تصميم: يوسف أيمن- المنصة

يومياتي مع كورونا| إنهم يتحرشون بنا في مستشفيات العزل أيضًا

- الاسم: نيرة بيومي.*
- التخصص: أخصائي مكافحة العدوى.
- السن: 34 سنة.


بيئات العمل أغلبها غير آمن، وده شيء معروف، بس طبعًا كلما كان المتحرش معاه سلطة كلما كان الأذى أكبر للبنت. من أسبوع كتبت على فيسبوك تفاصيل واقعة تحرش بيّ من طبيب في درجة وظيفية أعلى. هاقول في الشهادة دي تفاصيل أكتر، بس الأهم هو إزاي الواقعة دي وتعليقات الناس، الإيجابية والسلبية، على البوست غيّرت من تفكيري. هابدأ الحكاية من أولها باختصار وبعدين هاروح للتفاصيل.

الحكاية بدأت قبل كورونا والعزل، من أكتر من سنة في ديسمبر 2018. وبعدها دخلت 45 يوم في مستشفى للعزل، وامتد الأذى لبعد العزل، لما دكتور معايا في المستشفى، في منصب أعلى مني، قرر أنه يبعت لي صور فيها إيحاءات جنسية، رغم إن تعاملنا مقتصر فقط على العمل. روحت بالصور دي عملت شكوى في لجنة آداب المهنة في نقابة الأطباء، اللي من سلطتها تشطب اسمه من النقابة أصلًا في حال ثبوت الاتهام.

بعدها زمايل لينا بدأوا يتدخلوا، ويضغطوا عليّ علشان أسحب الشكوى، وأنه هايعتذر ومش هيكررها تاني، و"شوفي أنتِ عاوزة إيه وهنعمله.. إلخ". طبعًا الضغط كان كبير جدًا وزي أي حادث تعدي على بنت وإن كل الناس بتضغط عليها بحجة أنها هتضيّع مستقبله وحرام علشان بيته وابنه، وكأنها هي السبب مش هو اللي بيضيع نفسه بأذى غيره. المهم اتعمل اجتماع مع الناس اللي اتوسطت، واعتذر لي قدامهم، وتعهد إنه مش هاينتقم مني ويستغل سلطته عليّ في الشغل، والحقيقة دي أكتر حاجة كانت مخوفاني، وأنا تخيّلت أن الموضوع انتهى، لكنه ترقى وعمل كل اللي قال مش هيعمله.

التعامل معاه بعد الواقعة دي كان في الضروريات، دخلت العزل كطبيبة وقعدت 45 يوم. وبسبب ظروف الشغل؛ قضى معانا أول 14 يوم. التعامل كان عادي، فيه مضايقات آه بس ماوصلتش لمرحلة الخناق. هو شخص متعوّد يمدّ إيده في الكلام، يعني يمسك إيد اللي بيكلمه علشان يسكّته، أو يطبطب عليه بدون داعي.. أي لمس وخلاص، وده اللي دايمًا بأرفضه، وبأقول إننا في شغل، فليه تشد إيدي، ما تتكلم بلسانك بس وتقولي اسكتي من غير ما تلمسني. بقيت بآخد بالي كويس وإحنا في العزل إني ما أحتكش بيه، زي إننا ما نبقاش واقفين لوحدنا في أي مكان بغض النظر عن الرسالة اللي هايبّلغها لي في الشغل، وزي إني ما بادخلش مكتبه نهائي لوحدي وإني أتعمد أدخل له مع أشخاص تانية لو الطلب ضروري وواقف على استفسار منه. دي كلها شوية احتياطات علشان مايبقاش فيه فرصة للتعامل معاه بشكل منفرد، بس طول الوقت مارحش خوفي إنه هاينتقم مني في شغلي اللي بحبه.

خرجت من العزل بعد 45 يوم، بناء على رغبة أهلي وبسبب خوفهم عليّ، وعملت 14 يوم عزل منزلي، وبعدين رجعت على مأمورية في مستشفى غير مكان عملي الأساسي لمدة شهر، وبعدها رجعت المستشفى الأساسية بتاعتي، اللي انتهى فيها العزل، وهنا كانت بداية الانتقام.

بحكم إني مغتربة من بره القاهرة، فكنت بأضطر أقعد في سكن المستشفى، فضل موقفني بره الباب 4 ساعات، ومعطّل تسكيني. وبقيت أسأل فيه إيه، وكل زمايلي في المستشفى بيسألوا أنا ليه واقفة كل ده تحت وما طلعتش أوضتي. باسأل النائبة بتاعته من باب الهزار بأقول لها "أنا بقيت معاكم فين كده؟" لقيتها بتقول لي إني اتشالت من رئاسة قسم مكافحة العدوى، ورجعت لتخصصي الأساسي وبس. اتصدمت وبقيت أسأل ليه يحصل كده؟ ماكنش عندها رد.

اضطريت أدخل مكتبه وسألته هو ليه شالني من مكاني في القسم؟ فطردني من مكتبه، وطلع للسكرتيرة وقال لها ما تدخليش حد عليّ. فقلت له شكرًا ومشيت. مفيش أي تفسير للي حصل غير إنه انتقام لأسباب شخصية. على حسب تعريف التعسف الإداري فهو "أي إجراء قانوني ضد أحد العاملين لأسباب شخصية ولغير مصلحة العمل"، وده اللي دفعني أقدم فيه شكوى تانية، ولما راح التحقيق رد إن من سلطته يشيل أي رئيس قسم من مكانه.

حاليًا أنا لسه مستنية الإجراء اللي هايتخذ معاه.

أول مرة قدمت فيه شكوى بالتحرش لقيت ناس بتدعمني آه، بس ناس كتير أوي كانت بتضغط عليّ، وخسرت أعز صاحباتي لإنها دعمته، وهاجمتني بإني هاضيع مستقبله وإني معنديش رحمة لإن عنده طفل. كان الضعط شوية بيبقى "حرام عليكِ مستقبله"، وشوية "حافظي على سمعتك"، وشوية تاني بـ "هانجيبه يعتذر لك". دا ضغط كبير بتتعرض له أي بنت في مكاني، وهجوم كبير جدًا علي، وده اللي اضطرني أوافق على حفظ الشكوى أول مرة في مقابل إنه مايستغلش سلطته ضدي، دا كان شرطي الوحيد للتنازل عن الشكوى الأولى.

جنب ضغط زمايلي، هو كمان صِعِب عليّ بيته وابنه. جايز.. مش عارفة؟ لكنه في التحقيق ما أنكرش إنه بعت صور ذات محتوى جنسي. بالعكس ده قال "آه أنا بعت لها صور زي دي، لإنها أدتني فرصة"، وفجأة كان عاوز يحولني لمتهمة وعليّ إني أواجه إن ده مش حقيقي، لأن كل تعاملنا السابق في أضيق نطاق وجوه الشغل بس. ده اللي واجهته.

حكاوي البنات اللي قدرت تحكي عن التحرش والاغتصاب؛ شجعتني جدًا، وده اللي خلاني أكتب بوست على فيسبوك أحكي فيه كل اللي حصل، وزي ما تفاجأت بالدعم الكبير؛ لكن كمان تفاجأت بتعليقات سلبية. أنا برضه بأقول يمكن عندهم فيها حق لإني تنازلت عن الشكوى المرة الأولى، بس المفروض الناس عارفة كمية الضغط والابتزاز اللي البنت بتتعرض له في مواقف التحرش. التعليقات دي كمان خلتني أفكر بطريقة مختلفة، إني ماكانش ينفع أسامح من الأول، وإن تنازلي إدى له قوة لإنه كمّل في منصبه واترقى وبقى يتحكم في مصاير ناس تانية لمجرد إن ليه سلطة عليهم، وده اللي مخليني مقررة المرة دي إني أكمّل للآخر.

دلوقتي هو بيهددني عن طريق رسائل من زميلات وزملاء، أنه يسوّء سمعتي علشان أتراجع عن حقي تاني، فأنا مقدمة إجازة اعتيادية، علشان مش متطمنة أروح الشغل ويحصل أي موقف أو مشكلة تاني تؤثر على موقفي في الشكوى خصوصًا وإني مقيمة داخل المستشفى، لحد ما أشوف نتيجة التحقيق، ولو ما تمش إنصافي هاصعّد خطواتي القانونية لحد ما آخد حقي.


* هذه شهادة لطبيبة تنشرها المنصة في باب مخصص، بعد التأكد من هوية الكاتبة، والتحقق من شهادتها عبر اتباع الطرق المهنية والقانونية اللازمة، والحفاظ على خصوصية المرضى إن أتى ذكرهم، مع عدم التدخل في صياغة الشهادة من جانبنا إلا لضبط اللغة إن كانت بالفصحى.

المنصة من جانبها، وبعد موافقة الدكتورة نيرة، تواصلت مع عضو مجلس نقابة الأطباء، وعضو لجنة آداب المهنة وقت تقديم الشكوى الأولى الدكتور راجح السياجي وكان له هذا التعليق ننقله هنا بالنصّ "الشكوى وصلتني في ديسمبر 2018، وقتها كنت عضو مجلس نقابة في لجنة آداب المهنة، عضويتي انتهت في أكتوبر 2019، فعلًا أنا استلمت شكوى من الدكتورة نيرة تقول فيها أن أحد زملائها أرسل صورًا ذات إيحاءات جنسية. اللي بيحصل في مثل هذه الحالات: لازم يكلموا المستشفى ويستدعوا الطرف التاني المدّعَى عليه، وفي الأول بتكون في محاولة صلح وديه بين الطرفين. أنا كعضو لجنة آداب المهنة ما باحضرش الجلسة دي، لكن عرفت بعد كده إن المستشفى هتقوم بتسوية الأمر من خلال تحقيق داخلي هيتم مع الطرفين".

سألناه: هل تدخلت النقابة لوقف الضغوط على الطبيبة المشتكية؟ فقال "الدكتورة نيّرة ماطلبتش وقتها تدخل النقابة لوقف الضغط عليها، لكن النقابة كانت بتدعم موقفها لحد ما تم حفظ الشكوى. واللي تم في الجلسة الداخلية للمستشفى اتحكى لي وقتها، لأن مش من صلاحياتي أحضر. لكن عرفت إن المدعَى عليه أقر بإرسال هذه الصور، وإن الموضوع انتهى خلاص، بعد اعتذاره وتعهده أمام لجنة التصالح إنه مش هيستغل سلطته ضدها".