مظلّة ينتظر أسفلها أقارب السجناء المحبوسين احتياط في سجن طرة تحقيق قبل دخولهم الزيارة. الصورة: هبة أنيس

اللقاء والفراق في سجن طرة: 30 دقيقة بعد المرور من "النادي" و"الأنبوبة" حتى "المصطبة"

"إحنا مقارنة بغيرنا أحسن بكتير ومستوانا كويس، وفيه فلوس كنا شايلينها بأصرف منها لغاية دلوقتي بس قربت تخلص لأن الزيارة مكلفة جدًا، لا تقل عن 2000 جنيه في الأسبوع".
- رضا عبد الله، التجمع الخامس

دق جرس المنبه في تمام الساعة السادسة صباحًا، فتحت رضا عبد الله* عينها كأنها تتظاهر بالاستيقاظ، كعادتها كل ليلة أربعاء لم تنم، لأنه اليوم الموافق لميعاد زيارة زوجها المحبوس احتياطيًا في سجن طرة، منذ سنة وثمانية أشهر، متهمًا في إحدى قضايا النشر.

استعدت رضا، 42 عامًا، للرحلة الأسبوعية؛ سوف تبدأ بمجرد الوصول إلى السجن الانتظار في طابور تسجيل الأسماء، وبعد ساعات تصل للقاء زوجها لمدة لا تتعدى 30 دقيقة، ربما تصل لـ45 دقيقة في أوقات أخرى، لكنها لن تزيد عن ذلك.

وضعت محتويات الزيارة في أكياس بيضاء، طعام جهزته ليل الثلاثاء وأطعمة جافة، وملابس مغسولة أخذتها من زوجها في الزيارة السابقة، وأخيرًا أهم شيء؛ السجائر، العملة الرسمية داخل السجن.

تتحرك من منزلها في التجمع الخامس السادسة والنصف صباحًا، تأخذ سيارتها الخاصة وبعد ساعة تصل إلى السجن، تدخل إلى مكان يسمى "النادي" ويتسع لمئات ينتظرون تسجّيل أسمائهم، هناك دكك حديدية من أجل الجلوس تترك لكبار السن من النساء والرجال، يحجزون أماكنهم في الطابور ثم يستريحون عليها حتى يأتي دورهم لتسجيل أسمائهم في كشوف الزيارة.

تعارف وتنفيس

وقفت رضا منذ السابعة والنصف في طابور التسجيل، دائم الازدحام، جمعتنا الزيارة الأسبوعية سويًا، ينتهي بأمين شرطة يسجّل أسماء من سيسمح لهم الزيارة في كشوفات، يسجل الاسم ورقم البطاقة ودرجة القرابة، ويتأكد أنها قرابة من الدرجة الأولى كالأب والأم والأبناء والزوجة، ممنوع الأصدقاء.

قالت لي إن زوجها قبض عليه منذ ما يقرب من سنة وثمانية أشهر، ألقت الشرطة القبض عليه من المنزل، وظل مختفيًا لمدة 5 أيام، كان مجرد شخص نشط على موقع تويتر، يعلق على الأحداث السياسية كأي مواطن، أخذت عليه تعليقاته كدليل إدانة في التحريات، وظهر متهمًا بنشر أخبار كاذبة، والانضمام لجماعة إرهابية، التهمة التي باتت سببًا في لقاءات طابور الزيارة.

أطعمة ومعلبات من أجل زيارة السجناء. الصورة: هبة أنيس

أخبرتها إن زوجي طبيب أسنان، اسمه وليد شوقي، قبض عليه في الثامنة مساء يوم 14 أكتوبر عام 2018، تلقيت اتصالًا هاتفيًا من الممرضة بعيادته الخاصة في السيدة زينب، وأخبرتني أن ثلاثة رجال بزي مدني اصطحبوه معهم إلى قسم السيدة زينب، تحركت حينها من منزلي بصحبة طفلتي نور، ووصلت إلى القسم مع محامي من أصدقاء وليد، دخل هو القسم، ورفض أمين الشرطة دخولي، أخبروه أنه لا يوجد أحد بهذا الاسم.

على مدار 6 أيام ظل وليد مختفيًا، وفي اليوم التالي ظهر بنيابة أمن الدولة متهمًا في القضية 621 لسنة 2018، متهمًا بنشر أخبار كاذبة والانضمام لجماعة أسست على خلاف القانون. قال المحامي إن الأحراز الموجودة في محضر القبض هي بوستات فيسبوك أخذت من صفحته، كان قد أعلن أن عيادته ستفتح أبوابها بالمجان في ذكرى ثورة 25 يناير من عام 2018.

"في العام السابق، ألقي القبض على زوجي من محطة المترو بسبب أموال معه كانت تحمل عبارات مضادة للنظام. من إمتى كل واحد هيشوف الفلوس اللي معاه مكتوب عليها إيه، اللي بيقطع التذاكر شاف المكتوب وخده للضابط وعملوا له قضية، ومن يومها بيتجدد له، وحتى الآن إحنا منعرفش الفلوس كان مكتوب عليها إيه".
شيرين، وادي حوف

طابور الزيارة

بعد القبض على زوج رضا أصبحت هي عائل الأسرة الوحيد، كان زوجها يعمل في شركة خاصة، وتوقف مرتبه بطبيعة الحال منذ سجنه، "إحنا مقارنة بغيرنا أحسن بكتير ومستوانا كويس، وفيه فلوس كنا شايلينها بأصرف منها لغاية دلوقتي بس قربت تخلص لأن الزيارة مكلفة جدًا، لا تقل عن 2000 جنيه في الأسبوع". هذا بخلاف مصاريف البيت والأولاد والمدارس.

تستغرق عملية تسجيل الأسماء من السابعة وحتى العاشرة صباحًا، لكن الأمر قد يتوقف على مدى الازدحام.

في العاشرة إلا عشر دقائق وصلت سيدة لكنهم رفضوا تسجيل اسمها، ظلت تتوسل لأمين الشرطة وهو يخبرها وقت التسجيل انتهى، قالت "راحت عليا نومة وجيت أجرى وكنت هبوس إيده علشان يسجل اسمي ومرضيش، انتظرت الضابط لما فتح الباب وروحت قلت له إني جئت قبل عشرة، فرد الأمين وقالي قدامه أنت كدابة أنت جيتي بعد عشرة، وراحت عليا الزيارة".

عند حديثي مع شيرين أخبرتني أنها تسكن بالقرب من السجن، بمنطقة وادي حوف، وتستقل المترو للوصول للسجن، تقول إن زوجها قبض عليه بالصدفة، هو بعيد كل البعد عن السياسة، يعمل موظفًا بإحدى المصالح الحكومية، وكان معارضًا دومًا للإخوان والمنتمين لتيار الإسلام السياسي.

في العام السابق، ألقي القبض عليه من محطة المترو بسبب أموال معه كانت تحمل عبارات مضادة للنظام، "من إمتى كل واحد هيشوف الفلوس اللي معاه مكتوب عليها إيه، اللي بيقطع التذاكر شاف المكتوب وخده للضابط وعملوا له قضية، ومن يومها بيتجدد له، وحتى الآن إحنا منعرفش الفلوس كان مكتوب عليها إيه".

كانت شيرين حاضرة بصحبة ابنها، أخبرتنا أن الطعام الذي أعدته طيلة الليل سيفسد، معها طعام يكفي الغرفة بأكملها، وعدد المسجونين بها 12 شخصًا، لأن أيام الزيارة مقسمة بين الأهالي، وكل سجينان تأتي أسرتيهما في يوم محدد ومعها طعام يكفي الزنزانة بأكملها، وفي اليوم التالي تفعل نفس الأمر أسرة سجينين آخرين، ويستمر الأمر ما عدا يوم الجمعة يوم إجازة السجن.

لم تيأس شيرين، ظلت تحاول مع الضابط وتطلب منه إدخالها، رفض، وبالصدفة وجدت والدة أحد السجناء بنفس العنبر الموجود به زوجها، كانت قريبة منها أثناء التوسل للضابط، أخذت منها الأطعمة والمأكولات المطهية لإدخالها لزوجها، فاستسلمت.

حالة شيرين المادية متوسطة، رغم استمرار راتب زوجها حتى الآن، بفضل تدخلات عدد من أصدقاءه، وراتبها هي أيضًا حيث تعمل معه بنفس المكان الحكومي، إلا أن مصاريف الزيارة الأسبوعية أصبحت أمرًا مكلفًا لها، لديها ابنة في المرحلة الجامعية، وولد بالثانوية العامة، تقول "بجيب اللي بقدر عليه، مفيش فلوس تكفي، المرتبات بتكفي الإيجار والدروس والأكل والشرب، دلوقتي زاد حمل الزيارة ومصاريفها ومفيش أي فلوس متحوشة أو متشالة على جنب".

منذ فترة منعت إدارة السجن الأطباق "الفويل"، واقتصر الأمر على العلب البلاستيكية التي تكون كبيرة الحجم وثقيلة مقارنة بالأطباق وتكلفتها أعلى أيضًا.

دخول الأنبوبة

في زيارة المحبوسين احتياطيًا على ذمة التحقيق بقضايا سياسية تمر أسر المحبوسين بمراحل عدة حتى لقائهم، تأتي بعض الأسر من محافظات آخرى غير القاهرة ويصلون في الواحدة صباحًا لتسجيل أسمائهم في الكشف أولًا، بعد تسجيل الأسماء في كشوفات الزيارة، ننتظر فتح باب السجن لبدء دخول الأسماء بالترتيب.

يفتح باب السجن عادة في العاشرة صباحًا، ينتظر الجميع فتح باب السجن جالسين على الرصيف أمام باب السجن، أو على المقاهي المقابلة للسجن، يتركون بها الهواتف المحمولة قبل دخول الزيارة ويحصلون عليها بعد الخروج مقابل جنيهين للتليفون الواحد، وهو نفس سعر دخول دورة المياة بتلك المقاهي.

بعد عبور بوابة السجن تبدأ المرحلة الأولى للتفتيش، سيدة تجلس بجوار باب السجن، وراء ستارة صفراء تفتش الحقائب وأحيانا الملابس، ثم ينتقل الجميع إلى حجرة صغيرة بها دورة مياة جانبية لها رائحة كريهة طيلة الوقت، تنقطع المياه بها بشكل مستمر، لكن يضطر البعض لاستخدامها مع ساعات الانتظار الطويلة.

تمر الزيارة نفسها المكونة عادة من مأكولات وملابس وغيرها عبر جهاز "الإكس راي"، يضع الزائرون بالجهاز كل ما يحملوه من حقائب، وبعد الكشف على الأكياس، يفتشها الشرطيون في مرحلة أخرى على منضدة صغيرة. بعدها يأتي دور الزائرين، يخلع الجميع الأحذية ويمرون من بوابة إلكترونية لكشف الأجسام المعدنية، ثم يفتشون على يد شرطيين وشرطيات قبل الوصول لطابور "الأنبوبة"، وهي ماسورة طويلة مغطاة بالسلك الشائك، رفيعة، يتكدس بداخلها الجميع.

نتلقى تعليمات مكررة من أمناء الشرطة "حد ناسي موبايل. ناسي سماعة. ناسي شاحن. لو حد ناسي واكتشفنا زيارته هتتلغي".

بعد الخروج من "الأنبوبة"، نصل لمرحلة جديدة من تفتيش الزيارة، وخلاله تفتش كل محتويات الزيارة على منضدة كبيرة، يقف عليها عادة 3 من رجال التفتيش، وأعلاها يجلس أحد الضباط ليتابع التفتيش، وعادة يجلس وهو يضع سماعات الموبايل في أذنه، وعلى تلك المنضدة الكبيرة توضع الأشياء المخالفة، وتلك الأشياء لا قاعدة محددة لها، ففي بعض الزيارات يمنعون دخول المخبوزات، وفي زيارات آخرى تمنع فيها المشروبات والعصائر أو الملابس، وهكذا.

علب بلاستيكية تحفظ الأكل المعد من أجل الزيارة. الصورة: هبة أنيس

أتت مروة عبد الباقي من الإسكندرية لزيارة شقيقها الأصغر البالغ من العمر 21 عامًا، تحملت وحدها الزيارة الأسبوعية بسبب مرض والدتها التي لا تستطيع السفر للزيارة، ووالدها متوفي.

تقول إنه خلال أحد الزيارت أحضرت "محشي ورق عنب وكفتة"، وعلى المنضدة الأخيرة التي يفتش عليها الطعام رفض رجال التفتيش إدخاله بحجة أنه من الممكن أن يكون بداخل الطبخة ممنوعات أو رسائل أو كارت ميموري مثلًا، ذهبت للضابط الذي يجلس دائمًا بجوار منضدة التفتيش لمتابعته وأخبرته أنها لم تحضر طعام آخر لكنه رفض، وسمح لها بدخول المخبوزات فقط، تقول إنها أحضرت في مرات سابقة طعام مشابه ودخل دون رفض.

ننتقل لمرحلة التفتيش على يد سيدة جديدة كبير في السن قليلا عن سابقيها، تفتش محتويات الحقيبة بدقة، ومنها لحجز صغيرة بجوارها بها سيدتين تعيدان ما فعلته السيدة السابقة وتفتشان الحقيبة مجددًا، وباستخدام عصا لكشف المعادن تفتش الملابس التي نرتديها، وتمرر العصا على أجسادنا، لنكون قد مررنا بـ6 مراحل للتفتيش.

العملة الرسمية

في المرحلة الأولى من التفتيش وأمام جهاز الكشف الذي يمر منه الطعام والحقائب، تعلق لوحة بها عبارة تؤكد أن لكل مسجون 40 سيجارة فقط في الزيارة الواحدة، ولكنها لا تطبق فدخول السجائر مسموح به بأي عدد، لأنها العملة الرسمية داخل السجن، كل شيء يباع بالسجائر.

منذ فترة منعت الأطباق "الفويل"، التي كان يستخدمها عدد كبير من الأهالي ووضع الطعام بها لسهولة حملها وتكلفتها البسيطة أيضًا، واقتصر الأمر على العلب البلاستيكية التي تكون كبيرة الحجم وثقيلة مقارنة بالأطباق وتكلفتها أعلى أيضًا.

رحاب علي من المنصورة، تم القبض على زوجها منذ 5 أشهر من محل عمله بأحد محلات الأدوات الكهربائية بتهم مماثلة، وفي إحدى الزيارات أخرج لها زوجها الملابس البيضاء لتغسلها وتعيدها مجددًا، وظلت لمدة 3 زيارات متتالية تحاول إدخال الملابس التي أخذتها من زوجها لتنظيفها، حتى أصبحت الملابس الخاصة بزوجها متسخة وقالت هذا الأمر للضابط أكثر من مرة دون استجابة حتى سمح لها في الزيارة الرابعة أي بعد مرور شهر إدخالها.

أحاديث الموضة ودعوات الخلاص

في مراحل التفتيش المختلفة، يقضي الأهالي الوقت في أحاديث متنوعة تخرج أحيانًا من سياق المكان الموجودين فيه، يتكلمون أحيانًا عن الموضة والجديد في عالم الأزياء، أو الأطفال وطرق التربية السليمة، وتستعرض كل سيدة خبرتها مع أطفالها، وتستمع لخبرات الآخرين، ونصل لأحاديث الطعام، فتخبرهم كل سيدة ما أحضرته من طعام في الزيارة، وكيف قضت الوقت في طهوه أو شرائه جاهزًا، لنصل في النهاية لحديث واحد حول الخلاص من تلك الزيارة، والدعوات بأن تكون تلك المرة هي الأخيرة.

ملابس الحبس الاحتياطي يعطيها المحبوسين لأقاربهم أثناء الزيارة من أجل تنظيفها. الصورة: هبة أنيس

زيارة السجن يسود بها اللون الأبيض، سواء كان ملابس السجناء أو الأكياس البيضاء التي يكتب عليها اسم السجين عليها ورقم العنبر حتى تصل له الزيارة، وبرغم اللون الأبيض إلا أن تفاصيل الزيارة سوداء على رضا حيث الانتظار لساعات في عملية التفتيش من أجل مقابلة لدقائق معدودة يخرج فيها السجين للقاء أهله.

لقاء وفراق

المرحلة الأخيرة هي انتظار خروح المساجين، ففي ساحة كبيرة تتوسطها أعمدة كثيرة، وبها "مصاطب" وبجانبها "كانتين" ننتظر فتح الباب، نجلس ونحجز مكان جانبي للمسجون ليجلس به، وتتكدس تلك الصالة بالزائرين، فيجلس آخرون على الأرض منهم من يفترش ملاية أو غطاء، وآخرون لا يفعلون، تمتلئ الصالة بالصخب، فبداخلها نكمل الأحاديث التي بدأت بالخارج، حتى قدوم أمين الشرطة ومعه المفاتيح فيبدأ الهدوء ونغلق الأحاديث الجانبية وهو متجها نحو الباب ليفتحه، فنتحرك معه لنقف أمام الباب الصغير ننتظر خروج السجناء، ومع خروجهم يتحول الصخب لهدوء، وتجلس كل أسرة بدائرة منفصلة عن الدائرة التي بجوارها للأسرة الثانية، يمر بين طرقات الصالة الكبيرة عدد من أمناء الشرطة، وأحيانا عدد من رجال المباحث بملابس مدنية.

بعد المراحل الماضية التي دونت في سطور قليلة واستغرقت ساعات كثيرة، يفتح الباب ويخرج السجناء، للقاء أسبوعي منتظر، يتخلله الدموع والفرح وخليط من المشاعر، حتى ينتهي الوقت ويبدأ الوداع مجددًا مع صافرات أمناء الشرطة ورجال المباحث إعلانا عن انتهاء الزيارة، وبعد الوداع يحبس النساء في قفص حديدي صغير تتكدس فيه السيدات حتى يتم خروج المنتقبات والرجال بعد حصولهم على بطاقاتهم الشخصية، ليكون وقت الإفراج عن السيدات من القفص الحديدي وفتح باب السجن للخروج للشارع وانتظار الأسبوع المقبل لبدء الرحلة غير المحببة مجددا.


* الأسماء الواردة في هذا التقرير مستعارة، وهم شخصيات حقيقية قابلتهم خلال زياراتي الأسبوعية لسجن طرة، ونقلت حكاياتهم كما هي دون تغيير.