طرابيشي على مسرح الفكر العربي

لن يخاف مفكر عربي بعد الآن؛ لأن الزمان لن يجود بعملاق من طراز طرابيشي في التتبع والتفتيش البحثي. ومسرح الفكر العربي صار خاليًا من الرجل الذي كان يسهر كمحكمة.

رحل عن عالمنا، يوم الأربعاء، عن 77 عامًا، المفكر السوري جورج طرابيشي. وهذا المقال يأتي كاعتراف بالجميل من قِبل قاريء كان يحتفي بكل ساعة يقضيها في قراءة أعماله.

أيتها الأيديولوجيا هذا ابنُكِ

ذكر جورج طرابيشي، غير مرّة، منذ التسعينيات، في حوارات معه أو مقالات كتبها بنفسه، أنه انتقل من ضيق الأيديولوجي (المعرفة بما هي تخديم على نسق فكري لا يرعى الحقيقة بقدر ما يرعى العمل وينشد اليوتوبيا) إلى سعة الإبستمولوجي (المعرفة بما هي نداء للحقيقة بغض النظر عن منغصات العمل ورغبويات الرغد الإنساني)، أو من "مطب الأيديولوجيا" إلى "مطلب الفلسفة"، أو من "نصير للالتزام" إلى نصير "للحقيقة التاريخية"، أو من "النصيَّة" إلى "الواقعيَّة"، وأن محمد عابد الجابري قد أسهم في هذه النقلة، في البدء كمُلهم وأب روحي وفي المنتهى كعامل مستفز وعدو أول.

كان طرابيشي في ذلك واحدًا من دعاة "موت الأيديولوجيا" – وهو، عمومًا، من هواة الاستعارات الكبيرة. كان على هذا الشيوعي السابق، والسارتري السابق، والقومي السابق، والفرويدي السابق أن يتآمر على نفسه حتى يصير "ناقد نقد العقل العربي" الذي نعرفه الآن. وأن يكون عرّابًا لجيل جديد من المثقفين والكتَّاب الذين "حرروا" أنفسهم من "غشاوة الأيديولوجيا". فـ "شعار الالتزام قد جرى عليه قانون التقادم، وخير ما نفعله هو أن نسحبه من التداول" (شهادة نصير سابق للالتزام، في كتاب: هرطقات 2: عن العلمانية كإشكالية إسلامية إسلامية، 2008)، و"الشرور التي تترتب على محاولة الخروج على النظام [الرأسمالي] أدهى وأرهب من تلك التي تنتج عن البقاء في مداره" (المثقف وسقوط الماركسية، في كتاب: هرطقات: عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية، 2006).

لكن، لم يكن طرابيشي وحيدًا في البرية. فكما يعبِّر سلام عبّود:

"بعض اليساريين العرب، الذين فقدوا مرتكزاتهم السياسية عند سقوط المنظومة الاشتراكية، وفقدوا مرتكزاتهم النظرية والفلسفية بخفوت صوت الشيوعية وصعود نظرية موت الأيديولوجيا وما رافقها من مد ديني وتكفيري، وجدوا ضالتهم في الفوضى الفكرية، التي أتاحت لهم حرية التصرف من دون قيود عقلية أو أخلاقية أو منطقية، تعويضًا عن نقص جدي في درجة وعيهم للنظرية، التي ادعوا نفاقًا أو تكسبًا، الإيمان بها سابقًا، فنراهم يصفقون لصواريخ إسرائيل تحت حجة محاربة حماس، ويمجدون حسني مبارك تحت حجة محاربة الإرهاب، ويصطفون مع أكثر الحكام والسياسيين تخلفًا وابتذالًا لأنهم يعارضون "سلفية" حسن نصر الله! إنها فوضى العقل في أردأ نسخها. فإن كان اغتراب هذا الفريق سابقًا نظريًا، بسبب انتسابهم الكاذب إلى أيديولوجيا خدموها من دون إيمان وفهم حقيقيين، فإنهم الآن يغتربون نظريًا وعمليًا، بانضمامهم إلى تيار الفوضى العقلية والعدمية السياسية" (كتاب المثقف الشيوعي تحت ظلال الاحتلال: التجربة العراقية، 2014).

طالبًا "النزاهة المعرفية" و"النقد الذاتي"، شنّ طرابيشي حملةً ضاريةً على شتى صنوف الأيديولجيين، من ماركسيين وقوميين وإسلاميين وعلمويين، الذين جعلوا التراث "شاشة لإسقاطاتهم الأيديولوجية التي لا تعدو في أغلب الأحيان أن تكون شاشة للإسقاطات النفسية التي يقوم لها الجرح النرجسي مقام المحرِّك" (كتاب مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة، 1993). وأراد في ذلك، على الرغم من اعتقاده في السوق والديمقراطية وحقوق الإنسان، أي على الرغم من انتقاله إلى طور ليبرالي، أن يقنعنا أنه غير مؤدلج.

كما لو كان الجابري قد عَلِقَ به

إن يكن في هذا تناقض بين ما كان يدعيه طرابيشي وموقعه الفعلي في الخريطة الفكرية، فإن التناقض يبدو أكبر بين المعركة المستعرة التي خاضها، من طرف واحد، مع الجابري، وحقيقة أنه لم يكن مفصولًا حقًا عن الأخير ما دامت الاستنتاجات ستكون رسولاتٍ بينهما.

رأى الجابري، في كتابه "تكوين العقل العربي" (1984)، أن مسببات "استقالة العقل في الإسلام" ترجع إلى عوامل غير عربية أو إسلامية يمكن وضع "الهرمسية" كلافتة عامَّة لها. وفي كتاب "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة" (2010)، عارض طرابيشي أن تكون مسببات إقالة العقل في الإسلام من خارج أو بعيد، وجادل أنها من داخل وقريب، وأنها السُنَّة، التي قامت بـ "تغييب القرآن". بيد أنه عاد ليقول إن السُنَّة هي جرم ارتكبه الفرس والأعاجم ونسخة مغايرة وغير عربية للإسلام، أي عاد إلى فكرة نقاء الحضارة التي كان قد آخذ الجابري عليها بشكل صارم. بحسب جوزيف مَسعد:

"وتمامًا كما كان الأوروبيون في عصر النهضة، ومن ثم في عصر التنوير، ينسبون كل ما يثير قلقهم إلى غير الأوروبيين في سياق عملية اختراع أوروبا كتصنيف حضاري متماسك، وإعداد المسرح لكافة أنواع الأيديولوجيات والممارسات القومية المتطرفة، أراد بعض القوميين العرب الحداثيين الحفاظ على نقاء الحضارة العربية في الماضي كأساس لأمة عربية حديثة. وهكذا، وسيرًا على خطى مهندسي فكرة أوروبا والقوميين الأوروبيين الحداثيين، سعى عدد من الكتاب القوميين العرب إلى نفي العناصر (الأجنبية) في سياق عملية تطهير الماضي، ومن ثم إعداد المسرح لإقصاء كل العناصر الأجنبية المعاصرة من أجل تطهير الحاضر". (كتاب اشتهاء العرب، الطبعة الإنجليزية: 2007؛ الطبعة العربية: 2013).

ذلك أنكَ تخيفهم

مثَّل طرابيشي طوال عمره الفكري صداعًا حقيقيًا للمفكرين العرب. وكانوا يكرهونه ويحقدون عليه، وهنا أقصد بالتحديد أقرانه ومجايليه، لطبعه الصارم وحسّه الثاقب. كل كِتاب له هو إعلان عن فضيحة لأحدهم. قال كبيرهم إن طرابيشي هو مسيحي ليس له أن يتكلم في التراث العربي الإسلامي، وقال آخر إنه مجرد صحافي وناقد أدبي – على سبيل التحقير – لا علاقة له بشؤون الفلسفة والفكر، وثالث سرق منه الكثير من الحجج واستحقر أن يحيل عليه.

لن يخاف مفكر عربي بعد الآن؛ لأن الزمان لن يجود بعملاق من طراز طرابيشي في التتبع والتفتيش البحثي. ومسرح الفكر العربي صار خاليًا من الرجل الذي كان يسهر كمحكمة. وداعًا!