تتباين الألوان، من أحد أسطح ميدان الإسماعيلية بمصر الجديدة. تصوير: رفيق محفوظ

صلوات الهلع: أو كيف تعلمت كراهية الربيع

كل ما نبصره أو يتراءى لنا
ليس سوى حلمًا داخل حلم

إدجار آلان پو

1

أحببت الصحافة في سن الثامنة، كنت أجمع قصاصات المجلات والصحف وأعيد صياغتها في كولاج من تصاميم وخطوط يدوية، لكني لم أملك أبدًا أية فكرة عن شكل المحتوى الذي يمكن أن أقدمه في ذلك السن، فكنت أجمع أخبار الفن والرياضة والمشاريع القومية، بلا أدنى وعي بمعنى السلطة أو الأحزاب او المعارضة، أردد النشيد الوطني بأداء غنائي في طابور الصباح، أشجع منتخب كرة القدم بحماس. لم تتخط معرفتي بمجلس الشعب حينها أكثر من كونه ساحة مصارعة حرة.

نشأت في بيت يرى في السيد الرئيس الأب المخلص لأولاده، لذلك لم اتعرض لأي أصوات تعارض الحكم في ذلك الوقت. حمل العدد الثاني من مجلتي غلافًا رسمته بنفسي للسيد والأب والقائد الأعلى. كنت دائمًا أجالسهم يرددون في نقاشاتهم الليلية أن الفساد هو فساد الحاشية ليس الحاكم، قبل أن يتطرق الحديث إلى الأخلاق وقصص الصحابة والسُنة النبوية، وفضائح الوسط الفني، وحقيقة إسلام مايكل جاكسون. تمامًا مثل أي بيت مصري محافظ.

لم أفتقد يومًا فكرة الأب، لطالما مثلها لي غيابيًا شخص يمجِّد السلطة أيًا كان راعيها، يعيث في الأرض استحقاقًا لأشياء لم تكُ له يومًا. عندما تعثرت دراستي بسبب اكتئابي كاد يلحقني بالحربية، سعى بكل شكل يعرفه المرء أن يحرك مسارات حياتي نحو ما يعرفه هو، نحو ما يرتضيه خضوعًا ربما، تمامًا كما عاش طيلة حياته، على امتيازات الآخرين.

بعد تسعة أعوام من تلك الأيام، حُملتُ على الأعناق لأهتف احتفالًا بالتنحي بعد أن احترق قلبي حينما خرج على المشاهدين بخطابٍ يتراقص فيه على نغمات السلطة الأبوية، صرخت وقتها في غضب بأنه لابد أن يرحل، ووافقتني أمي على غير العادة.

كان الأمر بالنسبة لي جزءًا من سلسلة تمرد قديم على كل ما هو أبوي، كل ما هو موروث ومتعارف عليه، قضيت أعوامًا طويلة أخاف التغيرات الراديكالية نحو آتٍ لا معلوم، لكن على أعناق هؤلاء، اكتمل إدراكي بأن الاختيار اليوم لنا، وأن الشارع لنا. وأن تمردي من أجل اختيار ما أرتضيه معيشًا هو حق مشروع.. أو هكذا اعتقدت.

لكن ما مضى قد مضى بلا رجعة، والشارع مخيف..



2

لم أكن أبدًا على علاقة وثيقة بالميدان، رغم إيماني به آنذاك. لم أهتف إلا يوم التنحي، ثم بدأت بالتدريج أمارس دور المشاهد الصامت بين الجموع. انتقلت للعيش وحدي وقتها في بيت جدي الراحل، وكانت أمي تزورني من وقتٍ لآخر.

عنفوانيًا لا يخاف المواجهة أو إعلان مواقفه، ما تسبب لي في متاعب أكبر مما كانت تحملني إليه طاقتي. كنت أدعي أنني أنزل الميادين لأغطي الأحداث والاشتباكات، فتهددني هي بالطرد من المنزل وأطلب منها ألا تنسى وضع كتبي المفضلة في الحقيبة التي تجهزها حال كانت جادة في تهديدها، ثم أرحل.

انقسمت الحياة حينها لفصول طويلة من النوم والموسيقى والقراءة، لم أتحدث أبدًا إلى الناس مهما اختلطت بهم، كنت أخرج عند الساعات الأولى من الصباح لأرتجل حتى طلوع الشمس، فأمُّر على فرشة الصحف واشتري التحرير والشروق والمصري اليوم مع فنجان القهوة السريع قبل أن أعود للمنزل وأخلد إلى النوم.


أما عن ما هو خارج عزلتي، فكنت أعمل ميدانيًا مع إحدى منظمات المجتمع المدني في حملات التوعية ضد التحرش الجنسي. عملي هذا كان له الحيِّز الأوسع والأكبر من حياتي في تلك المرحلة، بجانب حملاتنا في الجامعات والمدارس، كنا ننزل كقوات مكافحة في الميدان أيام المليونيات، حيث حالات الاعتداءات الجنسية الجماعية بأعدادٍ لا يقبلها منطق إنساني.

بحكم دوري كمسؤول التعامل مع الضحية داخل دوائر التدخل السريع، كنت دائمًا هادئًا، مهما انتباتني المخاوف، أبقى حذرًا، مسالم الملامح، وأخفي كل مخاوفي وصداميتي وهلعي تحت جلدي، مهما تطلب الأمر، كنت اكتشف الوجه الآخر لهذا البلد، عن قرب، في مساحة غير آمنة بطبيعة الحال، ومفجعة.

انتهى ذلك العالم الذي عرفت حينما قادني فضولي الأدبي نحو الصفوف الأولى لإحدى اشتباكات أطراف الميدان، وقفت عند الحاجز الأخير ورفعت عيني نحو جنود ملثمين يطلون من شبابيك مدرسة مجاورة، في تأملٍ بينما يتساقط الناس من حولي بفعل الطوب والرصاص، لم أدرك ما أفعل أو أرتد حتى ضربت رصاصة الأسفلت على بعد مليمترات من حذائي وتناثرت شظاياها هالةً تحيط بي.

أقف صنمًا ساكنًا بين المصابين والقتلى والمسعفين وكأنما هي تدريبات ثبات انفعالي، إجراء احترازي بإدعاء الموت موضعي.. يتفكك الزمن بي، أبدأ في الغياب بين الأصوات بلا إدراك للخطر الآتِ من الأعالي، ثم أعود للبيت فابكي كالأطفال.



ينحصر الضوء عند كوبري قصر النيل، بينما تغرقنا دفعة جديدة من الغاز مسيل الدموع، أعتى كثيرًا من المرات الماضية. بين حناجرٍ مجروحة المخارج جراء السيولة، وعلى مرمى مئة متر، كانت سيدة ثلاثينية تصرخ وسط ما يقارب المئتي شاب، كانت محاولة اغتصاب جماعي. بلا رفاهية إدراك أو قرار، تدخلنا عشرون فردًا لعزلهم عنها بالقوة، كانت المرة الأولى التي أخرج فيها عن تشكيلنا واشتبك مع الأعداد بالأيدي والحجارة دون الانتباه لدوري الأصلي، كنت اصرخ فيهم غضبًا، حتى تداركت نعومة صوتي التي لا تكفي لردعهم، فخلعت حزامي واندفعت نحوهم بينما خرج زملائي بالسيدة من المكان ووصلوا بها إلى نقطة أمان وأعطوها من حقيبتي معطفًا لتغطي ثيابها الممزقة.


في الوقت الذي تجاهل الإعلام الرسمي تقاريرنا وأرقامنا عن الاعتداءات الجماعية التي حدثت بالفعل، بدأ الاكتئاب يأكلني فبدأت انسحب تدريجيًا مع إدراك أننا نحارب طواحين الهواء وحدنا، عراة الشجر.

انعزلت فترة طويلة قبل أن أعود لفضولي والتجول بين الجموع في احتجاجات القصر. هناك، وقفنا جنبًا إلى جنب، أتشكك هل يكون هو فعلًا، وأخاف المبادرة بالسلام أو الحديث. بين ترددي وخجلي اندثر هو بين الحركات والعربات والمارة، فلم يبق منه شيء. عندها سمعت الناس يهتفون للمارشال، فعرفت أن الخلاص فردي وأن الأحلام كلها فانية، وقتلت فضولي إلى الأبد.



3

16 أبريل 2019

اليوم مرت ست سنوات. برحيله المفاجئ، تناثر العالم الذي أعرفه، تفكك كل شيء وصرت وحدي في مواجهة ذاتي. تجدد شعوري بحتمية الاشتباك مع النموذج المصغّر للسلطة، المتمثل في كل شيء.

فشلت سياسيًا الثورة لعدم وعي الفرد بكون المعركة الفردية جزءًا من الاشتباك الأكبر مع السلطة، ذواتنا. لكن هل يهم هذا في شيء؟ لنودع الأشباح ونمضي بعيدًا.


استمعنا إلى فيروز وزياد سويًا ونحن نطوف هيلوپوليس بسيارته، كنا نحكي عن تلك الپروفة وراديكالية زياد الموسيقية في التمرد على عاصي من حيث شكل الألحان ولون الكلمات ومدة الأغاني، أو كيف حرر زياد أمه من ثوب المجدلية لتغني تنذكر ما تنعاد بقدرٍ غير معروف مسبقًا من التحرر. اعتدنا فصل حديثنا بعود أنور براهم، والتأمل في مشاريع يحيى خليل مع منير، غنينا الناس نامت حتى نامت كل الأعين إلاه، حتى نامت كل الشوارع، إلاي.


لم أكن عرفت من هو صبحي الجيز حينما أدركني الصباح وانقضى ماضٍ آخر برحيله، لكني عرفت إنني يومها رفيق.. رفيق وما عندي رفيق، رح يبقى اسمي رفيق.