تصميم: المنصة

دماء على الرداء الأبيض: لماذا تضع وزارة الصحة الأطباء في طوابير الموت؟

في مصر، فإن طوابير الموت لا تلهي المسؤول عن حضور حفل ذكرى حرب أكتوبر أو عن استقبال محافظ الوادي الجديد.

"لكن الكلمة المكتوبة في مصر تثير انبهارك فعلًا. إنها ظاهرة محيرة. الشيء الوحيد الذي لا تأثير له على الإطلاق. حتى البعوضة والخنفساء يمكن أن تحدثا بعض التأثير كما قلنا، لكنك في مصر تتكلم وتتكلم، تشكو، تعرض قضايا، تتساءل، توجه أسئلة للمسؤولين، تنتظر ردًا لأن هناك قضية بالغة الخطر. لا يوجد فارق. أنت تسلي نفسك لا أكثر. مصر تعلمك كيف أن الكلمة لا أهمية لها على الإطلاق. كل كلام العالم لا يساوي عصا أمن مركزي أو رصاصة مطاطية واحدة".

لست أدري إذا كان صدى تلك الفقرة للعراب الدكتور أحمد خالد توفيق هي السبب أم أنها أنّات الزهور الشاحبة في الأسرّة والأجساد التي استقرت في القبور، هي التي جمّدت أفكاري ويبّست أوتاري حينها عن الكتابة. أنت تسمع مظالم وتصطدم بمطالب وترى حقوقًا مغتصبة، تعجز أمامها جميعًا فتجاهد لتكتب عنها كلمات تقيك إحساس الذنب والتخاذل، أو على أمل أن تخفف من وطأة الانتظار في طابور الموت.

"مصاب آليم". هكذا يسمّون القتل في وطني إذا حدث بسلاح القهر.

في الساعة 6:40 من صباح الأربعاء 15 يناير/ كانون الثاني الماضي على طريق الكريمات الرابط بين الصعيد والقاهرة وبالقرب من مدخل حلوان، قتلت ثلاث طبيبات شابات وسائق ومساعده، وأصيبت 11 طبيبة أخرى، جميعهن في منتصف العقد الثاني من العمر وبداية مشوارهنّ المهني.

"باين كده إني عروسة ولا أبين شوية كمان؟ شكرًا يا مصر على البهدلة". هكذا كتبت إحدى المصابات في تمام الساعة 6:24 صباحًا على فيسبوك مع إحداثيات جوجل التي توضّح المدة المتبقية لتصل إلى القاهرة، والتي قدّرها التطبيق الشهير بـ 27 دقيقة.

لم تقصد الطبيبة جهاد محمد يوسف بشكر مصر على "البهدلة"، العتاب على سفرها بعد خطبتها بخمسة عشر يومًا، أو التذمر من سوء الخدمات على الطرق، فهي أمور اعتادها المصريون، لكنها كانت تقصد بالبهدلة الإشارة إلى تلك اليد التي زجّت بها وزميلاتها إلى موقع متقدم في طابور الموت.

پوست الطبيبة جهاد يوسف قبل حادث طبيبات المنيا بدقائق - من صفحتها على فيسبوك

في مصر، عبارات مثل "هام للغاية" أو "جهة سيادية" أو أي وثيقة يتذيلها توقيع أي لواء، كفيلة بتخطّي الروتين المعتاد وتجاوز اللوائح والقوانين، فما بالك بخطاب من مساعد وزير الصحة صدر يوم 12 يناير، يبدأ بـ "بخصوص مبادرة السيد رئيس الجمهورية"وينتهي بـ "مع اعتبار الموضوع هام جدًا وعاجل"، ويتضمن رجاءً لوكيل وزارة الصحة بالمنيا بالتنبيه على الطبيبات بأهمية حضور الدورة التدريبية التي ستجري في العباسية صباح الأربعاء 15 يناير.

يصل الخطاب بعد ظهر اليوم التالي لإصداره لتخطر به الطبيبات بمراكز المنيا المختلفة في الحادية عشر من صباح الثلاثاء قبل موعد التدريب بأقل من 24 ساعة. مستهل الخطاب كافٍ جدًا لمدراء الصحة بالمنيا، لإطلاق الخيال والتجويد في ترهيب وتهديد الطبيبات من تبعات التخلف عن السفر.

"على الجميع الالتزام بموعد تدريب حملة صحة المرأة ومينفعش حد يعتذر.. رجاءً الالتزام لأن اللي مش هيحضر قراره هيكون من المديرية". هكذا جاءت التهديدات من المسؤولين في الوزارة عبر واتساب، والتي نشرتها عدد من الطبيبات اللاتي نجون من الحادث.

أهالي الصعيد أو من اعتادوا السفر يعلمون استحالة توافر أماكن في قطارات السكة الحديد قبل ساعات من السفر بساعات خاصة في هذا الوقت من العام، تضطر الطبيبات لاستئجار ميكروباص على نفقتهن يبدأ رحلته من المنيا في الثالثة والنصف فجر الأربعاء.

تقول الطبيبة فاطمة منصور إحدى الطبيبات اللاتي أصبن في الحادث "الحمد لله إني ما أخدتش بنتي معايا، أنا كنت لبسّتها وفي آخر لحظة تركتها مع والدتي، إحنا فضلنا مرميين على الطريق من ساعة ونص لساعتين لغاية ما الإسعاف جه"، وتضيف للمنصة أن تليفونها المحمول هو الوحيد ضمن محتوياتها الذي نجا من السرقة، لأنه كان مكسورًا.

خلال زيارة لأعضاء مجلس نقابة الأطباء* للمصابات من الحادث يوم الجمعة 17 يناير في مستشفى معهد ناصر، قالت والدة الطبيبة راعوث، إحدى المصابات في الحادث والتي فقدت جنينها وجرى استئصال رحمها، طلبت عدم إخبار ابنتها باستئصال الرحم والاكتفاء بصدمة فقدان الجنين. أما شقيقة الطبيبة آمنة، وهي مصابة أخرى، طلبت عدم إخبار شقيقتها بخضوعها لعملية جراحية جديدة في اليوم التالي بسبب سوء حالتها النفسية.

لم يستطع أعضاء مجلس النقابة زيارة الطبيبة الراحلة نورا كمال التي لم تكن فارقت الحياة بعد، فقد كانت على جهاز التنفس الصناعي بعد تعرضها لتوقف القلب عدة مرات ما تطلب إعادته بالصدمات الكهربائية. توفيت نورا بعد ثلاثة أيام.

حتمية التدريب المركزي مقابل الخسائر..أم مكاسب أخرى

التدريب حاصد الأرواح كان لتوعية السيدات والفتيات بأساليب الفحص الذاتي للثدي كأحد الفحوصات الأولية التي تساعد على الاكتشاف المبكر لأورام الثدي.

شرح بسيط لآلية ذاتية للفحص يدرسها طالب الطب في مادة الجراحة، ويستطيع أي أخصائي جراحة أو أمراض نساء أو طب أسرة في أي محافظة أن يشرح هذا التدريب الذي لا يتطلب إمكانيات لا تتوفر سوى في القاهرة.

مدير سابق لإحدى الإدارات الصحية في جنوب الصعيد فضّل عدم ذكر اسمه، ذكر للمنصة أن الغرض من مركزية التدريب في القاهرة خاصة في البرامج الممولة من منح خارجية، هو استحواذ مجموعة ضيقة من التنفيذيين والمدربين على مكافآت التدريب، وأنه شخصيًا كان يُمنح الفتات منها مقابل إيفاد الأطباء من إدارته.

ربما تُدلّل على صدق روايته شهادات الأطباء المتناثرة بين المحافظات المختلفة. في إحدى مجموعات فيسبوك المغلقة الخاصة بالأطباء، والتي اطلعت المنصة على بعض منشوراتها، تتحدث طبيبة عن تعرضها لموقف مشابه في أحد التدريبات على المسح لمرضى فيروس سي، وكيف أصر منظمو التدريب على حضور الأطباء التدريب في القاهرة.

طبيبة أخرى على نفس المجموعة المغلقة تقول "في أسيوط ومن شهور قليلة طلبت الوزارة سفر طبيبتين على وجه السرعة إلى القاهرة لحضور تدريب فحص الثدي وممنوع الاعتذار، ربنا كرم الطبيبتين بتذاكر قطار وسافرتا وذهبتا إلى مكان التدريب وكان هناك أطباء من كل المحافظات، انتظروا حتى ظهر لهم شخص اعتذر لهم عن عدم وجود مدربين وقال لهم يرجعوا بلادهم، ورجعوا فعلاً. الغريب إن الناس اللي مارحوش التدريب اللي محصلش تم تحويلهم للتحقيق!".

الصحة.. في ضد الحكومة

لو أطال الله عمر الكاتب وجيه أبو ذكري وشاهد تعامل وزارة الصحة والبرلمان مع حادث مشابهة للحادث الذي وقع في فيلمه ضد الحكومة ربما كان انحرف بمسار الرواية إلى الكوميديا السوداء واستعان بالمؤلف والسيناريست الراحل رأفت الميهي لإضفاء روح الفانتازيا، فما من عقل أو ضمير يقبلان أن تكون تلك الأحداث واقعية.

بعد مرور أكثر عشر ساعات على الحادث، تحدثت أخيرًا وزارة الصحة، ويمكن تلخيص ما جرى لاحقًا في ثلاثة مشاهد عبثية.

المشهد الأول؛ في الساعة 10:19 مساءً أصدرت وزارة الصحة بيانًا عبر الصفحة الرسمية للمتحدث باسمها، تنعى الطبيبتين سماح نبيل ورانيا محرم، وتقرر ضم أسرهن إلى بعثة الحج الطبية، لم يعتنِ المتحدث الرسمي أو أي من مسؤولي الوزارة بأن يطلب أسماء الضحايا ثلاثيًا ليكتشف أن إحدى الطبيبتين المتوفيتين مسيحية.

المشهد الثاني؛ بعد منتصف الليل بـ 18 دقيقة، تنشر بوابة أخبار اليوم خبرًا تنقله عن "مصادر مطلعة" في وزارة الصحة، توضح فيه أن سبب تأخر الوزيرة عن زيارة الطبيبات المصابات، هو تعرضها لـ "وعكة صحية" مفاجئة احتجزت على إثرها في مستشفى وادي النيل حتى ساعة متأخرة.

المشهد الثالث؛ بعد منتصف الليل بـ 51 دقيقة، أيضًا بوابة أخبار اليوم تنفرد بنشر خبر زيارة الوزيرة بالصور للمصابات في معهد ناصر، وتذكر أن الوزيرة عقب الزيارة عادت مرة أخرى إلى مستشفى وادي النيل لاستكمال العلاج من"الوعكة الصحية" التي ألمت بها اليوم وذلك بناء على تعليمات الفريق المعالج للوزيرة.

ولكن؛ وفي مشهد رابع بين كواليس المشاهد السابقة، نشرت الصفحة الرسمية لمحافظة الوادي الجديد نحو السادسة من مساء اليوم نفسه، صورة من استقبال وزيرة الصحة لمحافظ الوادي الجديد اللواء محمد الزملوط، وهي ترتدي زيًا مختلفًا عما كانت ترتديه في زيارتها لمعهد ناصر في الصور التي نشرتها أخبار اليوم.

استقبال وزيرة الصحة لمحافظ الوادي الجديد

تفسيران لطريقة تعامل وزارة الصحة كلاهما مهين للوزارة وللمواطن على حد سواء.

الأول أن الوزارة تعاملت مع الحادث كالمعتاد يوميًا من الفواجع ولم تشر إليه من قريب أو بعيد رغم علم وتدخل مساعدي الوزيرة بعد ساعتين من وقوع الحادث، واستكملت الوزيرة يومها المعتاد الذي تخلله استقبال محافظ الوادي الجديد، إلى أن انتبه مسؤولو الوزارة للصخب والغضب الناجم عن الحادث المتابعين لوسائل التواصل الاجتماعي بعد نشر محادثات الطبيبات والمدراء بالمنيا، فخرجوا بذلك السيناريو الرديء الذي خرجوا به.

أما التفسير الآخر، فهو أن تكون الوزيرة مرت بالفعل بوعكة صحية بعد لقائها بمحافظ الوادي الجديد بعد عشر ساعات من الصمت بعد الحادث. وهنا السؤال؛ ألا ترى وزارة الصحة إهانة في علاج المسؤولة الأولى عنها في مستشفى وادي النيل متجاوزة مستشفيات الوزارة وبعضها يقدم خدمات طبية جيدة مثل معهد ناصر ودار الشفاء؟

ألا ترى وزيرة الصحة في خروجها من المستشفى لزيارة إعلامية ثم عودتها مرة أخرى للمستشفى يقدم رسالة سلبية للمواطن المصري في التعامل مع السياسات الصحية واحترام المرض والعلاج؟ أو أن استخدام التعبير الشعبي الدارج "وعكة صحية" لا يصح أن يصدر عن وزارة معنية بالصحة لوصف حالة مرضية وتقييم طبي؟ هذا إن كانت الرواية صادقة من الأساس.

في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي قطع رئيس وزراء سلوفاكيا بيتر بيليجريني زيارته الرسمية إلى قبرص بسبب مقتل 12 شخصًا إثر اصطدام شاحنة بحافلة ركاب في بلاده، وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي قطع سيريل رامابوسا رئيس جنوب إفريقيا بقطع زيارته الرسمية إلى مصر عائدًا إلى بلاده للقاء المسؤولين في شركة الكهرباء بعدما شهدت دولته أزمة في الكهرباء لمدة ستة أيام متتالية.

أما في مصر، فإن طوابير الموت لا تلهي المسؤول عن حضور حفل ذكرى حرب أكتوبر أو عن استقبال محافظ الوادي الجديد.

تساؤلات وزيرة

من الأقصر أثناء زيارتها للمنشآت الصحية في 19 يناير، تتساءل وزيرة الصحة "ماذا يعني توفير وسائل نقل آمنة؟ وسائل النقل كلها مراقبة في الدولة وآمنة ولا يصح أن نقول هولاء نوفر لهم وسائل نقل آمنة ولا نوفر لغيرهم وسائل آمنة". أسئلة استنكارية وتعجبية سنحاول أن نجيب عنها على اعتبار أنها حقيقية.

يتضمن التقرير الصادر عن منظمة الصحة العالمية في الأول من ديسمبر 2018 عن الإصابات الناجمة عن حوادث المرور، سردًا لعوامل الخطر وهي الخطأ البشري، والبنى التحتية غير الآمنة، والمركبات غير الآمنة، وعدم كفاية الرعاية اللاحقة على الحوادث، وعدم كفاية إنفاذ قوانين المرور.

وحسب إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء والتعبئة التابع للحكومة المصرية فإن عدد حوادث القطارات في 2018 كان 2044 حادثًا نتج عنهم 48 متوفٍ و140 مصابًا، في حين بلغ عدد حوادث السيارات في نفس العام 8480 حادثًا خلفت 3087 حالة وفاة و11803 مصابين، وفي عام 2019 كان هناك 10440 حادث سيارة أسفرت عن 15660 ضحية بين متوفٍ ومصاب.

في مصر يُحظر على فرد القوات المسلحة في دوام العمل أو أثناء ارتدائه الزي العسكري أن يستقل مركبة مدنية سوى القطار والطائرة. أيضاً وزارة العدل تتعاقد مع هيئة السكة الحديد لانتقال القضاة وأعضاء النيابة مجانًا، وكذا وزارة الداخلية. اختيار هذه الجهات لوسائل النقل تلك، يأتي ضمن أسبابه بالتأكيد عامل الأمان، وبالتأكيد أيضًا فإن الوزيرة تتحدث عن من لا ينتمون إلى هذه الجهات، عن المهمشين في طوابير الموت.

وزيرة الصحة نفسها عادت من الأقصر عبر إحدى أكثر وسائل المواصلات أمانًا في مصر؛ إذ استقلت طائرة. على الأغلب لم تتابع المصابات فقد أصبح الحادث مجرد ذكرى تنتظر حادث آخر مشابه لتتجدد.

يقول أحمد شقيق الطبيبة نورا كمال التي توفيت جراء الحادث للمنصة "نورا تُوفيت بمعهد ناصر حوالي الثالثة عصر الجمعة 17 يناير، أصرّوا أني أروح مركز الصف في محافظة الجيزة علشان استخرج تصريح الدفن من النيابة وأرجع تاني معهد ناصر أخذ الجثمان، إحنا رجعنا بلدنا في المنيا فجر السبت، أنا مهندس وأختي طبيبة تتبهدل في حياتها وبعد موتها، دي مكأفاة البلد لها".

أما تقول إيمان شقيقة الطبيبة المصابة آمنة "أختي أُجريت لها أخر عملية الثلاثاء 28 يناير وفي معهد ناصر كانوا عاوزين يخرجونا تاني يوم وقالولنا محتاجين الغرفة، ولولا تدخل البعض كانوا خرجونا".


اقرأ أيضًا: يوميات الأطباء بالمستشفيات الحكومية: حمامات قذرة ومياه مقطوعة وأسلاك عارية

غرفة سكن الطبيبات بمستشفى المطرية التعليمية

الأطباء ونقابتهم: الغضب الهادر

أُشفق عليها أحيانًا وأحيانًا أخرى أوجه لها العتب؛ وأقصد هنا نقابة الأطباء.

مع كل واقعة تنتهك حقوق وآدمية الأطباء هي مُلزمة أن تدخل معركتها ومضطرة أحيانًا أن ترد عن نفسها لطمات الغضب من أطبائها، دون العناية بتوجيه هذا الغضب إلى من يستحقونه، فيصبح كالهادر؛ اللَّبن الرائب خَثُر أعلاه وأسفله رقيق.

عدة قرارات أصدرها مجلس نقابة الأطباء عقب الحادث؛ التقدم ببلاغين للنائب العام والنيابة الإدارية، إحالة الأطباء المسؤولين للجنة التحقيق بالنقابة، رفع دعوى مدنية ضد وزارة الصحة لتعويض المصابات وأهالي الشهيدات، المطالبة بإقامة جميع الدورات التدريبية بالمحافظات، والمطالبة باعتبار حالات الوفاة والإصابات ضمن إصابات العمل.

قرارات جميلة ولكن هل بالفعل ستنفذ أو تؤدي إلى شيء؟ يعلم القانونيون ومعهم من خاضوا تجارب تقديم البلاغات أن تلك الوقائع لا يُعاقب عليها القانون في بلادي ومآلها إلى الحفظ. كنت أتمنى أن تنتج نقابة الأطباء فيديو قصير عملي عما يقوله التدريب الذي راح ضحيته الطبيبات حتى توضح للمجتمع مدى اضمحلال رؤية مسؤولي وزارة الصحة.

انتظرت أن تُعطي النقابة مثلًا للامركزية بالتنسيق مع الجامعات والهيئات التعليمية لإعداد وتدريس مناهج تدريبية وتعليمية بالمحافظات،أن تفتح قنوات اتصال حقيقية ومباشرة مع الأطباء مع زيارات دورية على أرض الواقع لتلقي وبحث شكواهم، وأن تبادر بمقابلة مسؤولي هيئة السكة الحديد لدراسة التعاقد معها من أجل نقل الأطباء، وأن تضغط على الوزارة لتفعيله مع مساهمة من النقابة.

ربما الأمر الذي لمست فيه خطوة لعودة الروح إلى النقابة هو التجمع الطبي يوم الثلاثاء 21 يناير لتأبين الطبيبات ضحايا الحادث.

جمعية عمومية طارئة

في يوم التأبين، يجمع شباب الأطباء أكثر من مائتي توقيع لعقد جمعية عمومية غير عادية يوم الجمعة 7 فبراير/ شباط الجاري، لمواجهة التعسف الإداري ضد الأطباء والذي كان أحد كوارثه حادث طبيبات المنيا. جدل واختلاف رؤى حول جدوى الجمعية ونتائجها والآليات التي يملكها الأطباء لتحقيق أي مطلب مشروع لهم، أمل تحيط به إحباطات من كل الجوانب بعد فشل مبادرات سابقة.

إذا كان الأطباء ونقابتهم عجزوا عن امتلاك آليات لتحقيق مطالبهم المشروعة، فهم يهدون لخصومهم الأسباب اللازمة لتجاهل مطالبهم بالأساس. الإحباط و الاختلاف والتنازع على صورة في المشهد هي أمور كافية جدًا لتفريق أي اجتماع أو تجمع في مهده.

القضايا والبلاغات والأحاديث الإعلامية وعبر مواقع التواصل الاجتماعي كلها أشياء لا يعطيها المسؤولون الكثير من الأهمية، طالما استطاعوا تحجيمها إذا تجاوزت ذلك، الأمر المُزعج حقًا بالنسبة لهم، هو أن يخرج أصحاب الحقوق من خانة الفضفضة ويتحررون من طوق العالم الافتراضي إلى أرض الواقع، أن يلتقوا وجهًا لوجه.

تلاقي المآسي هو أول طرق التفكير في حل، عندما تتوحد الجهود وتتكاتف، عندها فقط ستؤخذ مطالب الناس بجدية. انظر كم عدد أفراد الشرطة الذين تابعوا حفل تأبين الطبيبات، لاحظ رتبهم بخلاف من ارتدى الزي المدني منهم، فضلًا عن أولئك الذين كانوا يتلقون التقارير في المكاتب، يمكن حشد هذا العدد من الناس لا من أجل تحسين أوضاع الناس أو تأمينهم وتحقيق مطالبهم، بل لمتابعة العدد والتفاعل والتأكد من أنه لن يخرج عن حدوده المسموح بها.

في مصر، أنت جدير بالاهتمام فقط عندما تحاول أن تخرج من طابور الموت.

نعم أُيقن أن الخطوة الأولى للعودة إلى طريق صواب،أن يجتمع الأطباء داخل نقابتهم، وينسقون ويوحدون جهودهم في مسار مشروع نحو أهداف عادلة. وأن تعي النقابة جيدًا قيمة هذا التجمع، وقبلها أن تسعى لفعل بعض مما تطالب به الحكومة.


* كاتب هذه السطور كان ضمن وفد مجلس النقابة لزيارة المصابات.