تصميم: يوسف أيمن- المنصة

يومياتي مع كورونا| مش مجرد شغل ومرتب

الاسم: أمل محمد حامد.*
المهنة: رئيسة تمريض مستشفى عزل العجمي.
السن: 53 سنة.


مستشفى العجمي دي بيتي التاني، مش مجرد مكان شغلي، عمري كله قضيته هنا، 25 سنة، بشتغل رئيسة تمريض، من الطاقم الأساسي في المستشفى من قبل ما تظهر الكورونا، حافظة كل شبر فيها، عارفة كل حاجه مكانها فين وأنا مغمضة، زي ما أنا حافظة كل ركن ف بيتي، وعارفة تفاصيله صم، وخلاص بتعامل مع المكان على إنه حته مني، فلما دكتورة ميرفت المديرة، قالتلي المستشفى هتتحول عزل كورونا، وتحبي تفضلي معانا، ماترددتش لحظة، ده مكاني مش هسيبه، آه طبعًا كان في خوف من المرض، وقلق من العدوى، خصوصًا وأنا بعول أولادي بعد وفاة باباهم، ومالهمش غيري، بس ده بردوا دوري.

ولادي التلاتة، عارفين أنا بحب شغلي أد ايه، طبعًا لما قولتلهم إن خلاص هدخل العزل قلقوا شوية، خصوصًا ابني الوسطاني، لأنه قلوق جدًا عليا، اتكلمت معاهم، وإن خلاص ده مهمتي ولازم أقوم بها، وإنها فترة وهتعدي، وأنا رئيسة تمريض، شغلي أغلبه إداري، تنظيم العمل، وتنسيق مواعيد الطاقم، متابعة معاهم، ومع الأطباء، فماكنش في اختلاط خالص مع الحالات، نادرًا مايطلبوني في العناية، فكانت احتمالية إصابتي تكاد تنعدم، والحمد لله اقتنعوا وهدوا.

ولادي التلاتة، عارفين أنا بحب شغلي أد ايه، طبعًا لما قولتلهم إن خلاص هدخل العزل قلقوا شوية، خصوصًا ابني الوسطاني.

قعدت في العزل من يوم 7مارس لغاية يوم 8 مايو، تقريبًا 60 يوم من غير ما أخرج، بعيد عن بيتي، وعن أولادي، الأيام بتمر وأنا بعمل شغلي، زي أي يوم عادي بعمل فيه شغلي، بحاول إن القلق ما يأثرش عليا، وخلاص أنا ناوية ماطلعش من هنا، غير لما الغمة تنزاح، والمستشفى يتفك عنها العزل، وترجع للعمل الطبيعي، لكن طبعًا ربنا له تدابير تانية، وفي لحظة اتحولت من فرد عمل لمصابة.

من أول مارس، وإحنا كلنا كفريق طبي، بنجهز المستشفى، وبنستقبل المعدات والأجهزة، ونركبها، والنواقص ونرصها، جالنا 50 جهاز تنفس صناعي، ومونيتور لكل سرير، كل ده بنركبه ونجربه، ونتدرب عليه، وبعدين جالنا فريق من مكافحة العدوى، بدأوا يدربونا على التعامل مع الأجهزة والحالات، ونلبس الواقي إزاي، ونعمل إيه وهكذا، لحد مابقينا جاهزين من يوم 7 مارس.

الحبسة صعبة

أول أسبوع عدى ومافيش أي حالات دخلت لنا، يوم 12 مارس استقبلنا أول حالتين كورونا، اخترت اتنين من الولاد في التمريض، يعني عشان مايبقوش خايفين ويعرفوا يتمالكوا أعصابهم في استقبال الحالات عن البنات لأنهم كانوا خايفين شوية، يعني مثلًا في بنت جاتلنا تمريض من دمياط بتكليف، كانت صغيرة في السن، وكانت مرعوبة من العزل، وعاوزة تخرج، لدرجة إنها حاولت ترمي نفسها من فوق المبنى، بس زميلاتها، ومسؤولة الدور عرفوا يتعاملوا معاها، وهدوها واتصاحبوا معاها، وبالوقت هي هديت وبقيت مبسوطة معانا.

الحبسة صعبة، والبعد عن الولاد أصعب، بس حبك للمكان وللشغل، بيخليكي تتجاوزي، وكمان مكالماتي مع ولادي طول الوقت كانت بتهون عليا، شوية بتطمني على أحوالهم، كنا بنتكلم فيديو كول دايمًا، وأوقات كتير كانوا بيجولي تحت المستشفى، وأطلع أبص عليهم من ورا الباب كده، بطمن بس عليهم إنهم الحمد لله بخير وكويسيين، وهم يطمنّوا إني كويسة.

يوم 18 أبريل عرفت بإصابة عدد من الأطباء اللي اختلطت بيهم، بعد كام يوم حسيت بشوية ألم في بطني

عدى أول أسبوعين، وكنت سليمة، وبعدين مديت أسبوعين كمان، وبعدها عملت تحليل وكنت سليمة بردوا، فمديت المدة التالتة، واللي كان مشجعني أكمل هو حماس المديريين، وزملا معايا في المستشفى، إنهم مكملين دون انقطاع، فده شجعني أفضل في مكاني، يوم 18 أبريل عرفت بإصابة عدد من الأطباء اللي اختلطت بيهم، بعد كام يوم حسيت بشوية ألم في بطني، بس قولت عادي، مجاش في بالي إني اتعديت، لأن مافيش أي أعراض، بدأت أشك، روحت للمديرة، وطلبت يتعملي مسحة، مكنش لسه جالنا قرار وقف المسحات للي ماعندوش أعراص، فأمرت بالمسحة، وعملتها واستنيت النتيجة، لحد هنا ماكنش في بالي أي حاجه خالص، وعارفة إنها سلبية، أنا بس بعملها للاطمئنان.

التحليل إيجابي

نتيجة التحليل طلعت، وجاتلي المديرة غرفتي، وطلبت تتكلم معايا شوية، جه في بالي إنها عاوزاني في شغل، العادي يعني، لقيتها بتقولي إن للأسف نتيجة التحليل إيجابي. اتصدمت شوية، بس ماخدتش رد فعل خالص، كأن ربنا نزل في قلبي سكينة من عنده، كل اللي جه في بالي هم ولادي بس، دي الحاجه الوحيدة اللي فكرت فيها في نفس اللحظة اللي عرفت إني مصابة، هيروحوا فين ويعملوا إيه من غيري ويعيشوا إزاي؟

بهدوء دخلت غرفتي، وبدأت أجهز حاجاتي وخلاص هنزل العزل، فوضت أمري لله، وصورة ولادي مافرقتش خيالي، بفكر هقولهم ولا لأ، طيب لو عرفوا نفسيتهم هتبقا عاملة إزاي، بعد تفكير كتير أوي قررت مش هقولهم، وزي ماهم فاهمين، أنا لسه في مدة العزل، وبشوف شغلي، وأني كويسة وبعيد عن الخطر، بس للأسف ولادي عرفوا من الأخبار اللي نزلت على فيسبوك لقوا اسمي موجود وسط اسامي المصابين من الطاقم الطبي، ويومها كلموني وكانوا زعلانين اني خبيت عليهم حاجة زي كده، فضلوا يطمنوا عليا وخايفيين أكون بتألم من الأعراض من السخونية وضيق التنفس لوحدي، زي ما بيسمعوا في التلفزيون.

بعد أسبوعين عملولي التحليل، عشان نشوف خفيت ولا لسه، بس قلقي على أولادي كان مأثر على نفسيتي، وده أثر على نتيجة التحليل.

أنا ماكنش عندي أي أعراض نهائي، لحد أول أسبوع، ماعنديش سخونية، وحرارتي كويسة، نسبة الأكسجين عندي 98%، يعني حلو جدًا، يادوب شوية صداع بسيط، ألم بسيط في المعدة، وخلاص، من تاني أسبوع بدأت أتعب شوية، أحس بألم في جسمي، وجع في العضم، وهمدان، ومع الأدوية اللي بنمشي عليها في البروتوكول اتحسنت، كنت بتواصل مع ولادي دايمًا وبطمنهم إني كويسة.

بعد أسبوعين عملولي التحليل، عشان نشوف خفيت ولا لسه، بس قلقي على أولادي كان مأثر على نفسيتي، وده أثر على نتيجة التحليل، جالي طبيب زميل، وبدأ يكلمني إن لازم نفسيتي تتحسن عشان أقدر أخف وأخرج منها، بقيت بدعي ربنا ليل نهار، وحسيت إنه ده قدري والحمد لله إن حالتي كويسة وخلاص.

أصعب لحظة

يوم 8 مايو، ظهرت النتيجة التانية للتحليل، كنت نايمة في غرفتي، ولقيت خبط وطبل على الباب، وزغاريط من برا، وغنا، كأن في فرح في الدور، فتحت الباب لزمايلي، اللي نازلين يبلغوني أني خلاص خفيت وهخرج لأولادي، الدنيا ماكنتش سيعاني من الفرحة، وكنت طايرة من السعادة، أخيرًا هرجع البيت، وهقضي اللي فاضل من رمضان وسط ولادي، وفي ثواني جهزت شنطتي واستعديت للخروج، وجاية بكلم ابني يجي ياخدني، لقيت زمايلي بلغوه، وهم التلاتة مستنيني تحت المستشفى.

كانت أصعب وأحلى لحظة لما خرجت وشوفتهم بعد كل المدة دي، وفي نفس الوقت، أنا مش قادرة آخدهم في حضني، لأن بعد ماأخرج الصح أني أتعزل 14 يوم بردوا، خوفت عليهم، فقولتلهم أني مش هسلم عليهم ولا هقربلهم، ويلتزموا باتفاقنا ده، لحد ما أكلم المدة، وأتأكد أني مش هشكل أي خطرعليهم، أنا ماليش غيرهم، ومش هستحمل لاقدر الله حد فيهم بتعدي مني.

أول ماروحت البيت أخدت طبقين وكوباية وشوية أدوات، وقولتلهم إني مش هختلط بهم اليومين دول بس، وإن شوية الحاجات دول أدواتي، لحد مانطمن، كنت باكل جنبهم، بس في أطباقي الخاصة، وبعيد شوية عنهم، كمسافة أمنة، فات أول 10 أيام ولقيت إني الحمد لله كويسة، مافيش أي أعراض، فقولت خلاص بقا هم وحشوني، وأنا مش هقدر أتحمل أكتر من كده، عاوزة أحضنهم.

أول حضن كان من بنتي الصغيرة، في تانية إعدادي، على أد ماكنت زعلانة أني سيباها لوحدها، وهي اللي شايلة مسؤولية البيت كله في السن الصغير ده ومسؤولية إخواتها، بس كنت مبهورة بها، وبأنها أد المسؤولية وماقصرتش في حاجة، اللحظة دي بكل الدنيا ومافيها، كنت فرحانة أوي، ماكنتش مصدقة أني هرجعلهم ونتعامل عادي تاني، من غير خوف وقلق.

عكس ما بنسمع إن الجيران بتطرد الدكاترة من بيوتهم، أنا جيراني كانوا حلوين معايا، أول ماخرجت كتير منهم جه يطمن عليها، ويزورني، والحمد لله محدش بيضايقني ولا بيضايق ولادي خالص، بالعكس كانوا فرحانين إني رجعت، وبقوا يهنوني ويباركولي على الخروج بخير.

أخدت أجازة مدفوعة 14يوم، وبعديت مديت 14 يوم كمان من أجازاتي على حسابي، ونازلة بعدها على طول، بس للأسف هروح مكان تاني غير العجمي، أسبوعين بس، أقوي مناعتي، وبعدين هرجع على العجمي على طول، أصل ده مكاني اللي قضيت فيه عمري، أصل ده مش مجرد شغل ومرتب بس، ده الحاجه اللي بحبها، وبلاقي نفسي فيها، والمكان اللي بنيته وقضيت فيه عمري، المكان اللي بحبه.


* هذه شهادة لمديرة التمريض بمستشفى عزل العجمي، تنشرها المنصة بعد التأكد من هوية الكاتبة والتحقق من شهادتها عبر اتباع الطرق المهنية والقانونية الملائمة، والحفاظ على خصوصية المرضى إن أتى ذكرهم، مع عدم التدخل في صياغة الشهادة من جانبنا إلا لضبط اللغة إن كانت بالفصحى.