تصميم: المنصة

اﻷطباء ضحايا كورونا: معاش معطل وتعويض من رواتبهم

رغم صدور العديد من تصريحات المسؤولين في وسائل الإعلام والمحافل العامة، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بمعاملة ضحايا الفريق الطبي الذين توفوا أثناء عملهم في صد جائحة كورونا معاملة الشهداء، وتكريم أسرهم، إلا أن الواقع الذي يعيشه هؤلاء يغاير ما تناولته وسائل الإعلام، حيث رصدت المنصَّة بعض العقبات التي تواجه تلك الأسر.

مع وقف التنفيذ

"لازم الحكومة تعرف إننا مش أقل من شهداء الجيش والشرطة، وإننا فقدنا أزواجنا وفقدنا معاهم المورد الأساسي للدخل، وعندنا أولاد مستقبلهم هيضيع لأننا مش هنقدر نكمل لهم تعليمهم، لأن فيه منهم اللي في كليات ومدارس خاصة ودول ما بيرحموش، وإذا مدفعناش هيضيعوا، فهل يكون جزاء الشهداء ضياع أولادهم، هو ده عدل؟"، كانت هذه كلمات أرملة أحد الأطباء المتوفين بكورونا في محافظة سوهاج، تعليقًا على الصعوبات التي تواجهها.

الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل هي المعنية بتحديد الأمراض المستعصية والمزمنة التي تسبب عجزًا كليًا عن العمل، وكذا الأمراض المهنية التي تعتبر إصابة عمل، وفي 31 مايو/ أيار الماضي أصدرت الإدارة المركزية للجان الطبية، التابعة للهيئة، تعليمات دورية قررت فيها احتساب الوفاة الناتجة عن مرض كوفيد 19 وفاة إصابية يترتب عليها كافة الحقوق التأمينية الناتجة عن ذلك، كما قررت أيضًا معاملة الإصابة بذات المرض معاملة الأمراض المهنية، لحين إضافتها إلى قائمة الأمراض المهنية المعرض لها العاملين بالقطاع الطبي.

تعليمات الإدارة المركرية للجان الطبية باحتساب كورونا المستجد وفاة إصابية

واختتمت اﻹدارة التعليمات الصادرة رسميًا قرارتها بتعميمها على الجهات الحكومية والتأمينية لتنفذ كل منها ما يخصه، ورغم أن رئيس الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، عضو بمجلس إدارة الهيئة القومية للتأمينات والمعاشات، حسب نص المادة التاسعة من قانون التأمينات والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، إلا أن تلك القرارات لم تُطبَّق، وهو ما تؤكده أسر الضحايا، فتقول أرملة طبيب"أنا سألت من يومين في هيئة المعاشات وقالوا لي إن قرار معاش إصابة العمل ده غير مفعل، ولم يصلهم أي شيء عن هذا القرار" وتستكمل أرملة طبيب آخر "في الفيوم نفس الكلام، المعاشات بيقولوا إن كوفيد 19 مش معتمد أصلًا إصابة عمل، روحوا ارفعوا قضية".

وطبقًا للمادة 32 من قانون التأمينات والمعاشات تستحق أسرة المتوفى نتيجة إصابة عمل تعويضًا إضافيًا، كما يزداد المعاش المستحق بنسبة 80 % من آخر أجر أساسي للموظف المتوفى، لكن الواقع كثيرًا ما يخالف ذلك.

طبقًا للمادة 32 من قانون التأمينات والمعاشات تستحق أسرة المتوفى نتيجة إصابة عمل تعويض إضافيًا.

مكاتب الصحة لا تعرف كورونا

بحسب روايات أسر ضحايا الأطباء في جائحة كورونا بمحافظات مختلفة، فإن مكاتب الصحة ترفض كتابة سبب الوفاة فيروس كورونا المستجد أو مرض كوفيد 19، في شهادات الوفاة التي تصدرها، رغم تقديم أسر الشهداء كافة الأوراق والتقارير الطبية الرسمية التي تُفيد ذلك، ويسجَّل بدلًا من ذلك "التهاب رئوي نتيجة فيروس غير محدد" أو أي سبب آخر بخلاف فيروس كورونا، فتقول أرملة طبيب كان يعمل بمستشفى حميات إمبابة وتوفى بكورونا "شهادة الوفاة الكمبيوتر مرضيش موظف الصحة يكتب فيها كورونا رغم وجود كل الأوراق التي تثبت وفاته بكورونا" وتضيف أرملة طبيب آخر بسوهاج "شهادة وفاة زوجي مكتوب فيها فشل في عضلة القلب رغم أن المسحة إيجابية لكورونا وتم تحويله من مستشفى طما المركزي لمستشفى سوهاج بسبب أنه عنده كورونا والمستشفى أعطتنا خطاب بذلك".

ابنة طبيب آخر تؤكد أن شهادة وفاة والدها لا تذكر كوفيد 19، بينما مكتوب في تصريح الدفن وتقارير المستشفى أن الوفاة حدثت بكورونا، بينما تضيف أرملة طبيب بالمستشفى الجامعي بطنطا "المستشفى التي كان شغال فيها زوجي رفضت تمامًا أنها تكتب إصابة عمل مع إن مدير مستشفى العزل طلعت محرر رسمي أنه مصاب بكوفيد ومع ذلك لم تُكتب في شهادة الوفاة" وتكمل أرملة طبيب آخر "أنا اتخانقت علشان يكتبوا سبب الوفاة كوفيد وبرضه لم يكتبوها"، بينما قالت أرملتا طبيبين بالشرقية وأسيوط إن شهادة الوفاة الورقية تم استخراجها خلال يومين من تاريخ الوفاة، ومسجل فيها سبب الوفاة كورونا، لكن المعاشات لا تعترف بها وطلبوا النسخة المميكنة، وكذلك لا يعتدون بكورونا كإصابة عمل.

واستفسرت المنصَّة من أحد الإداريين بوزارة الصحة عن سبب رفض تسجيل كورونا كسبب وفاة، فأفاد بأن الشهادات التي تصدر من مكاتب الصحة والسجل المدني مميكنة والبيانات التي تدوَّن بها مسجَّلة ويتم الاختيار منها. وأضاف أنه يستلزم لاستحداث اختيار "فيروس كورونا المستجد" في خانة "سبب الوفاة" التنسيق بين وزارتي الصحة والتخطيط ومصلحة الأحوال المدنية.

المسؤولون يمتنعون

حاولت المنصَّة، على مدار اﻷيام الماضية، التواصل هاتفيًا مع العديد من المسؤولين في وزارتي الصحة والتضامن الاجتماعي والهيئة القومية للتأمينات الإجتماعية، وراسلتهم على الواتساب لطرح شكاوى ومشكلات أسر الأطباء للتعليق عليها، لكنها لم تتلق ردًا، ومن بينهم المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة، خالد مجاهد، والمستشارين الإعلاميين لوزارة التضامن الاجتماعي، محمد عبد المنعم وشادي عبد الله، والمستشار الإعلامي للهيئة القومية للتأمينات الإجتماعية، عبد الرحمن صلاح، ورئيس الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية، اللواء جمال عوض، ورئيس قطاع مكتب وزيرة الصحة، الدكتور محمد عبد الوهاب، ورئيس قطاع الطب الوقائي بوزارة الصحة، علاء عيد.

فيما اكتفى مدير عام مكاتب الصحة بالطب الوقائي بوزارة الصحة، الدكتور عبد الشكور محمود، بالرد بكلمات مقتضبة على أسئلة المنصَّة "ابعتوا جواب لرئيس قطاع الطب الوقائي بأسئلتكم ونرد عليها".

امتيازات مختلفة

سبتمبر/ أيلول الماضي صدر قانون رقم 184 لسنة 2020 بتعديل بعض أحكام قانون تنظيم شؤون أعضاء المهن الطبية رقم 14 لسنة 2014، وشملت التعديلات إنشاء "صندوق التعويض عن مخاطر المهن الطبية" الذي يهدف بحسب نص المادة السابعة من القانون إلى "تعويض المستفيدين منه عن الوفاة أو الإصابة التي ينتج عنها عجز كلى أو جزئي، وذلك نتيجة مزاولة المهنة على النحو الذى يحدده النظام الأساسي للصندوق، وتقديم الرعاية الاجتماعية للأعضاء وأسرهم، بالإضافة إلى أي مزايا أخرى يعتمدها مجلس إدارة الصندوق، وذلك كله وفقًا للملاءة المالية التي تحددها دراسة اكتوارية من خبير اكتواري معتمد".

أما موارد الصندوق فحددتها المادة الـ14 من القانون "نسبة 5 % من بدل المخاطر الطبية المستحق لأعضاء المهن الطبية، و5 % من المكافآت المقررة لأطباء الامتياز، و5 % من رسوم تراخيص مزاولة المهن الطبية، و5 % من رسوم تراخيص المنشآت الطبية، والتبرعات والهبات وما تخصصه الخزانة العامة للدولة من موارد لصالح الصندوق".

كما تتضمن موارد صندوق رعاية مصابي وأسر شهداء الجيش والشرطة نسبة 5 % من حصيلة رسم تنمية الموارد المالية للدولة وما يخصصه مجلس النواب من تبرعات.

وفي عام 2018 صدر القانون رقم 16 الخاص بإنشاء صندوق تكريم شهداء وضحايا ومفقودي ومصابي العمليات الحربية والإرهابية والأمنية، وأسرهم، وبنص المواد 7 و8 و9 من القانون، تتكون موارد الصندوق من حصيلة لصق طابع فئة خمسة جنيهات على رخص السلاح والقيادة والسيارة وصحيفة الحالة الجنائية، وتذاكر المباريات الرياضية والحفلات وتأشيرات الإقامة للأجانب وتصاريح العمل للمصريين لدى جهات أجنبية، وكراسة الشروط للمناقصات الحكومية وعقود المقاولات وترخيص المدارس الخاصة وطلبات حجز قطع الأراضي وطلبات الاشتراك في النوادي.

كذلك من موارد الصندوق مساهمة إجبارية للطالب في التعليم قبل الجامعي بخمسة جنيهات، وبعشرة جنيهات للطالب في التعليم الجامعي وما بعده، ومن ضمن هؤلاء الطلاب طلبة الكليات والمعاهد الطبية والصحية، كما تتضمن موارد صندوق رعاية مصابي وأسر شهداء الجيش والشرطة نسبة 5 % من حصيلة رسم تنمية الموارد المالية للدولة وما يخصصه مجلس النواب من تبرعات، مستقطعة من مكافآت النواب، وأخيرًا ما تخصصه الدولة للصندوق من موارد أخرى.

نص أيضًا القانون في مادته السادسة على تنسيق الصندوق مع الجهات المعنية بالدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص لتقديم الخدمات لأسر الشهداء والمصابين من الجيش والشرطة، مثل الإعفاء من مصروفات الدراسة وتوفير فرص عمل ووحدات سكنية والاشتراك في النوادي، بالإضافة إلى استخدام كافة وسائل المواصلات المملوكة للدولة بتخفيض 50 %.

في مقارنة سريعة بين موارد الصندوقين (صندوق رعاية أسر شهداء أعضاء الفريق الطبي وصندوق رعاية شهداء القوات المسلحة والشرطة)، وباستثناء بند ما تخصصه الدولة من موارد أخرى، سنجد أن جميع موارد الصندوق الأول عبارة عن مستقطعات من رواتب وبدلات العاملين بالمهن الطبية أنفسهم (تمويل ذاتي)، بينما جميع موارد الصندوق الثاني عبارة عن مساهمات وضرائب على جميع المواطنين بعيدًا عن رواتب وبدلات العاملين بالقوات المسلحة والشرطة.

يتضح كذلك الفارق بين الخدمات الاجتماعية والتخفيضات الممنوحة لشهداء ومصابي القوات المسلحة والشرطة، ومثيلتها التي تكاد تنعدم بالنسبة لأقرانهم في المهن الطبية.

ويذكر أن حتى هذا الصندوق، بإمكانياته الضعيفة، "لم يتم تفعيله حتى الآن، رغم أن أغلب موارده تمويله من مستحقات أعضاء المهن الطبية أنفسهم"، بحسب عضوة مجلس النقابة العامة للأطباء، ومقررة اللجنة الاجتماعية، الدكتورة إيمان سلامة.


اقرأ أيضًا: حكايات مختلسة من وقت محاربي الفيروس


واجبات ثقيلة وإمكانيات ضعيفة

وقالت سلامة للمنصَّة إن النقابة تبذل قصارى جهدها لدعم أسر ضحايا الأطباء سواء ماديًا أو بالخدمات، وتم الموافقة على دعم 80 أسرة تقدموا بطلبات للنقابة ب 50 ألف جنيه لكل أسرة إضافة إلى مثل هذا المبلغ من اتحاد المهن الطبية، كما تم إعفاء أسر الضحايا من رسوم الاشتراك في مشروع علاج اتحاد المهن الطبية.

"لكن أدوات وإمكانيات النقابات ضعيفة ويجب على الحكومة القيام بدورها في دعم أسر الشهداء والمصابين من الفرق الطبية" تضيف سلامة "إلا أننا فوجئنا بشكاوى الأسر من رفض هيئة المعاشات باحتساب معاشهم على أساس الوفاة نتيجة إصابة عمل وذلك على الرغم من صدور قرارات رسمية من الجهات المعنية بإدراج الوفاة بسبب مرض كوفيد 19 وفاة إصابية.

توضح سلامة أن اللجنة تواصلت مع وزارة الصحة وسلَّمت طلبات رسمية للمسؤولين المختصين بها لاستحداث كود في شهادة الوفاة يسمح بتسجيل أن سبب الوفاة فيروس كورونا المستجد، حيث إن هذا من أسباب رفض هيئة المعاشات، مشددة "سنتابع ونتواصل مع جميع الجهات المعنية حتى تُحل تلك المشكلة".

جامعة جون هوبكنز اﻷمريكية سجلت حوالي 50 مليون إصابة بفيروس كورونا المستجد حتى اﻵن، في الوقت الذي أعلنت فيه نقابة اﻷطباء وفاة 194 طبيبًا متأثرين بإصابتهم بالفيروس، بينما حذرت وزيرة الصحة، الدكتورة هالة زايد، من ارتفاع إصابات ووفيات فيروس كورونا المستجد خلال شهر ديسمبر/ كانون اﻷول المقبل، حال التراخي في تطبيق الإجراءات الاحترازية.