تصميم: يوسف أيمن - المنصة

على أكتاف فيروس منفلت: نهاية العالم الذي نعرفه

سيُهمل كل ما ليس له غرض محدد تأثيره مباشر في حياتنا، وستخفت كل الأصوات التي تنشز بأفكار وقيم ماتت وتحللت. وسينفلت العالم من القبضة الصغيرة القاتلة، متحررًا من كثافة الواقع المادي.

هذه المرة عزيزي القارئ لن نذهب إلى الديستوبيا، فها هي تهرول بنفسها نحونا وتجبرنا على الاختباء في المنازل حتى باتت مدننا فارغة موحشة، تأتي لتخبرنا أن مستقبل الإنسانية الأسود الذي تنبأ به الكثيرون لم يعد بعيدًا بل أصبح على المشارف، وأن نظمنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية باتت مهددة، ليس من الشعوب هذه المرة، ولكن من سيناريوهات غير متوقعة تطيح بكل علومنا في الهواء لتخلق عالمًا جديدًا يدفعه الخوف من الكارثة وانتظار المجهول.

انتشر فيروس كورونا المستجد من بؤرته في مدينة ووهان الصينية ليبسط شبكته المميتة في مختلف دول وقارات العالم. صنفته منظمة الصحة العالمية جائحةً عالميةً، منذ بداية انتشاره نهاية العام الماضي وحتى الآن أصاب نحو مليون شخص في 199 دولة في كل قارات العالم المأهولة، وقتل نحو خمسين ألفًا.

يأتيك العدو من حيث تترفع أنت أن تتداخل معه. يتابع الملايين كل يوم وكل ساعة أخبار الفيروس المنفلت الذي بدأ يأخذ اتجاهات غير متوقعة منذ أن انتشر داخل أروقة الطبقة الحاكمة في إيران، مصيبًا نائب الرئيس ووزراء ومسؤولين كبار، أولئك الذين لا ترهبهم جيوش أمريكا ولا تهمهم صواريخ إسرائيل ولا ترمش أعينهم لثورات الأمة الفارسية، هددتهم فيروسات صغيرة، لا تُرى ولا تُسمع.

أدرك الناس أن الذي وصل إلى البروج المشيدة، لن يضعفه طول الشوارع ولا عمق المباني. لم يسلم منه نجوم هوليود ولاعبو الكرة، توم هانكس وزوجته يصابان بكورونا، لاعب يوفنتوس باولو ديبالا يلحق بزميله دانيال روجاني في القائمة، بينما نجم الفريق الأول كريستيانو رونالدو يشتري جزيرة في المحيط الهادي ينعزل فيها مع زوجته وأولاده حتى مرور الطوفان متناهي الصغر.

لم يكتفِ الفيروس بإزعاج المسؤولين الإيرانيين فقط ولكنه امتد إلى خصومهم، رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ووزير صحته مات هانكوك لم يسلما منه، قبل أن يحل ضيفًا ثقيلًا على قصر باكينجهام مصيبًا ولي عهد المملكة المتحدة الأمير تشارلز. أنباء عن مسؤولين كثر يصعب حصرهم في فرنسا وأستراليا وإندونيسيا وبوركينا فاسو.

لن تستطيع شعوب العالم الهروب في سفينة رونالدو إلى أهدأ مكان في العالم، لكن الحكومات التي بات أفرادها مهددين، لم تقف مكتوفة الأيدي أمام خطر يتجاوز خطر الأعداء ويقتل أكثر مما تفعل المذابح. اتخذت إجراءات صارمة لتطهير الشوارع ومنع التجمعات وإلغاء الدراسة وإيقاف السياحة وتعليق الرحلات بين البلاد لأجل غير مسمى. بعضها لجأ إلى فرض حالة الطوارئ وحظر التجول. المدن تفرغ من ناسها كأن وجهات العالم السياحية أصبحت سوريا مستنسخة. الحصار يشتد والشعوب تنعزل. الخوف سيد المشهد والناس تنتظر في البيوت، ولكن ماذا تنتظر؟


انطلقت الكارثة، ولا مؤشرات بعد تفيد انحسارها أو تنبئ بالقبض عليها وإنهائها. ما زال الفيروس في الهواء الناس في البيوت. هذا الوضع الجديد، ربما لم يختبره الإنسان إلا في ظروف استثنائية، كأن يقرر النظام السوري قنص كل من يتحرك في منطقة ما ليتكرر سؤال المخابرات السورية مرة أخرى كمهزلة “لشو هالتجمعات؟”. المصريون أيضًا اختبروه في جمعة الغضب، حين فرض حظر التجول وفُتحت السجون ونُهبت المولات وانتشر البلطجية في الشوارع نكاية في الثورة، أو حين فرض مرة أخرى بعد 3 يوليو 2013 قبيل شهر رمضان، وقت أحكمت الدبابة سطوتها على كل شوارع المحروسة لحاجة في نفس يعقوب، فهل قضاها؟


إنما أكتب هذا المقال، لأشترك معكم في حديث مفتوح حول حياتنا في البيوت. بيوتنا، التي نتركها معظم ساعات اليوم إلى المدارس والأشغال، هي رفيقتنا في هذه الأيام الصعبة. وبعد تطوير العلاقات وتكوين شبكات المعارف في الخارج، جاءت الفرصة مرة أخرى لنستعيد علاقاتنا بالعائلة، بتفاصيل الطعام والشاي وألعاب نظافة المنزل، بالاصطفاف أمام المسلسلات اليومية التي تقول نفس الأشياء، وأمام الوجوه الإعلامية التي تحذر من نفس الأعداء.

أكتب هذا المقال لأنني لا أعلم، مثلكم تمامًا، كم ستستمر أزمتنا، ولكنني لا أحب انتظار المجهول، فالإنسان عدو ما يجهل، وأنا، في هذا النهار الكسول والليل الملول، لا أقوى على العداوة. دعونا نصادق الجميع ونتصالح مع أنفسنا ونفتح أبواب عقولنا لنتبادل الأسئلة والإجابات. في نقاش دافئ يليق بمناخنا المضطرب، فاحمل شايك واتبعني.

أعلنت مصر تعليق الدراسة وأوصت الناس بمنع التجمعات والبقاء في البيوت، بعد ذلك منحت نصف الموظفين تقريبًا إجازة، ثم أغلقت دور العبادة، قبل أن تغلق المطاعم والمقاهي وتمنع الأفراح وتقلص أسباب بقاء الناس في الشوارع، لتفرض في النهاية حظرًا للتجول.

هذه القرارات تعد استثنائية وإيجابية تعكس اهتمام الحكومة بعدم الانزلاق إلى كارثة لن يمكن التعامل معها في مجتمع كبير كمجتمعنا بكل تفاصيله الحضارية والعمرانية والتنظيمية والبيئية والاقتصادية. ورغم تعامل الإعلام الرسمي وشبه الرسمي مع الأزمة بحملات التوعية وبتوجيه النداءات المستمرة للمسؤولين من أجل خلق حلول جديدة تحد من استمرار الناس في الشوارع، إلا أننا ما زلنا عالقين أمام أسئلة لن تحفز إلا حلولًا جذرية تليق بحجم المشكلة، وتعيد النظر في مشاكل أخرى استأنسها الجميع.

الاحترازات التي ينجو بها بعض المواطنين تترك البعض الآخر عاريًا أمام الخطر. طرح رئيس الوزراء في إحدى مداخلاته رغبة الحكومة في استغلال هذا الموقف لبدء التفكير في حوسبة كلية للحكومة بدلًا من اعتماد جزء كبير من عجلة إنتاجها على العمل الورقي الذي يتطلب موظفين قد يوقف غيابهم يومًا واحدًا ماكينة الدولة عن العمل.

هذا الاتجاه سيوفر على الدولة جزءًا كبيرًا من العمالة والأموال وعلى المواطنين وقتًا وجهدًا كبيرين، بالإضافة لتحييد العامل البشري ووأد سوق الرشوة والفساد. لو واكبنا العصر قبل ذلك بقليل، لتمكنّا الآن بسهولة من نقل أنظمة العمل وإيصالها للموظفين داخل بيوتهم ولو مؤقتًا حتى انتهاء الأزمة.

ماذا عن موظفي القطاع الخاص الذين استطاع بعضهم العمل من المنزل بمبادرات من بعض الشركات العالمية والمحلية، بينما لم يستطع الباقون؟ ستفرض علينا الضرورة التفكير كذلك في الشركات التي علقت نشاطها أو أغلقت، وفي الموظفين والعاملين الذين تأثرت مواردهم الاقتصادية الحرجة بهذه التحولات. بلغت أعداد العاطلين في الولايات المتحدة الأمريكية 3.3 مليون عاطل في أسبوع واحد، فماذا يمكن أن يحدث في اقتصادات نامية؟

رجل ينتظر المترو في القاهرة - الصورة مفتوحة المصدر لـ رنا أسامة من فليكر

بالحديث عن المدن الخالية، ماذا لو استمرت الأزمة بلا حصار؟ هل سنستمر في بيوتنا لأسابيع أخرى؟ هل ستتخذ الحكومات إجراءات أقسى؟ إذا أمكن حل أزمة كل الطلاب والمتعلمين على أقل تقدير، باستمرار دراساتهم/ أعمالهم من المنازل، فماذا عن أزمة باقي العمال والصنايعية والعاملين باليومية والباعة وجامعي القمامة وغيرهم؟ هل هناك طريقة لتصور شكل مستقبلنا بلا تجمعات؟

ستتأثر كل اقتصاديات العالم بهذا الفيروس متناهي الصغر، ما هو مآل الإنتاج إذا توقفت الرحلات وألغيت المطارات واستمسك كل فرد بوطنه وبيته؟ تعرف العولمة على أنها الانتقال الحر للسلع والخدمات والأموال والأفراد بين كل مناطق العالم، فهل سنشهد عالم ما بعد العولمة، مثلما شهدنا عالم ما بعد الحداثة؟

عفوًا عزيزي القارئ، هذه ليست نهاية العالم، لكنها نهاية العالم الذي نعرفه. الحاجة أم الاختراع، والحاجة لهزيمة الأعداء دفعت عجلة التقدم العلمي أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية وبعدها أثناء الحرب الباردة، حيث شهد العالم أول تأسيس لفكرة الحاسب الآلي عندما برزت الحاجة لفك شفرات المحور النازي وقطع الطريق على طموحات إخضاع العالم في الحرب العالمية الثانية.

فهل أتت حربنا؟ وهل نحن مستعدون؟

صورة من داخل مبنى الكابيتول في أوستن بولاية تكساس الأمريكية - الصورة مفتوحة المصدر لـ Thomas Hawk - فليكر

إذا مددنا هذا الخط على استقامته، يمكننا تخيل أشكال الإنتاج وهي تتغير لتناسب الظروف الجديدة. منع التجمعات سيغلق شركات تنظيم الحفلات. توقف الأنشطة الرياضية سيجعل عددًا كبيرًا من المعلقين والمحللين وعمال النوادي بلا عمل. غياب الناس عن الشوارع سيضع أنشطة كثيرة محل مساءلة.

لم تعد هناك حاجة لفروع البنوك ذات العدد الهائل من الموظفين. البنوك نفسها تدير أنشطتها من بيوت موظفيها بعد تقليص عددهم، وحذوها حذت شركات المحمول والإنترنت. فروع كثيرة لشركات ومؤسسات مختلفة أغلقت. المطاعم التي لا يرتادها أحد تكابد الخسائر، هواجس التلوث أثارت ريبة الناس من كل ما لم يطهّروه مائة مرة، وهذا لا يمكن التثبت منه سوى بالمنزل. انسحبت الاستثمارات من البلاد واحدًا تلو آخر.

غياب الناس عن الشوارع قلل الحاجة إلى استخدام السيارات، وخفض الطلب على البنزين، الذي أثر بدوره على ركود سوق النفط العالمي. أصبح إنتاج شركات النفط الخليجية بالكاد يقتصر على تدفئة أوروبا. انخفض سعر النفط قبل أن تجد ممالك الخليج البدائل، مما أثر بالسلب على سعر الريال والقوة الشرائية والدخل المتوسط للفرد، بالإضافة إلى تسريح العمال الأجانب وإغلاق مئات الشركات وارتفاع معدلات البطالة بين المواطنين لأن أسباب وجود وظائفهم انعدم، بهذه البساطة.

طورت الدولة آليات جديدة لجمع القمامة من الشوارع بدلًا من تعريض المئات عمال الهيئة لمخاطر التلوث والمرض، وقد جُربت هذه الآليات في المدن الجديدة وثبت نجاحها. في المصانع تطورت الآلات في السنوات الأخيرة بحيث لم يعد للعامل دور سوى تشغيلها وإطفائها، وحتى ذلك تم تطويره بتركيب مؤقتات متصلة على طول المصانع وعرضها يمكن إدارتها عن بعد بواسطة مدير واحد.

المزارع كذلك كانت مجالًا واسعًا لتطبيق أحدث آليات الزراعة الأوتوماتيكية، بداية من مركبات تقليب التربة إلى توصيلات المياة النابعة من جهاز ضخم لضخ المياة وتوزيعها على مساحة المزرعة في أوقات محددة، انتهاءً بروبوتات البَذْر ومظلات الرش وماكينات الجمع والتخزين. كل هذه الآليات المطبقة في مختلف القطاعات تحتاج إلى كهرباء لتسييرها، وقد تم توليد هذه الكهرباء بطريق الاكتفاء الذاتي لكل وحدة بالاستفادة القصوى من الطاقة الشمسية، حتى الناقلات التي تقوم بتوزيع هذه الثمار من المزارع والمنتجات من المصانع على أسواق المدن كانت ناقلات نظيفة تعمل بالطاقة الشمسية ومسيرة آليًا دون تدخل إنساني.

من سوء حظّيَ أَني نجوت مرارًا من الموت حبًّا
ومن حُسْن حظّي أنيَ ما زلت حيًا لأدخل في التجربةْ
يقول المحبُّ المجرِّبُ في سرِّه:
هو الحبُّ كذبتنا الصادقةْ
فتسمعه العاشقةْ وتقول: هو الحبّ، يأتي ويذهبُ
كالبرق والصاعقة
- محمود درويش

مُنِعَ التجول في الأسواق كذلك، فكان لزامًا على الحكومة، التي سنناقشها بعد قليل، توفير روبوتات تنتشر في الشوارع وتعمل مشاعًا لصالح كل المواطنين، مصممة لجلب احتياجات المواطن من الأسواق وإيصالها لمنزله، عن طريق تطبيق يشمل كل المنتجات المتوفرة في كل أسواق المدينة ويحدد مكان العميل بدقة ويقوم بالدفع في محل السوق بشكل آلي يخصم مباشرةً من حساب العميل من النقاط.

حتى الفنانون وأصحاب الصناعات اليدوية صاروا يتبادلون إنتاجهم على ذات النظام ويُحاسبون فوريًا. انتهى التعامل بالنقود الورقية التي تنقل الجراثيم، واستبدلت الكروت بالتقنيات الذكية التي تنقل تعاملات الناس عبر الأثير بلا حاجة لاستهلاك المزيد من المواد. الأثير كان حلًا سحريًا للخروج من شُح المادة وندرة الموارد.

بعدما تُركت هذه الوظائف للآلات المعقمة ذاتيًا، إلى أين ذهب العمال والسائقون والفلاحون والبائعين وغيرهم؟ وإلى أين انتهت صناعات السيارات ومنتجات الرياضة وتجهيزات الحفلات والمؤتمرات؟ كيف تلاشى الجنود والجيوش؟ إلى أين أفرغت السجون ودور الرعاية؟ هرب الناس من القاتل الصغير فابتعدوا عن الواقعي المادي إلى بُعد الأثير. اجتمع العالم هناك، لكنه أعاد ترتيب نظامه ليناسب هذا الكون الرحب، الشبكة التي تتلقفنا جميعًا وتتمدد، فتلغي الحدود وتكسر القيود.

تصور تجريدي رباعي الأبعاد لكوكب الأرض بإضافة مفهوم الزمكان الذي طوره ألبرت أينشتاين - من ويكيميديا

بعد إلغاء التجنيد في كل دول العالم، انتفت الحاجة لبقاء الجيوش والرؤوس المدمرة. تفككت كل الأسلحة وعولجت كل الرواسب النووية بشكل آلي يمنع انفجار كوارث جديدة غير متوقعة. لكن الأهم من ذلك كله، هو إذابة الحدود بين الدول، التي بدت كتراب تذروه الرياح. بعد ضمان تداول السلع بشكل انسيابي داخل كل مدينة وحتى بين المدن، وتوفير حاجات الناس الأساسية من الغذاء والدواء والكساء والسكن، انفتحت عبر الأثير نقاشات جديدة تريد مساءلة مستقبل التعليم والعمل.

التعليم الذي كان يفرضه تنسيق يتحدد بالأعداد المحدودة من المقاعد الدراسية في كل كلية، لن يحتاج هذه القيود مجددًا. لكل فرد الحق في اختيار تعليمه على أساس ما يحب، على أن تتوفر كل المواد التعليمية بشكل عالمي مفتوح، يعرف احتكار المعرفة. سيتبادل الطلاب والأساتذة الدراسات من جميع أنحاء العالم، وسيوضع نظام للدرجات بحيث يصبح جزءًا من نظام النقاط العالمي، فتصبح كل مجهوداتنا وأوقاتنا موضع مكافأة، ونبيت أكثر حرية وقدرة على ملاحقة شغفنا الحقيقي وقوانا المُهمَلة.

سينتج هذا التعليم الحر فرصًا متاحة لكل شخص تمكنّه من إعادة اكتشاف ذاته في المجتمع. ومن هذه الاكتشافات، سيعاد تشكيل العلاقات الإنسانية في المجتمع الأثيري. سيصبح مطورو الأكواد هم عمال المستقبل. سيقيم عزيز مرقة حفله داخل جهازك الصغير، وسيطمئنك ويجز مرددًا لازمته التي لن تخرج من رأسك "دورك جاي"، وسيستمر في الغناء وفرقته في الرقص يضعون الكمامات المطورة وهو يخبرنا بالمزيد عمن جاء دوره في الكليب الجديد.


سيُنتج الموسيقيون حفلاتهم مع كل فرقهم إلكترونيًا على برامج أكثر تطورًا، وسيبيع الرسامون لوحاتهم في معارض أكثر انتشارًا. ستنتهي حقبة خدمة العملاء المظلمة إلى الأبد، وستلاحظ الروبوتات أعطال شبكتك وأجهزتك فوريًا، وستتجه لإصلاحها بالاستشعار عن بعد. ستنحسر موجات الشيوخ المستمرين في ترديد كلام لم يعد يناسب شيئًا في الواقع المعاش، وسيفتح كل الموظفين والعمال المسرحين في جميع القطاعات أبوابهم لدخول العالم الجديد. عالم النقاط التي تقي أصحابها من السقوط من شبكة الحياة.


لن تسمع جملة "مين في وسط ناو؟" بعد ذلك إلى الأبد لأن كل لقاءاتنا ستتم عبر أثير العالم الافتراضي. سنتبادل النكات مع الشاشات وسنستأذن لحضور مواعيد أخرى تأخرنا عليها - مع ذلك - على تطبيقات أخرى. ستُلعب الرياضات في ساحات منزلة مفتوحة، مع روبوتات مخصصة لذلك أيضًا، وسيتجه حماسنا لبطولات كرة القدم نحو أنشطة أخرى، نشترك في صنعها مع مطوري الألعاب والقصص التفاعلية والعوالم المتخيلة.

سينتهي زمن الخطابة السياسية، بل ستنتهي الانتخابات المباشرة وسينتهي التمثيل الديمقراطي من أساسه. ستتُخذ القرارات بصورة جماعية عبر أجهزة كوانتمية مجبولة على استجماع آراء الناس وتحويلها إلى قرارات وسياسات فاعلة. لن يعود الناس بحاجة إلى قرارات فوقية أصلًا بعد تنوع إمكانات الوصول إلى فرص متجددة للاشتباك مع الجميع، ولخلق لحظات الحياة بمجرد التفكير فيها.

ستنتهي السرقة لاستحالتها بعد انهيار نظام الأموال وارتباط كل المواد بأكواد تمنع إخفائها، ولن تعود هناك حاجة للإجرام بعد أن يتعامل المجرمون مع روبوتات متخصصة في التحليل النفسي، كجزء من منظومة روبوتات أكبر تجري فحوصات يومية للمواطنين وتمدهم بالمعالجات الصحية اللازمة. حتى صناعة الطعام ستتولاها ماكينات جاهزة. سيذهب الزبد جفاءً من حولنا، وأما ما ينفع الناس فيمكث بين أيدينا.

سيفرض العالم الجديد أشكالًا جديدةً من العلم لم يعرفها العالم القديم. ستُلغى تخصصات التنمية البشرية وإدارة الشركات والتنشئة الدينية والتسويق الشبكي وصناعة السيارات والمواد العسكرية والدراسات السياحية والإعلام والإعلان وصناعة الموضة والأزياء وتخصصات مشابهة لم يعد لها مكان، لحساب تخصصات جديدة مستحدثة للزراعة الفائقة والصناعة الأوتوماتيكية والمظلات الكودية لسوق الإنتاج الإنساني والطب الذكي وبرمجيات صناعة الطعام وغيرها. سيُهمل كل ما ليس له غرض محدد تأثيره مباشر في حياتنا، وستخفت كل الأصوات التي تنشز بأفكار وقيم ماتت وتحللت، وسينفلت العالم من القبضة الصغيرة القاتلة، متحررًا من كثافة الواقع المادي، لينبثق وجوده إلى تكوين جديد يطفو في فضاء اللغات والأفكار.

سيستقر شكل المستقبل وسيحسن التطور من جودة حياتنا، لكن الذي لم يجد له العلم حلًا كان الحب. كيف سيصبح الحب في زمن الكورونا؟ بعد أن تحيطنا البيوت وتتوحشنا الشوارع ونهرب إلى طبقات "الزيروهات والوحايد"؟ كيف سنصل إلى هذه المصادفة النادرة التي كانت تؤدي إليها آلاف الاجتماعات المتسلسلة مع الغرباء والأصدقاء للقاء من نحب؟ كيف سيلهينا التكاثر وقد ألهانا الأمل في النجاة؟ وكيف سننتج الأجيال بعد أن صنعنا لهم مستقبلًا لم نكن نحلم بنصف امتيازاته؟ هل كان كل ذلك كذبة؟

أصبحت الشرفات بوابتنا الباقية للتفاعل البشري مع الآخرين، فصارت المسافة بين المباني مجالاً تنمو فيه رغبتنا الأخيرة في احتضان بعضنا البعض، وألفت الموسيقى لغتنا الجديدة، بعد أن عجزت كل الكلمات عن حمل أثقالنا.


هل نهدم ما بنيناه لنستعيد تسارع نبضات قلوبنا وقت رؤية المحبوب، وليسقط العالم فوق رؤوسنا؟ ربما ستتحقق نبوءة الإنتاج السينمائي والدرامي، فيتعانق البطلان على حافة النهاية، مكتفٍ واحدهما بالآخر، كعالم وحيد ممكن.