تصميم- يوسف أيمن- المنصة

لماذا يفكر الملياردير في الانتحار وقت الحظر؟

مع بداية هذا الشهر؛ تصاعدت نبرة محتدة من رجال الأعمال المصريين عن ضرورة وقف الحظر على وجه السرعة لأسباب اقتصادية. ضربة البداية جاءت من المهندس نجيب ساويرس خلال مداخلة هاتفية مع برنامج القاهرة الآن بقناة العربية إذ طلب ساويرس إنهاء الحظر وعودة الحياة الطبيعية. الفكرة بسيطة وتستند إلى أداة من الأدوات المحاسبية الشهيرة تسمى جدول التكاليف والارباح.

أسهب رجل الأعمال بإقناع المشاهدين عن مدى أهمية العودة إلى العمل وعدم البقاء في البيت حيث وصل لاستنتاج مدهش في كل من الحالتين: الموت الحتمي، عبر إجراء مقارنة فجة بين وقوع الوفيات الناتج عن فيروس كورونا المستجد أو الوفيات الناتجة عن انخفاض الناتج المحلي، مستخلصًا أن النتيجة واحدة في الحالتين، وبالتالي يصل بالمقارنة إلى ترجيح استئناف النشاط الاقتصادي. وروّج رجل الأعمال فيما بعد للاستراتيجية الشهيرة بمناعة القطيع عبر تغريدة امتدح فيها خيار دولة السويد، لكن الصفحة الرسمية للسويد بالعربية والتابعة لوزارة الخارجية السويدية، نفت ذلك.

رد الخارجية السويدية على ساويرس عبر تويتر. الصورة: المنصة

كانت مداخلة ساويرس بمثابة إشارة لباقي رجال الأعمال الذين انطلقوا مرددين نفس النغمة وكأنها صادرة عن "رئيس مجلس إدارة رجال الأعمال" في عزف جماعي منظم. هذه الرغبة في الاستعادة السريعة لدوران عجلة الإنتاج أظهرت قسوة المنطق الاقتصادي الرأسمالي معدوم الإنسانية. فعبر استخدام هذه العملية المحاسبية المخيفة يتم الدفاع عن اقتصاد السوق، ذلك الاختراع البشري، ولو كان على حساب حياة البشر أنفسهم.

ومع ذلك؛ لا يمكن انكار أن الأزمات الاقتصادية باهظة التكلفة علي حياة البشرية، لكن ما يخفيه هذا الخطاب هو أن الازمات ليست ظواهر طبيعية بل من صنع البشر، فهي نتاج تنظيمهم الاجتماعي ونشاطهم وخياراتهم. كما تخفي هذه الخطابات أيضًا رغبة رجال الأعمال إلى العودة السريعة للحياة الطبيعية لإيقاف أية محاولة لمراجعة النموذج القائم والسياسات النيوليبرالية التي أوصلتنا إلى هذه النقطة: وباء يفتك بالبشر في مقابل ميزانيات خدمات صحية ضعيفة، وعجز في الطواقم الطبية لأن هذا القطاع لا يدرّ ربحًا في ماكينة المكسب. رجال الأعمال بشكل عام يريدون إعاقة أية عملية تحول طويلة المدى تسمح بتبني أشكال أخرى من تنظيم الاقتصاد قد تنقذ الأرواح وتمنع الأزمات القاتلة لأن هذه المراجعات تضر بمصالحهم الفئوية الضيقة.

في المداخلة نفسها، صرح ساويرس، أنه "لو تم تمديد الحظر أنا هانتحر". لسنا هنا بصدد تناول المفهوم النفسي لفكرة الانتحار ولكن ما يعنينا هو المفهوم الاجتماعي: ما الذي يجعل مليارديرًا يقضي الحظر في قصر يطل على بقعة سحرية بالبحر الاحمر، في التفكير في الانتحار إذا أقدمت الدولة على مد الحظر؟

مقابلة لساويرس من منتجعه في الجونة. الصورة: الصحفي محمود الواقع- تويتر

تساعدنا تكرار هذه الخطابات عن إنهاء الحظر من رجال أعمال ومدافعين عن اقتصاديات السوق حول العالم في فهم وتحليل أسباب غضب ساويرس وتهديده بالانتحار، فقد كشفت الأزمة عن أحد أسرار الاقتصاد الرأسمالي وهو أن توقف الاقتصاد أو تعطله ممكن، ولكن ما لا يمكن إيقافه هو استمرار إنتاج الغذاء وتقديم الرعاية الصحية والعناية بأنفسنا وذوينا.

فجأة نكتشف هذا الاختراع: تعطل اقتصاد السوق لن يؤدي إلى توقف الأرض عن الدوران، ولن يُنهي وجود البشرية، فقط سيخسر هؤلاء أرباحهم. ربما دفعت هذه الحقيقة، ساويرس وغيره، للتفكير في محدودية دورهم للمجتمع.

بعد أن استمر دعاة السياسات النيوليبرالية واقتصاديات السوق في ترديد أن السوق وحده هو القادر على إنتاج القيمة يجدون أنفسهم، بسبب فيروس كورونا المستجد، قادرين على الحياة وتناول الطعام الجيد في أماكن نظيفة، على الرغم من أن السوق لم يعد يعمل بشكل مستقل أو فعال. وأن بإمكان البشر القيام بذلك فقط بفضل العمل اليومي لعمال وموظفين غير مرئيين مثل جامعي القمامة، وعمال الزراعة والسلاسل الغذائية وسائقي الشاحنات ومقدمي الخدمات الصحية، وعمال التوصيل. كل هؤلاء من خلال المخاطرة بحياتهم بالتعرض للفيروس؛ يوضحون بشكل قاطع الفجوة الفاصلة بين القيمة السوقية والقيمة الاجتماعية لعملهم.

هنا تظهر عبثية القيمة التي ينتجها السوق والتي تعطي للمستثمر أو الاستشاري دخلًا نقديًا ووزنًا اجتماعيًا أعلى بأضعاف المرات من دخل ووزن عمال الزراعة أو جامعي القمامة. وهذا يوضح لنا عمق الأزمة الوجودية التي يمكن أن تصيب ملياردير عاطل جزئيًا عن العمل حين يفكر في الأمر بهذه الطريقة.

ربما اكتشف الملياردير، أي ملياردير، فجأة أنه غير مهم جدًا أو فاعل بشكل أساسي في حيوات البشر، بعد انهيال دعوات تطالبه بالتبرع على موقع تويتر، تلك المنصة التي كان يستخدمها للترويج لنفسه كنموذج يجب الاحتذاء به، ربما وجد نفسه الآن يتحول في نظر الكثير من المعلقين إلى مجرد "شوال أموال ضخم" كل ما يُراد منه هو الأموال لا الأفكار والخبرات. أما صورة المُبادِر وصاحب الخبرة الذي يُعطي نصائح حول كيفية حب الحياة والعمل ودعم السوق فقد صارت هباءً منثورًا بلا قيمة. وهذا شعور مقلق جدًا لأي شخص.

من ناحية أخرى؛ وعلى مستوي الأفكار يشعر ساويرس، أو أي ملياردير مماثل، بقلق يرتبط بهاجس شخصي وطبقي وأيديولوجي: انتشار الأفكار الاشتراكية في مصر. هذا الهاجس قد يكون قد رفع من توتره خاصة بعد متابعته لتدخل الدول، حتى النماذج الرأسمالية منها، في الاقتصاد، وهو التوجه الذي ظل يعارضه بشكل صريح ومباشر خلال السنوات الأخيرة. لا ريب أن الأخبار القادمة من الغرب الرأسمالي ونقد اقتصاديات السوق ودعم تدخل الدولة وانتشار الاشتراكية الوبائية كما يشير أحد عناوين جريدة الأمة الأمريكية، قد زادت من توتر الرجل الذي بادر إبان ثورة يناير 2011 إلى تأسيس حزب من أجل الترويج لاقتصاديات السوق ودعم انسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي ومواجهة انتشار الأفكار الاشتراكية واليسارية بين الشباب كما أكد هو بنفسه في هذه المداخلة مع بلومبيرج.

إذن، لم تعيد الأزمة الناتجة عن الفيروس الاعتبار والتقدير للمهن التي كان يتم تصنيفها بأنها دونية فقط؛ ولكنها أيضًا كشفت عن الوجه غير الإنساني للرأسمالية كما تمت استعادة أفكار كان يتم النظر إليها باعتبارها مستحيلة أو غير قابلة للتطبيق مثل إعانات دعم العاطلين عن العمل وتأميم المستشفيات وتطبيق الدخل الأساسي المعمم مثلما حدث في إسبانيا، وإجبار القطاع الخاص على إنتاج أجهزة تنفس لصالح الدولة مثلما حدث في أمريكا نفسها وبأمر رئاسي من رجل الأعمال والرئيس دونالد ترامب ذاته. كل هذه الأفكار، وغيرها، التي ظل ساويرس وأقرانه يسخرون منها مرارًا ويصفونها بأنها مضرة وتدمر الاقتصاد؛ أصبحت الآن حاضرة على الطاولة وقابلة للنقاش الواسع، وبعضها يُطبَّقُ في أمريكا، معقل الرأسمالية ونموذجه المفضل.

ها هي مثالية اقتصاد السوق وكفاءته التي ظل ساويرس، وأقرانه، يبشرون بها لسنوات ويروجون لها تتهاوى أمام الفيروس الذي حاول في البداية التقليل من أهميته عبر السخرية، قبل تحوله، أي ساويرس وزملائه، إلى التهديد بانهيار الاقتصاد وضرورة التحكم والضغط على القوى العاملة لكي لا يدفع الأغنياء أعباء هذه الأزمة.


.. وهذا ليس غزَلًا في الحظر

ما سبق لا يعني أن نتغزل في الحظر، أدرك تمامًا أنه ليس جيدًا أو عادلًا بشكل كامل، سواء للفئات العاملة تحت الحظر والتي قدمتها تغطيات صحفية ممتازة مواقع مثل مدي مصر، ودرب، والمنصة ومواقع أخرى قدمت نماذج عديدة لمعاناة عاملين أو فاقدين لوظائفهم تحت الحظر.

أدرك أيضًا أن الحظر ليس رفاهية تامة للرجال والنساء الذين يعملون ويعملن من المنزل في وجود الأطفال بجانب الأعباء المنزلية والمالية، فهؤلاء يعانون أيضًا وتهاجمهم مشكلات اجتماعية ونفسية، فالرفاهية النسبية لمَن يستطيعون العمل من المنزل ليست مطلقة وليست مثالية كما أنها ليست واحدة. فمَن يعمل من قصر في الجونة لن يتساوى مع مَن يعمل مِن شقة في آخر شارع فيصل.

رغم النقد للرغبة المحمومة لرجال الأعمال في إنهاء الحظر؛ إلا أنه لا يمكن إنكار الآثار النفسية والاجتماعية السيئة التي يتسبب فيها اختزال المجال الاجتماعي إلى نطاق الأسرة النووية واقتصار نطاق الحركة الجسدية داخل حدود المنزل أو رحلة إلى السوق أو السوبر ماركت أو محل البقالة، ما يعني زيادة المشكلات الاجتماعية والعنف ضد النساء، لكن هذه العواقب تزداد خطورة كلما كان موقع الشخص الطبقي والاجتماعي في أسفل السلم، وكلما زادت فترة الحظر.

إذا عدنا مرة أخرى لمداخلة ساويرس مع لميس الحديدي، سنلاحظ أنه جمع بين موت الفقراء نتيجة الأزمة الاقتصادية وتهديده بالانتحار إن تم مد الحظر، وكأنه يريد تحذيرنا من ظاهرتين متلازمتين مرتبطتين بتمديد الحظر: الأولي هي انتشار الانتحار بين الأثرياء والميسورين وموتهم من الضجر، أما الثانية فهي موت الفقراء من الجوع ومن آثار الأزمة الاقتصادية التي يسببها الحظر. ساويرس، وأقرانه هنا، يريد أن يقول لنا أن إنهاء الحظر مفيد للجميع لذلك يجب فكه حتى يواصل الفقراء العمل والكدح بينما يواصل الأغنياء التمتع بالعيش والزيارات والسفر والتواصل الاجتماعي والعمل.

نتفق إذن مع الملياردير، وباقي زملائه، في الأخذ بالاعتبار للآثار النفسية والاجتماعية السيئة للحظر لكننا نختلف معه في تصوره أن الأغنياء كائنات اجتماعية بينما الفقراء كائنات اقتصادية فقط، وذلك لأن توزيع تلك الآثار النفسية والاجتماعية وعواقبها تزداد خطورة كلما كان موقع الشخص الطبقي والاجتماعي متدنيًا.

يدفعنا تجاوز هذا السجال إلى التفكير في الدروس الأساسية التي يمكن أن نتعلمها من الحظر والفيروس حول الاقتصاد والطبيعة البشرية، هذه الدروس التي قد تدفع البعض إلى التفكير في الانتحار ولكنها قد تدفع آخرين إلى مراجعة تقييماتهم للواقع. تُعلمنا هذه الأزمة أن القيمة الاجتماعية تحتاج أن توضع فوق القيمة السوقية وأن النظام الاقتصادي الذي صنعه البشر يجب أن يكون خاضعًا للبشر لا أن يصيروا عبيدًا له. نتعلم أن القطاعات الحيوية ليست هي التي ترفع قيمة الناتج القومي الإجمالي ولكن ربما هي التي ترفع القمامة من الشوارع وترفع عنا المرض والجوع، وأخيرًا تعلمنا الأزمة أن البشر، كل البشر، كائنات اجتماعية ترهقهم العزلة وليس فقط الأغنياء.


استفاد هذا المقال بشكل أساسي من مقال "دروس الاقتصاد التي يعلمنا إياها الحظر", نشر بصحيفة ميديا بارت الإلكترونية الفرنسية للصحفي الاقتصادي روماريك جودان.