمة والوطني الاتحادي- حتى عاشت البلاد حالة من الفوضى استمرت مايو/ أيار 1969، إلى أن ظهر آب عاج ورفاقه.

في تجلٍ باهت ومتأخر للنموذج اليوليوي المصري، استغل العقيد جعفر نميري حالة الاضطراب السياسي في البلاد، وقاد تحركًا عسكريًا يعلن نهاية حلم أكتوبر رسميًا، وقيام نظام مايو المصبوغ بشعارات قومية اشتراكية، سرعان ما تهاوت أمام إعصار يميني كاسح اجتاح العالم في الربع الأخير من القرن العشرين.


توجه نميري بدوره يمينًا لكن نظامه لم يصمد، تدهورت الأوضاع الاقتصادية بشدة، ولاحت نذر الحرب في الجنوب بعد هدنة طويلة، وخرج الشعب إلى الشارع في مشهد أكتوبري النكهة، ليعلن الجيش في إبريل/ نيسان 1986 عزل نميري.

تناول محمد وردى العود من جديد، ليغني وخلفه كل السودانيين مشيرًا إلى النميري وعهده بكلمتين خفيفتين على اللسان.. بَلَا وانجَلَى.

أعضاء مجلس الإنقاذ الوطني في سبتمبر 1989 - الصورة من موقع جريدة أخبار وادي النيل السوادنية

لكن البلاء لم ينجلِ تمامًا برحيل نميري، لأن الترابي قفز من سفينة مايو الغارقة والتحق في سبتمبر/ أيلول 1989 بسفينة الإنقاذ، في انقلاب عسكري بصبغة إسلامية قضى على آمال السودانيين في الانتقال نحو سودان جديد.

لم يحتمل وردي العيش في سودان الإنقاذ، هاجر إلى القاهرة ومنها إلى الولايات المتحدة في رمزية صارخة على الشتات السوداني في منافي الأرض بعد وصول "الإنقاذيين" للسلطة.

نسأل الله سلامة للسودان، وإيابًا كريمًا لأهله بعد أن انزاح الكابوس.

خط 22 الوهمي

حددت اتفاقية الحكم الثنائي بين مصر وبريطانيا عام 1899 خط عرض 22 (350 كيلومترًا جنوب أسوان)، لتكون حدًا فاصلًا بين مصر الخديوية وما سيصبح لاحقًا السودان المصري الإنجليزي. دائرة العرض هذه خط وهمي يمر في قلب بلاد النوبة تمامًا قاطعًا الجسد النوبي الواحد المتماثل تاريخيًا وإثنيًا ولغويًا إلى شطرين. احتفظت بلاد النوبة شمال خط 22 بمصريتها، بينما اكتسبت النوبة العليا وما ورائها جنسية السودان الوليد.

الهوية واللغة والتاريخ وصلات الدم لا تعرف خطوط العرض الوهمية ولا بطاقات الهوية، فأغلب بيوت النوبيين في مصر ترتبط بصلات رحم أو قرابة أو مصاهرة ببيوت نوبيين سودانيين. هذه الصلات جعلت النوبة جسرًا من لحم ودم يعبر الخط الوهمي الفاصل بين البلدين، ونقطة وصل تخبرنا أن فصل شمال وادي النيل عن جنوبه مُحال.

القراءة النوبية لتلك البلاد قراءة حميمية، تختلف عن أي قراءة جامدة، قد تغفل بغير قصد كثير من التفاصيل الدقيقة والهامة.

من تلك الزاوية، وعبر السفر إلى ولاياته ومدنه الكبرى. يستعرض المقال ولايات السودان ومدنه الكبرى. فقط افتح هاتفك على Google Earth، واضبط وجهتك عند الولاية الشمالية نقطة انطلاق الرحلة، وتابع مع دوران عقارب الساعة.

من أقصى الشمال حيث تهفو القلوب النوبية لجبل البركل، لهفة قلوب المسلمين لصلاة مقدسية. إلى الكروّ ونوري مثوى ملوك الأسرة النوبية الخامسة والعشرين، تهارقا وباعنخي وغيرهم.

لمروى السلام وللولاية الشمالية ملىّ (كلها) سلام.

جبال النوبة - صورة مفتوحة المصدر من ويكيميديا

إلى أتبرا

مدينة الدامر هي عاصمة ولاية نهر النيل، لكن يظل لعطبرة (والتي ينطقها السودانيون من غير العرب أتبرا) أريج مختلف. تحت أقدامها تنتهي رحلة نهر العطبراوى (المنسوب إليها) والهابط من الهضاب الشرقية ليصب في النيل، كآخر الروافد المائية التحامًا بالنهر الكبير في رحلته الطويلة نحو المتوسط. هل كان من قبيل الصدفة أن تندلع شرارة الاحتجاجات الأخيرة من مدينة تلقب بالحديد والنار؟ ليست صدفة في الغالب، فالشيء لا يُستغرب من مأتاه، بحسب المعلق الكروي رؤوف خليف.

ففي إطار استعدادتها اللوجستية لدحر الثورة المهدية (1881 - 1899) التي قادها محمد أحمد المهدي، مدت بريطانيا خطوط السكك الحديدية إلى جنوب الوادي. واختيرت عطبرة مركزًا لمرفق سكك حديد السودان، ونقطة تفرع لخطوطها شرقًا وجنوبًا، ومقرًا لهيئاتها ومنشآتها وهناجر الصيانة الخاصة بها، وبالتالي أضحت عطبرة مستقرًا وسكنًا لعشرات الألاف من موظفي وعمال وفنيي السكك الحديدية، في احتشاد مهيب لشعب السودان من جميع أنحائه.

معركة عطنبرة - صورة مفتوحة المصدر من ويكيميديا 

لاحقًا، وفي عام 1947 وتحت الإدارة الإنجليزية للبلاد، تشكلت نقابة عمال سكك حديد عطبرة (هيئة شئون العمال) كواحدة من أكبر وأقدم نقابات العمال في أفريقيا، وخاضت نضالات كبرى ظاهرها تحسين ظروف العمل، لكن في صميمها كانت حركة مقاومة واسعة للمستعمر.

تاريخ عمالي نضالي أكسب عطبرة سمعة دولية مرموقة، كانت خير ذكرى وظهير للاحتجاجات الأخيرة.

يليق بمدينة أشعلت قديمًا نضال الحديد والنار ضد المستعمر، أن تشعل فتيل أحدث ثورات السودان، كما يليق بقطارها المحتشد بالثوار والمنطلق نحو العاصمة في مارس/ آذار الماضي، أن يتحول إلى أيقونة يتحدث عنها العالم.

فلعطبرة وقطاراتها وعمّالها ونقاباتها وحديدها ونارها السلام.

الحورية - عروس البحر الأحمر

مع خطوط السكك الحديدية التى خرجت من عطبرة؛ لتربط شمال السودان بشرقه، أمتدت خيوط الانتفاضة إلى أقصى الشرق، حيث بورتسودان الجميلة، شرفة السودان البحرية على البحر الأحمر، التي شهدت العديد من المواكب الثورية في بواكير الحراك السوداني ديسمبر/ كانون الأول 2018.

تعيش في بورتسودان بطون كبرى من قبائل بنى عامر والهدندوة أحد الفروع الرئيسية لشعب البجا. والبجا هم السكان الأصليين للمناطق التي تمتد على طول الساحل الغربي للبحر الأحمر، من حلايب جنوب مصر مرورًا بولاية البحر الأحمر شرق السودان وإريتريا انتهاءً بجيبوتي والصومال. اختلطوا بعدد من الأجناس كالعرب والهنود وغيرهم، لكنهم ظلوا يحملون السمات المميزة لشعب قديم يمتد تاريخه إلى عصر المصريين القدماء، ورغم سياسات تكريس لغة المركز، ما زال أهل المنطقة حريصين على تداول اللغة البجاوية بلهجاتها المتعددة.

بورتسودان - صورة مفتوحة المصدر من ويكيميديا 

هل سبق لك الغناء حبًا فى بورتسودان؟

الغناء السوداني هو أقرب أنماط الغناء العربي للذائقة النوبية؛ لعدة أسباب أهمها تسرب عديد من الكلمات وقواعد النحو النوبية إلى العامية السودانية، ولاعتماد الموسيقى السودانية على الإيقاع الخماسي المميز للأغنية النوبية.

قبل تراجعها الأخير لمصلحة الأغنية النوبية، كان عقد التسعينيات وما قبله هو العصر الذهبي للأغنية السودانية في الوسط النوبي المصري؛ بسبب توافد كثير من مطربيها إلى القاهرة للعمل أو الدراسة أو بسبب الظروف السياسية.

حيدر محمد عثمان كان أحد هؤلاء المطربين، وحاز قبولًا واسعًا لحضوره المميز وصوته العذب وأغانيه الجميلة، اشتهر حيدر وسط نوبيي مصر باسم حيدر بورسودان نسبة لمسقط رأسه. وفى فترة وجيزة أصبح من ألمع نجوم الحفلات والأفراح النوبية، قبل أن يترك مصر ويعود للاستقرار ومواصلة مشواره الفني الثري في وطنه.

لطالما غنى النوبيون مع الجميل حيدر للمسافات الشايلة محنة التذكار، كما غنوا معه لبورتسودان "عروس البحر يا حورية، يا بورتسودان يا حنية، من قلب تايه في وصفك، أهدي سلامي وألف تحية".


جنة الشرق

في أوائل الألفية وبعد أن جمعتني الجيرة في السكن ومرحلة الدراسة الجامعية بعدد من الأصدقاء السودانيين، صرت مضروبًا بهوى السودان وأهله، اهتديت إلى منصة صحفية إلكترونية تدعى سودانايل. قضيت أوقاتًا طويلة متجولًا بها وأقرأ مقالاتها، أشبع نهمَ المعرفة عن السودان وحكاياته.

فات عقد أو يزيد، ومازلت أذكر مقالًا بديعًا عن مدينة كسلا بعنوان "بين نهر القاش وجبل التاكا تنام كسلا على أغنياتها"
العنوان يصف بإبداع جغرافية مدينة كسلا النائمة تحت سفح جبل التاكا، ويحدها من الغرب وادي القاش. جبل التاكا مهيب التكوين؛ كتلة جرانيتية ضخمة بثلاث قمم، حاضر كخلفية ثابتة في كل أنحاء كسلا، شاهد على يوميات أهلها وقراها وأسواقها وهمسات عشاقها. أما القاش فهو نهر موسمى فريد من نوعه، يمضى فى عنفوان بالغ نحو اللاشيء .. حيث لا مصب له سوى سهول كسلا.

جبل كسلا - صورة مفتوحة المصدر من ويكيدميديا

يتجمع القاش نتيجة هطول الأمطار الغزيرة على مرتفعات إريتريا، ثم يهبط نحو الفراغ في وادي القاش، الذي يتحول طيلة أشهر الصيف إلى حوض نهري صاخب بني اللون. ثم يتوقف هطول الأمطار على المرتفعات وتجف مياه القاش تدريجيًا، ويأتي الشتاء ليعود الوادي إلى سابق عهده، أراضِ جافة واطئة يعبرها الناس والدواب على الأقدام.

تغنى الكاتب بالمدينة وطقسها الممتع ومشاهدها الخلابة وجناتها الخضراء وأسواقها التي تمتلئ بخيرات أراضيها من الخضروات والفاكهة اللذيذة التي تتميز بها كسلا، ما يجعلها من أجمل مدن السودان. المقال كان حالة من الولع الشديد بكسلا، وينقل لكل قارئ عدوى التعلق بها.

أكتب تلك الكلمات، ويقتلنى الحنين لذكرى أيام جميلة خلت، أعتدت فيها سماع أبي رحمه الله، يدندن بأغنية شجية يقول مطلعها .. "حبيت عشانك كسلا". وكيف يا أبي لا نحب كسلا، وهي تضم بين حناياها الحلفاويين؟


نوفمبر 1959 وقّع جنرالا الوادي جمال عبد الناصر والرئيس السوداني إبراهيم عبود اتفاقية مياه النيل التي تنظم الحقوق المائية لمصر والسودان مرحلة ما بعد السد العالي. ألزمت الاتفاقية مصر بدفع 15 مليون جنيه للسودان، تعويضًا عن الأضرار الناجمة عن إنشاء السد العالي، ولتمويل إنشاء مدينة حلفا الجديدة غربي كسلا لتوطين أهالي وادي حلفا المتضريين من إغراق مدينة وادي حلفا التاريخية تحت مياه النيل.

عبر القطار، ووسط أجواء حزينة تغمرها مشاعر الأسى الشديد على فراق بلادهم، هُجِّر نوبيو حلفا من أقاصي الشمال إلى كسلا في أقصى الشرق حيث مستقرهم الأخير، بعد أن سبقهم أقرانهم من النوبيين المصريين والذين هُجِّروا بالصنادل النيلية والحافلات إلى مركز كوم امبو شمال أسوان.

بقى خط 22 الوهمي شاهدًا على لحظات الوداع الأخيرة بين نوبيي مصر ونوبيي حلفا قبل الفراق الأبدي.

صورة توضح انتقال نوبيي مصر إلى كوم امبو، ونوبيي حلفا إلى كسلا

إغراق النوبة ووادى حلفا منتصف الستينيات، كان حدثًا قاسيًا وثقيل الوطأة على نوبيي وادي النيل كلهم. والخمسون عامًا التي تلت لم تكن كفيلة بالنسيان. بل صار تعبير الفردوس المفقود مرادفًا حتميًا لوادي حلفا في اللاوعي النوبي. أتناول هاتفى، وافتح مفضلتى الموسيقية لأستمع إلى مقطع باللغة النوبية لأحد أبناء حلفا. أبكى النوبيين في عابدين والكلاكلة* على السواء.

"ديماديج منايا؟ ديماديج أركوني تمنا؟ ديماديج نيلوني تمنا؟ ديماديج سمايوني تمنا؟" (15 مليون ماذا؟ 15 مليونًا ثمن بلادنا؟ 15 مليونًا ثمن نيلنا؟ 15 مليونًا ثمن سمائنا؟).


سيرة السمسم والقضارف

المغادر لكسلا بمحاذاة الحدود السودانية مع إثيوبيا، ارتضى بالقضارف قبلةً. اسم قد يبدو غريبًا للبعض، لكنه مألوف لمن اعتاد الغناء لسمسم القضارف.

عائشة الفلاتية  -  صورة مفتوحة المصدر من ويكيبيديا

عائشة الفلاتية سليلة قبائل الفلاتا والهوسا الغرب أفريقية، المولودة في عشرينيات القرن الماضي، يصفها البعض بأم كلثوم السودان.

واحدة من رواد الفن السوداني الحديث، وزهرة الغناء النسائي في القرن الأفريقي وجنوب الصحراء. ألفت ولحنت وغنت عائشة العديد من الأغانى العاطفية والدينية والوطنية، وسجلت عددًا من الاسطوانات في القاهرة. غنت باللغة العربية وبلغات محلية أخرى مثل الهوسا والفلاتا، وتوفيت في منتصف السبعينيات.


من كلمات على عثمان إحيمر، غنت عائشة الفلاتية يا سمسم القضارف، وحققت الأغنية نجاحًا وانتشارًا هائلًا في كل أنحاء السودان، وتغنى بها العديد من المطريبن. وإلى يومنا هذا يعاد توزيع سمسم القضارف وتُقدم في قوالب فنية معاصرة. حتى وصل صيتها إلينا، فهي من الأغانى المحببة جدًا لدى جمهور الأغنية السودانية في مصر.


للوهلة الأولى يبدو أن أحدهم يغازل فتاته التي تعيش في القضارف، فيصفها بالسمسمة، ولكن الأمر في الحقيقة يتعلق بالخير الوفير لا بالغزل.

جعلت مزارع السمسم الشاسعة في جنوب شرق السودان وفي ولاية القضارف على الأخص، من السودان أحد ملوك السمسم في العالم، فالجارة الجنوبية لمصر تحتل المرتبة الثالثة عالميًا بعد الصين والهند في إنتاج هذا المحصول الزيتي الهام، وتصدير السمسم يعد أحد أهم مصادر العملة الصعبة في السودان.

تخبرنا الأسطورة بأن محصول السمسم حقق في أحد المواسم إنتاجًا قياسيًا فاق كل التوقعات، ودرت مبيعاته أرباحًا مهولة نقلت المزارعين والتجار، من الضيق إلى الثراء بين ليلة وضحاها. فخرجت إلى النور أغنية يا سمسم القضارف حبًا وعرفانًا لمحصول السمسم.

وسيرة السمسم والقضارف تستدعي تحفة الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن الجنقو-مسامير الأرض.

غلاف رواية الجنقو

يرصد ساكن، الذي طالما كانت حكايات المهمشين هي أساس تجربته الإبداعية، في رواية الجنقو سيرة عمال اليومية، الذين يسعى مُلاك الأراضي لاستئجار جهودهم في حصد محصول السمسم من المزارع الممتدة عبر الحدود مع إثيوبيا، فيأخذنا بلغته الساحرة إلى منطقة تسمى الحُمرا على ضفاف نهر تكازى أو ستيت، وهو نهر حدودي ذو ضفة شرقية إثيوبية، وضفة غربية سودانية، حيث تتلاشى هناك الحدود السياسية وقوانينها، ليسود فقط قانون البشر.

تتوافد جيوش الجنقو على الحُمرا لحصد السمسم، فينشأ هناك مجتمع مؤقت وأنشطة اقتصادية موسمية مثل أسواق المأكولات والحاجيات الرخيصة والحانات المحلية (الأندايات)، ومراتع المتع الحسية حيث تنتشر مخيمات الهوى وسكانها من بائعاته، في سعي محموم نحو هدف واحد؛ قروش هؤلاء المساكين. وينتهى موسم الحصاد ليخرج الجنقو مفلسين، متجهين صوب مزارع شقاء أخرى في متوالية بائسة لا تنتهي.

يلقب ساكن بالأديب الممنوع بسبب اعتياد السلطة التي كادت تكمل ثلاثين سنة في القصر منع أعماله، التي ترجمت إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والكردية. وهو، ككثير من أبناء السودان المنكوب بحكامه يعيش في أوروبا، حتى جاءت الثورة لتبشره وغيره بوطن جديد لا يعرف الخوف ولا القيود.

فسلام على القضارف وسمسمها، سلام لساكن والجنقو.

إلى المركز .. إلى سنار

الدوران مع عقارب الساعة من القضارف يقودنا إلى وسط السودان والمركز القديم، إلى سِنّار، حيث يجزع الوعي النوبي لمجرد ذكرها.

فبعد نحو عشرة قرون من الزهو، تراجعت الممالك النوبية الثلاث (نوباتيا والمقرة وعلوة) أمام ضربات العرب المسلمين المتوالية، حتى سقطت مملكتا الشمال نوباتيا والمقرة. وبقيت علوة كآخر ممالك النوبة المسيحية صامدة في الجنوب.

لكن في صدر القرن السادس عشر، وتحت أقدام تحالف العبادلة العرب بقيادة عبد الله جماع والفونج الأفارقة بقيادة عمارة دنقس، انهارت علوة واستبيحت عاصمتها الملكية سوبا، فسقطت أسوارها وجدران قصورها وأجراس كنائسها، وعاث العرب والفونج فيها تدميرًا وقتلًا، وتشرد أهلها في الوديان والجبال هربًا بدينهم وأرواحهم.

عاشت سوبا أيامًا طويلة من الفزع حتى صار تعبير "خراب سوبا" في العامية السودانية مضرب الأمثال لحالة الدمار الشديد.

على أنقاض علوة المسيحية انتصب كيان جديد هو دولة الفونج الإسلامية أو السلطنة الزرقاء، أول دولة عربية إسلامية في جنوب الوادي، واختيرت سنار عاصمة لها.

داخل قصر الحكم في سنار، جلس جلس من يعتنقون الدين الجديد، الذي أصبح الدين الرسمي للبلاد. وبصعود الإسلام للحكم، اكتسب العرب سلطة فورية نتيجة احتكارهم اللسان القارئ الشارح لهذا الدين. وعبر الإنتلجنسيا التي نشأت وامتزجت في سنار بين العرب والفونج، تشكلت وتحددت هوية إنسان المركز.

مسجد سنار - صورة مفتوحة المصدر من ويكيميديا

أصبح المواطن السودانى بألف لام التعريف، هو رجل مسلم الديانة عربى اللسان، وفي سنّار غرست جذور السودان الحديث الذي نراه الآن، وصار الدين الإسلامي واللغة العربية فقط أساس الهوية السودانية في بلد متعدد الأديان والأعراق يتحدث أهله أكثر من مائة لسان.

مركز وهوامش

الأنهار كما عودتنا، تنشئ حول ضفافها حكمًا مركزيًا يكاد لا يرى الهامش. لكن الجديد في الحالة السودانية أن فضاءات الهوية أيضًا تلعب الدور نفسه.

ففي قراءة جغرافية شبه مختزلة، تبدو خريطة السودان المثالية مثل شجرة تخرج جذورها من الشرق والجنوب الشرقي، ويمتد جذعها غربًا نحو المركز ثم يتجه إلى الشمال، في توازٍ تام مع مسار الأنهار الهابطة من المرتفعات الإثيوبية والإريترية ثم انحدارها غربًا نحو حوض النيل المتجه لشمال الوادي.

مسار مركزي يضم الولايات الشرقية كسلا والقضارف والبحر الأحمر، وولايات المركز سنار والنيل الأبيض والجزيرة وشمال كردفان والخرطوم، وإقليم الشمال نهر النيل والشمالية. وهي فضاءات تغلب عليها عناصر الهوية السودانية كما حددتها سنار.

ورغم وجود مجموعات غير عربية في الشمال والشرق مثل النوبيين والبجا، إلا أنها تشبعت بالهوية المركزية السودانية، والتي أصبحت تشكل بنية فوقية في هيكل ثقافتها العام. أما اللبنة الأساسية لثقافاتها الأصلية فتراجعت إلى الدواخل وتجلت مظاهرها في الاحتفاظ باللغة الأم والتراتبية الاجتماعية وبعض العادات والتقاليد، كما يخبرنا الباحث السوداني أبكر آدم اسماعيل في كتابه القيّم جدلية المركز والهامش.

أما الهامش فتمثله بجدارة واستحقاق ولايات الجنوب، النيل الأزرق وغرب كردفان وجنوب كردفان، والتي وإن حققت شروط المركزية بوقوعها على ضفاف النيلين الأزرق والأبيض، إلا أنها تشهد خفوتًا شديدًا في المكوّن الهوياتي المعتمد. والهامش يتجلى أيضًا في ولايات الغرب، إقليم دارفور، البعيدة عن مسارات الأنهار، والتي وإن ظللتها ثقافة إسلامية خالصة، فإن القبائل ذات الأصل الأفريقي تغلب على خريطتها السكانية، خاصة وأن هذه القبائل ظلت تعيد إنتاج نفسها داخل بيئاتها الأصلية، دون تأثير خارجي يذكر، حسب الدراسة السابقة.

خرج الهامش من معادلة الحكم والمشاركة، وعانى من سياسات التهميش ومحاولات فرض هوية المركز وانعدام خطط التنمية في قطاعات الصحة والتعليم وغيرها، ما أدى إلى زرع مشاعر الظلم والتمييز، وتوافر كل أسباب ومبررات التمرد لدى شعوب تلك المناطق. ومع الوقت تحولت إلى ساحات مفتوحة للاقتتال الأهلي والنزاعات المسلحة بين الحكومة ووكلائها المتماهين معها عرقيًا أو دينيًا من جهة، وشعوب الهامش من الجهة الأخرى، في صراع دامٍ ومستمر خلف مئات القتلى وآلاف الجرحى والمشردين واللاجئين.

الهامش الجنوبى

حمل الهامش الجنوبى في النيل الأزرق وجنوب كردفان إرث الحرب الأهلية الثقيل، حيث كان مسرحًا للعديد من المعارك بين جيش الحركة الشعبية لتحرير السودان، والقوات النظامية، قبيل توقيع اتفاقية السلام الشامل فى نيفاشا عام 2004. وأثناء المفاوضات ظهر الخلاف حول تبعية الولايتين. هل تتبعا الشمال؟ أم تتبعا الجنوب فيسرى عليهما استفتاء الإنفصال؟

في النهاية نصت أحد برتوكولات نيفاشا على حل وسط، يعترف بتبعية تلك المناطق حدوديًا لدولة الشمال، مع وضع آلية ديمقراطية لاستطلاع آراء المواطنين فيها عن مدى رضاءهم عن اتفاقية السلام ومدى التزام الحكومة بتطبيق بنودها، أو ما يعرف بنظام المشورة الشعبية. لم يلتزم نظام الإنقاذ بتطبيق إجراءات المشورة الشعبية، ولكنه اتبع سياسة القوة وفرض الأمر الواقع، عن طريق قصف مناطق جبال النوبة - جنوب كردفان بالطائرات لمطاردة المتمردين.

أزيز طائرات الأنتينوف السوفيتية كان مصدر إلهام للمخرج السودانى حجوج كوكا فى اختيار اسم فيلمه الوثائقى إيقاعات الأنتينوف الذي يرصد حياة شعوب جبال النوبة تحت آتون الحرب مع السلطة المركزية فى الخرطوم.


يحاول الفيلم نقل يوميات الناس، وكيف أنهم تغلبوا على الخوف، ولم تفلح الحرب في منعهم عن ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، بل تحول أزيز الأنتينوف إلى خلفية موسيقية صالحة للرقص.

فى مقابلة تليفزيونية أجرتها معه قناة العربية عقب حصول فيلمه على جائزة الجمهور - فئة الأفلام الوثائقية مهرجان تورنتو فى كندا، يخبرنا حجوج أن التهميش بجانب سياسات التعريب والأسلمة هما عصب الحرب الدائرة في مناطق النيل الأزرق وجبال النوبة، وأن سلطات الإنقاذ فشلت في محاولات فرض هوية قسرية على قبائل الإنقسنا والكدالو والقمز والبرون والأدك والكوما والشناني وغيرها من القبائل الأفريقية.

الهامش الغربى

أما في إقليم دارفور القاحل، الذي عانى لعقود من سياسات التهميش والتمييز، وبسبب حالة الجدب والجفاف الشديد، نشأت نزاعات قبلية على الموارد بين القبائل العربية الرعوية مثل عرب المهرية والمحاميد، والقبائل الريفية الأفريقية مثل الفور والميدوب والزغاوة والمساليت.

تطور الأمر لاحقًا إلى صراعات مسلحة لم تستطع سلطات الإنقاذ إخمادها أو معالجة أسبابها، أو حتى التزام الحياد كأضعف الإيمان، بل انحازت إلى الميليشيات العربية المسماة بالجنجويد، وغضت الطرف عن جرائمها تجاه القبائل الريفية التي وصلت حد الإبادة الجماعية، بحسب تقارير منظمات حقوقية. استفحل خطر تلك الميليشيات حتى اضطرت سلطات الإنقاذ إلى إعادة هيكلتها ضمن قواتها النظامية، في تجاهل تام لخطورة ومآلات زرع فرق غير نظامية داخل المنظومة العسكرية للبلاد.

مسلحون في دارفور - صورة مفتوحة المصدر من ويكيميديا 

هنا اندلعت الثورة السودانية التي يراها الثائرون فجر الخلاص، لبناء سودان جديد عادل خالٍ من رائحة الدم، ينعم أبناؤه بالسلام على كل أرضه، في المركز والهامش على حد سواء.

سودان كبير يتسع لكل المكونات الإثنية والعقائدية والسياسية في السودان، الفور والعرب والأقباط ومسيحيو الجنوب والبجا والأنقسنا والنوبيين (شلالات/ جبال) والفلاتة والرشايدة والأنصار والختمية والجمهوريون والبرتا والمسلمون والفونج والشلك والداجو والمساليت والزريقات والبقارة والآبالة وغيرهم.

هذا الشعب الذي قدم أغلى أبنائه قرابين للحلم، يقينًا لن تذهب تضحياته سدى.

* الكلاكلة - منطقة سكنية جنوب الخرطوم، بها كثير من التجمعات النوبية التي أتخذت من العاصمة مستقراً لها.


مصادر

  1. تاريخ السودان الحديث - تأليف روبرت أو. كولينز.
  2. مصر والسودان تاريخ وحدة وادى النيل فى القرن التاسع عشر - تأليف محمد فؤاد شكرى.
  3. السودان وأهل السودان أسرار السياسة وخفايا المجتمع - تأليف يوسف الشريف.
  4. جدلية المركز والهامش - أبّكر ادم اسماعيل.
  5. موسوعة مصر القديمة الأجزاء (10 ، 11) - تأليف د. سليم حسن.