أسرة تفر من قرية تابعة لـ"رابعة" عقب وصول المسلحين في يوليو 2020. الصورة: فيسبوك- بإذن خاص للمنصة

"داعش" يتجه غربًا: أحاديث قرى بئر العبد عن التهجير

تدريجيًا يحاول أهالي القري التابعة لمركز بئر العبد بشمال سيناء التخفف من هول المفاجأة التي حلّت عليهم بدخول عناصر ما يسمى تنظيم ولاية سيناء، داعش، إلى قراهم والبقاء فيها، وذلك بعد تنفيذهم هجومًا مسلحًا على ارتكاز ومعسكر أمنيين في قرية رابعة يوم 21 يوليو/ تموز الماضي.

أعقب تنفيذ الهجوم على القرية هروب عناصر التنظيم، لكنهم لم يلجأوا هذه المرة للظهير الصحراوي أو المزارع البعيدة كما كان الحال في السابق؛ وإنما استهدفوا أربع قرى في الظهير الخلفي لقرية رابعة. القرى هي قاطية وأقطية والمريح والجنانين، ويقطنها 10 آلاف نسمة وتتبع إداريًا مدينة بئر العبد، آخر مدن شمال سيناء غربًا. الأهالي تفاجأوا بهذا الوصول والاستيلاء على منازلهم، فهرب معظمهم، ليتبعوا خطى أهالي قرى الشيخ زويد ورفح من النازحين السابقين، فيما بقي عدد قليل منهم لغياب البدائل أو خوفًا على مزارعهم وممتلكاتهم.

يعتبر هذا التمركز المسلح في القرى أمرًا غير مسبوق وهو الأول من نوعه في أقصى غرب محافظة شمال سيناء.

صورة من جوجل إيرث لقرية رابعة ويظهر أسفلها القرى الصغيرة التابعة والمزارع كنقاط خضراء. الصورة: المنصة

وتشن القوات المسلحة المصرية حملات عسكرية متتالية على قرى رفح والشيخ زويد، بهدف محاصرة نشاط المسلحين وبؤرهم في ظهير مدينتي رفح والشيخ زويد الزراعي ومخابئ وسط سيناء، وجاءت العملية العسكرية الشاملة، سيناء 2018، استكمالًا لهذه الحملات.

في هذا التقرير استمعنا إلى شهادات من أهالي القرى الأربع النازحين الآن في شقق مستأجرة أو لدى أقاربهم في مدينة بئر العبد، وكذلك حصلنا على وثائق رسمية تكشف بعضًا من تفاصيل هذا الوضع غير المسبوق، واتصلنا بعضو برلماني عن الدائرة التي تتبعها القرى، وكشف لنا تقديرات بشأن أعداد النازحين.


الوثيقة التالية هي منشور رسمي صادر من محافظ شمال سيناء اللواء محمد عبد الفضيل شوشة مطلع هذا الشهر، بخصوص الموظفين العاملين في الوحدات المحلية في القرى الأربعة واعتبارهم في إجازة استثنائية، وهو ما يوضح تعذر وصول الموظفين إلى أماكن عملهم، ويلقي بعضًا من الضوء على طبيعة الوضع الآن في هذه القرى.

يقول محافظ شمال سيناء في قراره رقم 119 لسنة 2020 "تقرر منح العاملين بالوحدات المحلية القروية في قرى رابعة وقاطية وأقطية والجناين والمريح، إجازة استثنائية من العمل نظرًا للأحداث الأمنية بهذه القرى ولحين زوال السبب، وعلى جميع جهات الاختصاص تنفيذ هذا القرار كل فيما يخصه". وجرى تذييل القرار الصادر يوم 6 أغسطس بتوقيع المحافظ اللواء محمد عبد الفضيل شوشة.

قرار محافظ شمال سيناء بمنح موظفي القرى الأربعة إجازة استثنائية. الصورة: حساب أحد المصادر- فيسبوك

محمد. س. س.، 40 عامًا أحد السكان النازحين من قرية قاطية، ويقيم حاليًا في مدينة بئر العبد في منزل مستأجر. يقول إن عناصر ولاية سيناء الذين انتشروا في قريته تحدثوا عن معركة طويلة وممتدة وأيام صعبة، إلا أنهم مارسوا طقوس حياتهم اليومية في القرية دون اكتراث للعواقب. يضيف "مر قائدهم بسيارة طراز مرسيدس معلنًا أنه سيحتفل بزفافه من إحدى الفتيات في القرية، وهو ما حدث بعدها، إذ شاهدنا الخميس (23 يوليو 2020) الذي أعقب الهجوم على معسكر رابعة، عناصر التنظيم وهم يوزعون الحلوى على المارة وينحرون الذبائح وهي من ممتلكات الأهالي الذين فروا من القرية فورًا يوم الأربعاء 22 يوليو، وأطلق بعض المسلحين أعيرة نارية في الهواء ابتهاجًا بحفل الزفاف.

يضيف محمد الذي فرّ من القرية في اليوم التالي لحفل الزفاف "وقف أحد المسلحين وأخبرنا أن «قائدهم ينتمي لإحدى قبائل بئر العبد»، ما يدل على أن تحضيرات طويلة تمت لتنفيذ هذا المخطط عبر استقطاب عناصر جديدة من تلك المناطق لتعزيز سطوتهم ولدرايتهم بجغرافيا مركز بئر العبد وتشكيلات العائلات المختلفة ".

هذه الرواية سألت عنها المنصة أكثر من شاهد من الفارين من قاطية إلى مدينة بئر العبد؛ وأكدوها جميعًا.

خطف مواطنين وضحايا من الطلاب

يد الخطف طالت مواطنين من قرية الجنانين، واحدة من القرى الأربعة التي ينتشر فيها المسلحون الآن. إذ اختطفوا يوم 8 أغسطس/آب مواطنًا يدعى أشرف حسونة، بزعم تعاونه مع قوات إنفاذ القانون، ولم يُعرف مصيره حتى الآن. عدد من أهالي قرية الجناين الذين فروا من منازلهم بعد سيطرة المسلحين أخبر المنصة أن التنظيم قتل 4 مدنيين من سكان القرية، في منطقة بالقرب من قرية قاطية، بزعم تعاونهم مع قوات الجيش والشرطة.

توجهت المنصة بالسؤال إلى مصادر طبية وشرطيّة في بئر العبد إلا أنهم نفوا تلقيهم أية بلاغات بوجود جثامين مجهولة في المنطقة التي حددها الأهالي، ليبقى مواطن واحد في حكم المختَطف حتى نشر التقرير.

يقول أحد النازحين س. م. هـ"كانوا يجلسون على الطرقات في مجموعات لا تزيد عن فردين يحملون أجهزة لاسلكي يتحدثون فيها بكلمات مبهمة تحمل أرقامًا يبدو أنها أكواد للعناصر، وأحيانًا تمر عليهم دراجات نارية أو سيارات دفع رباعي يستقلها ملثمون معهم أسلحة تتنوع بين بنادق الكلاشينكوف وقذائف الـ آر بي جيه، ولا يتبادل هؤلاء مع الأهالي أحاديث طويلة، وغالبيتها تحذيرات من عبوات ناسفة هنا أو هناك، أو أوامر لهم بعدم التجول بعيدًا عن منازلهم".

يضيف شاهد العيان الذي نزح من قرية قاطية يوم 23 يوليو، إنه حتى وقت نزوحه "كان المسلحون يفضلون المبيت في الأراضي الزراعية التي تجاور قريته، لكن عددًا منهم كان يعتلي العمارات ومعهم نظارات مكبرة لرصد أي تحركات أمنية تقترب".

طلاب المدرسة الثانوية الزراعية بقرية قاطية تم تحويلهم إلى مدرسة قرية نجيلة وذلك بعد انتشار المسلحين فيها قبل أن يتعرضوا لقصف جوي دمّر المدرسة التي اتخذوها مقرًا، فاتخذت المحافظة قرارًا بنقل الامتحانات إلى مدرسة نجيلة المجاورة. وفي يوم 10 أغسطس وأثناء عودة مجموعة طلاب من آداء الامتحان؛ تعرضوا لإطلاق رصاص تسبب في مقتل طالب وإصابة 3 من زملائه كانوا على متن الميكروباص.

تقول الرواية الرسمية إن مصدر إطلاق النار يبقى مجهولًا، فيما تقول رواية الأهالي إن عملية أمنية كانت تمشط المنطقة في الطريق الالتفافي بين قريتي قاطية والهميصة وأن النيران جاءت من قوات الأمن المنتشرة في المنطقة، لكن الثابت من المصادر الطبية للمنصة أن الطالب أحمد السيد عبد الرازق قُتل، وأصيبت إسراء إبراهيم حسان وزميليها علاء نصر سلمي، ومحمود مهني سليمان.

وماذا يفعل الفلّاح غير انتظار الجفاف

أشجار النخيل والرمان والزيتون التي تميز قريتي قاطية وأقطية تنتظر من يقطف ثمارها تحت الراية السوداء المرفوعة داخل قاطية، يخشى الأهالي هناك من التعرض لعبوة ناسفة زرعها عناصر داعش. قليل من الأهالي مَن لديه القدرة على الذهاب لمزرعته بينما هجر معظم الفلاحين مزارعهم لمصيرها المحتوم: الجفاف وضياع محصول السنة من الرمان والزيتون والبلح.

يقول سالمان ع. م، أحد المزارعين الذين لم يستطيعوا البقاء في قريته، الجناين، حيث ولد وعاش ومارس مهنته "مصيبتي هذا العام كبيرة مزرعة الزيتون التي شارفت على الإنتاج وحان وقت حصادها الشهر القادم؛ دلوقت مصيرها في علم الغيب. فهل هاتنتهي هذه المصيبة ونعود لبيوتنا ومزارعنا بنهاية أغسطس أم سيضيع كل شيء"، ينهي حديثه مع المنصة باستسلام كامل.

يروي نازحون آخرون يقيمون الآن في منازل مستأجرة في مدينة بئر العبد عن تهدم بيوتهم بعد الهروب، وذلك جراء القصف الجوي أثناء تحصن عناصر ما يسمى بولاية سيناء، داعش، في هذه المنازل بعد فرار السكان، ويشيرون إلى أن التعويضات تتطلب إجراءات ممتدة.

في المقابل وبهدف تسكين مخاوف الأهالي النازحين؛ عرضت محافظة شمال سيناء تعويضات على المتضررين من الوضع الأمني في القرى الأربعة مشترطة إحضار وثائق تثبت وقوع الضرر. وطلب مجلس مركز ومدينة بئر العبد يوم 6 أغسطس الجاري من المسؤولين عن الصفحة الرسمية لمدينة بئر العبد "حث المواطنين المتضررين من أعمال المواجهات الأمنية باصطحاب ما يفيد تضررهم سواء كان نشاطًا زراعيًا أو منازل أو مشروعات صناعية أو تجارية حتى نتمكن من حصر تلك الحالات وعرضها على الديوان العام للعرض على رئاسة مجلس الوزراء، وعليكم التنسيق مع العلاقات العامة بالديوان العام لتحديد المستندات المطلوبة لاثبات الضرر الواقع".

دعوة الأهالي المتضررين للتقدم بمستندات تثبت خسائرهم

النازحون القدامى يغادرون مجددًا

الضربة التي تلقاها أهالي القرى الأربعة طالت نازحين آخرين اعتقدوا أن تلك القري بعيدة عن قراهم الأصلية التي نزحوا منها في الشيخ زويد ورفح. يقول أبو محمد، 78 عامًا، وهو نازح قديم من رفح يقيم حاليًا في مدينة الشيخ زويد، إن عددًا من أبنائه سكنوا في واحدة من قرى بئر العبد حيث يعملون كمزارعين، وأنه رفض قبل نحو 3 أعوام الانتقال إلى واحدة من قرى بئر العبد بسبب عمره المتقدم هو وزوجته العجوز، ورغبتهما أن يكونا في أقرب مكان من موطنهم الأصلي في رفح.

يضيف أبو محمد "الأولاد بيفكروا ينزحوا مرة تانية من قريتهم القريبة من القرى الأربعة، لكن هذه المرة أخبروني برغبتهم في السفر إلى الإسماعيلية خوفًا من تدهور الأوضاع مرة أخرى ويأسهم من حدوث أي تقدم. بالنسبة لي أفضّل الموت هنا على نزوحي مرة تانية"، مشيرًا إلى أن هذه التجربة تنغص عليه حياته حتى الآن بعد أن هجر مزرعتي الزيتون والخوخ الكبيرتين في رفح اللتين كانا يمتلكهما "ربنا لا يكتبها على حد"، لكنه يعود ليسأل نفسه عن رفح وأيام رفح "بالك هتعود؟"، ويجيب أيضًا "ربنا كبير وقادر على كل شيء".

حصلت المنصة على صورة من طلب تقدم به اثنين من نواب البرلمان عن مركز بئر العبد وأمين حزب مستقبل وطن، بسرعة تقييم الأضرار وصرف التعويضات التى لحقت بالأهالي في قرى رابعة وقاطية وأقطية والجناين والمريح وأبو جلود والهميصة (جميعها قرى صغيرة تابعة لقرية رابعة المركزية)، عقب انتهاء العمليات الأمنية. محافظ شمال سيناء اللواء محمد عبد الفضيل شوشة صدّق على هذا الطلب بالقول "يتم تشكيل لجنة من المحافظة وبئر العبد لأعمال الحصر بعد هدوء الموقف، ووقع بتاريخ 25 يوليو 2020".

كما طالب النواب رمضان سرحان وسلامة الرقيعي وسالم العكش في خطاب ثانٍ موجه لمحافظ شمال سيناء، بأن يتم اعتبار المواطن القتيل أشرف عامر سالم، شهيدًا ومنح أسرته كل ما يستحق. وأفادت شهادات من أهالي للمنصة أن سالم خرج لعناصر داعش وقت الهجوم على قرية رابعة وأخبرهم بصوت مرتفع أن ما يفعلونه "إفساد في الأرض"، فأعدموه رميًا بالرصاص أمام منزله وبحضور أسرته.

خطاب من عضوي البرلمان وأمين حزب مستقبل وطن بطلب تعويضات للسكان المتضررين

ماذا يفعل الأمن الآن؟

يقول أحد شهود العيان "دخول المسلحين إلى القرى الأربعة قاطية وأقطية والجناين والمريح بسهولة، لا يعني أن خيار الخروج منها أمرًا سهلًا إذ تزايدت وتيرة التعزيزات الأمنية حول القرى التي لا يزال بها بعض السكان، الأمر الذي حقق نتائج إيجابية أدت لتقليص ظهور العناصر بشكل علني في القرى الأربعة، وإن كانت السيطرة الأمنية عليها بشكل كامل لا تزال غائبة".

يضيف الشاهد الذي يسكن واحدة من القرى ويرفض مغادرة منزله حتى نشر هذا التقرير "الضغط الأمني على هذه العناصر دفعهم للانزواء في المزارع المحيطة لقريتنا. قوات الأمن بتضيّق عليهم الدايرة بشكل تدريجي على هيئة كماشة من جميع الاتجاهات، وسمعنا إنهم (الأمن) عملوا كدا في قرى الشيخ (زويد) ورفح".

إحدى رحلات استطلاع الأوضاع في القرى التي يتمركز فيها المسلحون

بعد عدد من الضربات الجوية والمدفعية علي تمركزات المسلحين داخل القرى؛ تعود مجموعات من الأهالي سيرًا على الأقدام لاستطلاع الأمر وتقييم خيار العودة النهائية أو التريث لحين الشعور بالاستقرار التام الذى لن يتحقق، من وجهة نظرهم، سوى بالخروج النهائي لعناصر ما يسمى بولاية سيناء من القرى. آخر هذه الزيارات كان يوم 13 أغسطس/ آب الجاري، وتشارك معنا أحد الأهالي صور إحدى رحلات الاستطلاع لقريته الأصلية.

موعد العودة لا يزال مجهولًا حتى بالنسبة إلى نواب الشعب عن الدائرة الانتخابية التي تتبعها القرى الأربعة. يقول النائب سلامة الرقيعي عضو البرلمان "بالنسبة لحالة نزوح الأهالي من تلك القرى فقد تم إستيعاب وإستضافة عدد منهم في القرى المجاورة بمركز بئر العبد بمعرفة الأهالي، وخاطبنا الجهات التي تمتلك وحدات إسكان إجتماعي وإداري وتجهيزها لاستيعاب مَن يرغب في الإقامة بها ولحين العودة إلى ديارهم".

المنصة سألت النائب عن موعد عودة الأهالي فقال "هناك عودة نسبية لبعض الأهالي في بعض القرى بالتزامن مع العمليات الجارية من القوات المسلحة، وعلى أمل العودة الكاملة في القريب العاجل". مضيفًا "تواصلنا (كنواب) مع الجهات المعنية ومنها السيد اللواء محافظ شمال سيناء الذي وافق على تشكيل لجنة لحصر الأضرار التي أصابت القرى، وخاطبنا الجهات المعنية بتقديم الإعانات الإغاثية والمساعدات العاجلة مثل مديريتي التضامن والتموين لتوفير الإحتياجات الضرورية للأهالي".

وعن تقديره لعدد النازحين من القرى، قال الرقيعي "في حدود 10 آلاف مواطن".