تصميم: يوسف أيمن - المنصة

هواجس الجائحة: عم عبد الله ومخاوف الموت المجاني

منذ بداية شهر ديسمبر/ كانون الأول يكاد لا يمر يوم إلا ويعلن شيخ المسجد المجاور عن حالة وفاة جديدة. في البدء كان يكرر اسم المتوفى أو المتوفاة بصوت جهوري ثلاث مرات، ولكن شيئًا فشيئًا أصاب صوته الوهن والخوف، فأصبح يعلن الاسم بصوت خافت وكأنه يهمس بسرٍّ، خاصة منذ إعلانه وفاة خادم المسجد عم عبد الله.

يومها نطق الشيخ الاسم بالكامل وكأنه يقرأ نعيًا في جريدة. لم أميز الاسم حينها، ولكن يبدو أن أحدًا نبهه إلى عدم معرفة أهل المنطقة باسم الرجل الثلاثي، ففتح الميكرفون ثانيةً وكرر الاسم مع إضافة جملة "الشهير بعبد الله خادم مسجد التوحيد".

جاء عم عبد الله لخدمة المسجد منذ 15 سنةً تقريبًا، ومنذ حينها لا أتذكر أن صوته وهو يرفع الأذان غاب يومًا. لم يكن صوته مميزًا ولكن معاملته الطيبة منحته مكانة مميزة في قلب كل من عرفه. في أيامه الأولى ظنه الناس شيخًا جديدًا من شدة حرصه على نظافة ملابسه التي سرعان ما ذهب بريقها، لكن نفسه بقيت عزيزة.

لم يكن من سكان المنطقة، لكنَّ صمته وتعففه وروحه المتصوفة الزاهدة منحوه قدرًا من الهيبة والإجلال، وحمايةً من أعين وألسنة النمامين، ويبدو أنه لم تكن له أسرة لأن شيخ المسجد عند إعلان وفاته، لم يتحدث عن أبنائه أو أخوته أو عائلته، كما هو معتاد.

رحل عم عبد الله دون أن أودعه، رحل وحيدًا كما جاء تاركًا سيرة طيبة وذكريات بسيطة تشبهه، لم أستطع المشاركة في الصلاة عليه، ولا السير في جنازته، ليس خوفًا من الإصابة بفيروس كورونا فقط، ولكنَّ لحظة الوداع كانت أقصى من قدرتي على احتمالها، ولا أعلم هل كان وداع أهل المنطقة له لائقًا أم لا.


قبل بداية أزمة كورونا كنت أعاني من آلام في العمود الفقري ومنطقة الكتف بسبب العمل المكتبي وعدم الحركة وممارسة الرياضة بانتظام، تزامن معها الدخول في تجربة نفسية قاسية. كسرتْ دوامة المرض رهبة الموت في نفسي، أو هكذا ظننت، لذلك مع بداية الجائحة لم أصب بالهلع، كنت أردد دائمًا "أنا لا أخشى الموت بل المرض".

كانت الموجة الأولى الجائحة وما صاحبها من خوف وترقب وهدوء في إيقاع الحياة فرصةً لالتقاط الأنفاس، تعلمت فيها أشياء كثيرة عن نفسي وعن الحياة، واستعدت قدرًا كبيرًا من عافيتي الجسدية والنفسية بدعم من الأسرة والأصدقاء، وبالتزامن مع تجربة جديدة في مجال التربية بعد حصولي على منحة دبلوم مهني لتنمية مهارات التصميم والتسيير التربوي في التعليم غير النظامي.

ساعدتني هذه الفترة على التحرر من صراعات الحياة ودواماتها التي لا تتوقف، والركض المستمر من أجل التحقق والحصول على مزيد من المكاسب المالية، كل شيء فقد قيمته أمام سطوة الموت وقسوة المرض، كل الأفكار الاستهلاكية والرأسمالية لم يعد لها معنى، سألت نفسي كثيرًا في هذه الفترة ولا زلت أتساءل، عن مدى قدرة أفكار وممارسات التراكم الرأسمالي، رغم هشاشتها التي ظهرت بجلاء أمام فيروس مراوغ وقاتل قادر على إنهاء حياة أيٍّ منّا في أيِّ لحظة، على التغلغل في حياتنا.

لم أعد أفكر في المستقبل، القلق من القادم والسعي لضمان الأمان والراحة المادية تضاءلا لصالح نوع آخر من القلق مرتبط بالعائلة والذكريات، أدركت جيدًا أن قيمة الحياة تكمن فيما نعيشه سويًا لا في التراكم المادي الذي نتركه. ارتبطت نوبات القلق والفزع بخوفي على والديَّ المصابين بأمراض مزمنة (الضغط والسكر)، وعلى طفلي الصغير وزوجتي، على إخوتي والأصدقاء، ماذا لو رحل أيٌّ منهم؟ وماذا لو رحلت أنا؟ كيف ستكون حياة هذا الطفل؟ من سيعتني به؟ وماذا يُزرع بداخله حينما يكون أول المعاني التي تخبره بها الحياة هي الفقد؟ فقد والده أو آخرين من أسرته الصغيرة.

الأصعب من الموت هو انتظاره، أن تظل مترقبًا لحظة رحيلك أو رحيل من تحب، تضع عشرات الاحتمالات للحظات المرض أو الرحيل، ستحاول أخذ كل تدابيرك الاحترازية، لكنك أيضًا ستظل عاجزًا عن حماية نفسك ومن تحب وعن ضمان سلامتهم، وفي النهاية حتمية الحركة واستمرار الحياة تفرض نفسها على الجميع إما لاحتياج مادي أو نفسي؛ فخلال شهور الغلق الجزئي في الموجة الأولى من الجائحة كانت مشاعر الاكتئاب طاغية على معظم من أعرفهم. العزلة تجربة مهمة حين نختارها، لكن حين تفرض علينا تتحول إلى سجن كبير.


في نهاية شهر أكتوبر سقطت والدتي في فخِّ المرض، لم تُصب بفيروس كورونا ولكنَّ ضغطها ارتفع فجأة، وكانت معرضة للإصابة بجلطة دماغية، غير أن رحمة الله كانت أوسع، فحظيت برعاية جيدة في المستشفى ساعدتها على العودة للحياة من جديد بعد ساعات من القلق والخوف، لكنها لم تعد كما كانت؛ تباطأت حركتها وقلَّ تركيزها وصارت أعصابها أضعف.

تجربة مرضها ألقت بظلالها على الجميع، يمكنني أن أرى الوهن والضعف والخوف في صوت أبي وحركته أيضًا كلما تلاقت أعيننا، أشعر أنه يريد أن يودعني، أن يحتضنني ويبلغني وصيته، لكنه يتراجع، مكتفيًا بسؤالي عن طفلي الصغير، أو اللعب معه إذا كان معي.

رغم سنواته السبعين كان والدي حتى أسابيع قريبة يتحامل على نفسه ويذهب إلى المسجد على الأقل في أيام الجمعة، ومع بداية الجائحة طلبنا منه عدم الذهاب خوفًا عليه ولم يستجب. كان يردد دائمًا "العمر واحد والرب واحد ومحدش بيهرب من قدره"، لكن مع قرار غلق المساجد أجبر على البقاء في البيت وشعر بخطورة الموقف، ثم تلاشت هذه المشاعر مع مرحلة إعادة الفتح وعودة الحياة لإيقاعها السابق.

قبل الإعلان عن وفاة عم عبد الله بثلاثة أيام كانت صلاة الجمعة الأخيرة لأبي في المسجد، استيقظ يومها وطلب من ابن أخي اصطحابه، وعند عودته ظهر عليه الإرهاق بوضوح فلم تعد صحته تحتمل صعود ونزول السلم، فضلًا عن السير للمسجد، ورغم أن عم عبد الله لم يكن من أصدقائه المقربين، إلا أن مشاعر الأسى على رحيله والإحساس باقتراب دائرة الخطر جعلا أبي لا يُعْرِض عن الذهاب إلى المسجد فقط، بل وعن الجلوس أمام البيت أيضًا، وهي التي كانت نزهته الوحيدة تقريبًا منذ خروجه إلى المعاش.


اقرأ أيضًا: على أنغام معزوفة المرض: إعادة اكتشاف العلاقة بالجسد

تصميم: يوسف أيمن - المنصة

تزداد قسوة الموت عندما يقترن بالوحدة، في الموجة الأولى للجائحة كان شعور عام بالتضامن عززته وسائل الإعلام العالمية والمحلية ومنصات التواصل الاجتماعي، ورغم كل الآراء والمواقف المتباينة، عطلت دول كثيرة أنشطتها الاقتصادية في محاولة لحفظ حياة المواطنين، ومحاولة السيطرة على الوباء أملًا في استعادة الحياة الطبيعية مرة أخرى.

أما في الموجة الثانية ورغم أنها أكثر قسوة من الأولى، تتأخر وتتلكأ كثير من الحكومات في أخذ خطوات جادة للحماية، فضلًا عن حضور ضئيل لحملات التوعية في وسائل الإعلام. واقع مفزع وتعامل في غاية اللامبالاة، لا أعرف إن كان الناس فقدوا رهبة الموت من انتشاره، أم أن الاحتياج للعمل هو ما يدفعهم للتعامل بهذا القدر من "القدرية" وعدم الاكتراث. في الشوارع ومحطات المترو والمقاهي والمدارس تسير الحياة بوتيرة عادية تمامًا، وكأن الناس تلقي بنفسها إلى حضن الموت.

مع رحيل العديد من المقربين في دوائر معارفي مؤخرًا، أدركت أنّي أخاف الموت لا المرض فقط كما كنت أردد سابقًا، أنا أخشى الموت ولا أريده، ليس طمعًا في الحياة؛ فالموت هو اليقين الراسخ والحقيقة المؤكدة، وبالتالي سنموت جميعًا عاجلًا أم أجلًا، لكنني أخشى الفقد والوحدة والرحيل إلى مجهول لا أعرفه، فإذا كان لا بد من الموت، فلا أريد موتًا مجانيًا، أريد موتًا محمّلًا بالمعنى.